أسماء الله الحسنى منهج حياة

خيري شلبى

الثلاثاء, 16 أغسطس 2011 10:00
بقلم : خيرى شلبى

يتحدث المفكر الفرنسى لوى غارديه عن القيم الدينية فى الإسلام، وكيف أن المسلم يعى ذاته على أنه عضو فى أمة محمد والشىء الوحيد الذى يعطيه هويته هذه ليس هو عرقه ولا لغته الثقافية، ولا المسار التاريخى لبلده الذى يعيش فيه، بل حقيقة إيمانه، إن الإسلام فى إلهامه العميق وبصورة أساسية هو موقف الإنسان المخلوق تجاه الله خالقه، الحاكم الرحمن.

 

ويعرف «غارديه» الإيمان تعريفاً بديعاً إذ يقول إن الإيمان يعنى الطمأنينة والثقة ويضيف: والإيمان تشتق منه ثلاث كلمات هى: الأمان والسلامة والأمانة والوفاء والأمن والسلام والسلم، والله بحكمه قضى بأن يزرع فى قلب المؤمن به الأمان والطمأنينة فى النفس التى هى حالة المؤمن والإيمان شهادة: إنها الإقرار بالشهادة فى أعماق النفس، إنها الشهادة المعلنة أمام الناس بالقول والفعل.

وفى رأيه أنه لا يوجد فى الإسلام «خطايا مميتة» و«خطايا عرضية» هناك الكبائر، وهناك الصغائر، الكبائر هى التى يعاقب الله عليها ومصيرها مرهون بعفوه ورحمته، أما المذنب الذى لا ذنب بعده ولا غفران معه فهو الشرك بالله أى إنكار الإيمان بالله وبالقرآن وبالنبى ومن يفعل ذلك فهو فى النار إن لم يتب ولكن كل معصية أخرى تظل مغفورة، حتى ولو لم يتب أصحابها، بفضل الله ورحمته، لأن الله هو الرحمن الرحيم، وهو الغفور الغفار والأخلاق فى الإسلام لمن أراد أن يعيش أوامره، شديدة صارمة، ولكنها فيما خص الخلاص الأبدى تقع فى وضع خاص جداً بين الله والمخلوق، إن عمل الإنسان مهما كان لا يصل إلى مستوى خلق الله إنما الإنسان مخلوق ضعيف شرفه الله بفضله وهواه إنه كائن من حمأ ومن دم، إنه بذاته لا يستطيع إلا الهبوط ولكن الله خلقه ليعبده، والله وحده يهديه إلى الصراط المستقيم ومن هنا كان الإيمان، الإيمان الخالص، الصافى من كل شك، الهدية الوحيدة التى يمكن أن تهدى إلى الله.

ثم يقول: إن شعور الإنسان المزدوج بضعفه الذاتى وبجلال عطاء الله لا يمكن إلا أن يحمل الإنسان على التسليم كلياً لإرادة الله العظيم ومشيئته وحكمته وراحته هذا التسليم هو المعنى الصحيح لكلمة الإسلام، إنه ليس تسليم الخائف، ولا هو تسليم جبر، بل هو الثقة الإيجابية العمياء، ثقة من يعلم أنه أخذ كل شىء من سيده وخالقه إن العلاقة بين الإسلام والإيمان مسألة أثارت الكثير من النقاش والجدل واختلفت الأجوبة، من جهة بحسب تحليل فعل الإيمان، ومن جهة أخرى من حيث مفهوم الإسلام هل هو المفهوم الأول، أم هو دين مقيد ومؤسس. ويضيف غارديه يقول: فى الحالة الأخيرة إن الإسلام لا يفقد مفاهيمه التى تشتق من تسميته، لأن الإسلام بمعناه التسليم لله، يظهر ويجب أن يظهر فى عيون الناس بالتسليم لكلام الله وإطاعة أوامره ونواهيه، وبالالتزام المخلص لهذه الأوامر والنواهى، الإسلام هو فعل الإيمان وكثيرون هم العلماء الذين يرون فى الإيمان والإسلام صنوين أو على الأقل متقابلين، والمسلم الحق لا يكون مسلماً بحق إلا إذا كان مؤمناً والإيمان الحق لا يمكن إلا أن يؤدى إلى التسليم الذى يتطلبه الإسلام ولأن الإسلام الحق والإيمان الحق يقتضيان النية الصادقة فإن الفقهاء والعلماء والكتاب الروحيين يركزون كثيراً على النية، والنية الصادقة مطلوبة فى كل طاعة وكل صلاة، يجب أن تكون مسبوقة بالنية، إن مادية الأعمال تظهر الإنسان مسلماً فى نظر الناس، أما النية فتعطى هذه الأعمال قيمة أمام الله والنية الصادقة سبيل إلى الإخلاص، وهو الانصراف إلى الله فى القصد والإخلاص لجماعة إخلاصاً كاملاً بدون أى دافع أنانى ولا مطمع دنيوى، والإخلاص المعاش أبداً فى الذات يؤدى إلى حالة الإحسان، أن تتصرف وكأن الله معك، هذه الحركة نحو الذات، النية، الإخلاص، الإحسان، ليست مقصورة على بعض الروحانيين أو الصوفيين، إنها مطلوبة فى كل مسلم، إنها ركيزة الإسلام الحق.

ويتوقف «لوى غارديه» عند أسماء الله الحسنى وقفة دراسية شارحة، ليس باعتبارها مجرد أسماء يتعين على السملم ترديدها للتبرك بها، بل باعتبارها منهج حياة فيقول: إن التقوى فى الإسلام تمجد أبداً الأسماء الحسنى، والمؤمن مدعو إلى تردادها وتكرارها، وإلى التأمل فيها دوماً ومن بين

هذه التسعة والتسعين اسماً هناك اسمان يدعوان الله الجبار، رغم أنه لا يظهر بهذا الشكل إلا أمام الكفار يوم القيامة الله يظهر كحق مطلق وعدل وسلام ونور، خالد أزلى دائم سرمدى، خالق، عظيم، دائم عالم حكيم قوى فى نظر الناس إنه الحكم العادل الرحمن الرحيم، العطوف الشغوف المعطى الحامى وتبدو الواجبات الخمس العقائدية الإلزامية، الأعمدة الخمسة فى الإسلام وهى الشهادة والصلاة والصوم والزكاة والحج ليست مجرد واجبات شرعية، إذ لكل منها معناه ومداه الروحيين اللذين ينزعان إلى تكميل وتعميق موقف الإنسان، الخادم الأمين، تاجه الله حاميه، ودليله، وبكل صفاء، ولوجه الله يجب أن يتم عمل الخير.

وإذا كان الله نوراً وعدالة وسلم وحقيقة فإنه أيضاً حب، والحب ليس من الأسماء الحسنى، رغم أن آيتين قرآنيتين، تتكلمان عن المحبة المتبادلة بين الإنسان والخالق، إحداهما كلها ترغيب: «قل إن كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم»، والثانية فيها ترغيب أيضاً ولكن بعد تهديد بالعقاب: «يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتى الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين»، ويرد كثيراً إن الله يحب فاعلى الخير.

وفى رأيه أن مسألة حب الله والاتحاد مع الله لاتزال ترتبط بتاريخ التصوف والصوفية، هى مدرسة وهى عقيدة وهى نمط حياة لأولئك الذين يعيشون لابسين الصوف إنها ظاهرة دينية ذات أهمية، نابعة عن التأمل القرآنى الذى يمارسه المتعطشون إلى الله، إن التصوف الإسلامى قد ثبت وكأنه أحد المنافذ المتاحة أمام النفوس المسلمة، وإن تأريخاً للفكر الدينى الإسلامى يتجاوز الصوفية هو تاريخ مجتزئ ولكن الحكم على معطيات الإيمان، وعلى الحياة الإيمانية فى الإسلام من خلال الصوفية وحدها هو تضليل إذ مهما كان ما يسمى بعقيدة رجال التصوف مهماً بالنسبة إلى المواقف الوجدانية والفكرية الإسلامية الخالصة تظل أهميته هامشية فى كثير من النواحى، ذلك هو بدون شك المعنى العميق لهذا الموقف فى الصوفية فى الإسلام المتأرجح بين القبول والرفض، حتى أيامنا، وغير المقترن بالشجب المطلق فى جميع الأحوال.

ثم يطرح «غارديه» هذا التساؤل المهم: هل من الممكن رسم وتحديد الأسباب العميقة لحالة الواقع الراهن؟ من أين تأتى المعارضات، التى قد تصل إلى حد إحراق الدم، والتى ترتسم على طول معالم التاريخ الصوفى؟ ومعها بذات الوقت الإجلال الذى لقيه المتصوفون والكبار ويجيب قائلاً إن المغالاة والإسراف سرعان ما غذيا حذر الفقهاء والعلماء، ويقول: كان تأثير الطرق الصوفية على الجماهير كبيراً جداً، وقد لعب بعض رؤساء الطرق دوراً أساسياً من الدرجة الأولى، مثاله فى أفريقيا الشمالية منذ أيام المرابطين، وفى القرن التاسع عشر كان للطرق الصوفية السنوسية دورها السياسى فى طرابلس الغرب، وليس من العفوية بدونه شك أن يزداد تأثير الطرق الصوفية زيادة كبيرة طوال عصور الانحطاط، كانت حياة الناس صعبة، وأحياناً تعيسة، وكانت حلقات الذكر، أو الرقصات المقدسة نوعاً من التهرب المتعالى فوق البؤس الجاثم، وطاعة الشيخ كانت كاملة ومطلقة خصوصاً من قبل المبتدئ، وفى أغلب الأحيان كان محور الحياة الروحية يقوم على احترام وطاعة الشيخ، وأصبحت أضرحة وقبور الشيوخ القدامى أمكنة تعبد، وتسربت إلى هذه الممارسات بقايا حركات موروثة، خارجة عن الدين الإسلامى وربما تتعارض معها ومن الصعب والدقيق تقويم هذا التأثير الذى مارسته الطرق الصوفية لقد حافظ على الإيمان الإسلامى وعلى القيم الروحية المنبثقة عنه، وقد كانت تعبيراً عن حاجة عاطفية فى نفوس الجماهير المؤمنة إلا أن تعاليمها التخصصية نوعاً، كانت فى أغلب الأحيان موجهة نحو وحدة الوجود، ومن هنا كانت تعطى

الأفضلية فى آن معاً، للاستغراق فى الله استغراقاً توحيدياً، ثم خروج صاحب الساعة انتظار أخرويا، أو المهدى المخلص، الذى يصحح الأوضاع، هذا الانتظار، مضافاً إلى الطاعة العمياء للشيخ ساعدت على استسلام الجماهير استسلاماً بدا فى أغلب الأحيان يشكل ما سمى خطأ بالتورية الإسلامية، وحل تمجيد الأولياء وتقديس قبورهم كوسيط بين الله والإنسان، فى حين استبدل الإيمان البسيط القائم على الشهادة بممارسات سحرية.

إن الإسلام المعاصر الساعى وراء التجدد، يقول «غارديه» إن إسلام الطرق الصوفية، وربما بهذا يتم تجاوز الالتباس القائم منذ عهد بعيد من الأخويات الدينية والصوفية والصوفية فالكثير من الحذر تجاه الصوفية موجه قبل كل شىء ضد سيطرة الأخويات وإليها كان يشير المصلح الكبير محمد عبده عندما اتهم الصوفية بأنها خنثت الإسلام، وإذا كان تأسيس الأخويات وحلقاتهم وأساليبهم تبدو اليوم وكأنها من بقايا الماضى، فإن المؤلفات الصوفية الكبرى، والقصائد الصوفية، والبحوث والتعليقات تظل من الموروثات المشرقة فى الثقافة العربية الإيرانية الإسلامية.

ويرصد «لوى غارديه» معالم تخدم تاريخ الإسلام منها ما يلى : يضم الإسلام اليوم شعوباً من أمم شتى ففيه مجموعات مختلفة، ولغات ومصائر تاريخية تمتد من شبه جزيرة الهند حتى داكار وكانو والإسلام يرسم على خارطة العالم هلالاً، الهلال الإسلامى كما يقال أحياناً، هذه الأنهار العظمى القديمة: النيل، دجلة والفرات، والهندوس، وإلى حد كبير السنغال والنيجر، تجرى كلها فى أراض إسلامية ويقدر عدد المسلمين اليوم بحوالى 75 إلى مليون مسلم، هذا فى زمن الدراسة، وأكثريتهم تتوزع بين دول مستقلة دينها الرسمى الإسلام أو دين الأكثرية فيها، هناك أقليات كثيرة ماتزال فى الجمهورية الهندية، وفى بعض بلدان أفريقيا السوداء، وفى الاتحاد السوفيتى والصين، ولا يمكن أن ننسى، منذ بضعة عقود، هجرة العمال النازحين إلى أوروبا الغربية، ،والزعامة التى مارسها العرب لمدة طويلة: هل تبقى البلدان العربية أو المستعربة؟ إن اللغة العربية هى اللغة الدينية فى الإسلام، والثقافة الإسلامية كانت عربية إسلامية، ثم أصبحت إيرانية تركية هندية إسلامية، ولكن اللغة الفارسية والتركية والأردية أخذت من العربية أكبر عدد من التعابير الدينية والفلسفية والحقوقية وكل تخصص فى الإسلام يقتضى دوماً بعضاً من التعريب، ومع ذلك فإنه مع الثمانمائة مليون مسلم قلما يتجاوز العرب أو المتعربون المائة والخمسين، إلى مائتى مليون الباكستانيون الهنود يفوقون هذا العدد، والإندونيسيون لا يبعدون عنه كثيراً، وبعدهم يأتى مسلمو أفريقيا السوداء.

ثم يقول لأن التطور اللغوى لعالم الإسلام يبدو ذا إيقاع ثلاثى الحقبة الأولى من القرن السابع الميلادى حتى القرن الثالث عشر تقريباً وهى حقبة القمم والحقبة الثانية من القرن الرابع عشر وأحياناً الخامس عشر حتى آخر القرن التاسع عشر، حقبة الركود أو التقهقر المطعمة من حين لآخر بانتصارات حقة، الحقبة الثالثة وتمتد من نهاية القرن التاسع عشر وهى تتميز بمحاولات حثيثة تحديدية لاتزال تندرج فى الأحداث الأكثر معاصرة.

يتحدث عن الحقبة الأموية وفيها نشأت ما يسمى بالإمبراطورية العربية وخلافاً لمبادئ الإسلام بالذات، ظل الداخلون الجدد فى الإسلام من الأعراق غير العربية، يعتبرون بنوع من الأنواع مسلمين من مناطق ثانية وكان عليهم أن يفتشوا لأنفسهم، عن حماة بين القبائل والأعيان العرب وهم كانوا يسمون الموالى، وهذا التعبير كان يطلق أيضاً على العبيد المعتقين، وتتابعت الفتوحات العسكرية واستمر اتساع الأراضى الإسلامية حتى امتدت من حدود الصين شرقاً حتى حدود مراكش غرباً وإسبانيا وجنوبى بلاد الغال «فرنسا» فى الشرق كان التقدم بطيئاً أحياناً وصعباً، فى حين كان أسهل فى الغرب، ولم يتوقف تقدم الجيوش الإسلامية إلا سنة 732م عند حدود بواتبيه على يد شارل مارتل، واستمرت النزاعات القبلية التى كانت سائدة فى الجزيرة القديمة قائمة فى صفوف المنتصرين ورؤساء الجند، وضخمت الشعوب الداخلة فى الإسلام أعداد الجيوش، وتحت قيادة عربية عليا قامت الجيوش البربرية بردارة ضباط برابرة بالاستيلاء على إسبانيا حتى شمال سرقسطة واستولت على غاليا الجنوبية ولم يكن الشعار اسلم أو تمت هو السائد فالنصارى واليهود بتنظيماتهم الطائفية وشرائعهم وقضاتهم قبلوا كذميين داخل الأمة الإسلامية، واستقرت الإدارة وتركزت فى مكان ويعود الفضل فى ذلك إلى المعرفةالعملية التى تميز بها الأمويون، ودخلت ضمن قواعد الحقوق الشرعية الإسلامية التى كانت سائدة فى المدينة عادات وأعراف مأخوذة عن البلدان المفتوحة، ويبدو أنه لتفادى الضغوط العلوية نقلت عاصمة الخلافة من المدينة إلى دمشق، وقامت حياة بلاط بدائية، قريبة من البساطة القديمة البدوية وكان للمعارضين مآخذ حادة على الحكام الأمويين من حيث آدابهم الأقرب إلى البداوة منها إلى الآداب الإسلامية، كما أخذوا عليها فقدان الحس الدينى، ومع ذلك فالبعض من هؤلاء الحكام اشتهر بالتقوى، والحق يقال إن المآخذ الصحيحة عليهم إنما نقوم على نزوعهم إلى الحفاظ على السيادة العربية على حساب شمولية الإسلام، وازدهرت العلوم الدينية، وتنامت القراءة والتفسير للقرآن، والحديث والفقه، وكلها علوم نشأت فى المدينة، ثم علم الكلام أوعلم اللاهوت، ونشأت المنازعات حول القدرة الإلهية وحول الحرية الإنسانية، التى شغلت العصور الإسلامية كلها، فى دمشق، وتناظر الفقهاء والمسلمون مع اللاهويتيين المسيحيين حول كلام الله، فى مجالس كان يرأسها الخليفة بنفسه، وتجدر الإشارة إلى الترجمات الأولى فى العربية من السريانية للنصوص الفلسفية الإغريقية.