رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

أمس الإسلام وحاضره لمفكر فرنسي

خيري شلبى

الثلاثاء, 09 أغسطس 2011 13:27
بقلم: خيرى شلبى

كيف ننظر إلي إسلام الأمس؟ أو بالأحرى كيف ننظر إلى التاريخ الإسلامي وأحداثه المتشعبة و«الملل والنحل» التي ظهرت في تاريخه وعلي هامشه؟ هل هناك إسلام واحد أحد ولا ننسي أننا في التاريخ أم أن الإسلام متعدد بتعدد الشعوب والقارات والقوميات والملل؟.. ثم ما المسار الذي اتخذه الإسلام وما أسرار أسرار لحظات العظمة والتدهور في هذا المسار الذي قطعه خلال أكثر من أربعة عشر قرناً؟

 

من خلال هذه الأسئلة وغيرها يتناول المستشرق الفرنسي الكبير «لوي غارويه» تاريخ الإسلام متابعًا المدرسة الفرنسية في الاستشراق التي وضع أسسها «لوي ماسينيون» والتي دأبت علي الدمج بين المبحث اللاهوتي والمبحث التاريخي.

لكن بين إسلام الأمس وإسلام الغد، بين إسلام الماضي وإسلام المستقبل، هناك فضاء رحب من الأسئلة والإشكالات التي يثيرها واقع مأزوم وموزع بين الموروث التقليدي وبين التطلع إلي نمط من الحياة والفكر خارج إطار هذا الموروث.

في هذا الفضاء، الذي هو حاضر الإسلام والمسلمين في علاقته مع ماضيه ومع الثقافة الغربية، يتحرك المفكر الجزائري محمد أركون طارحاً الأسئلة الأكثر جرأة علي الإسلام المعاصر، وهي أسئلة تتعلق بالمسير والمصير.

هل هناك إمكانية لإنشاء خطاب إسلامي قادر علي التعبير عن التجربة التاريخية للمسلمين؟.. وهل الأدوات العلمية لمقاربة هذه التجربة؟ ثم ما مصير الإسلام في عالم اليوم؟ وما التحولات التي طرأت عليه تحت ضغط العصرنة والحداثة.. ثم ما المساهمة التي يمكن أن يقدمها الإسلام - كدين وثقافة - في العصر الذي نعيشه الآن؟

بهذه المقدمة يطالعنا هذا العمل الجاد المشترك بين دفتي كتاب واحد اشترك في تأليفه مفكران كبيران، أحدهما المستشرق الفرنسي الكبير والشهير «لوي  غارديه»، والآخر هو المفكر العربي الجزائري الكبير والشهير أيضاً محمد أركون.

الكتاب مكتوب باللغة الفرنسية، قام علي ترجمته الأستاذ علي المقلا في لغة عربية علي درجة كبيرة من الدقة والوضوح. والكتاب ليس من قبيل المناظرة، ولا المحاورة، إنما هو عمل متكامل ينطلق من قناعة واحدة هي الإيمان بعظمة الإسلام كدين وثقافة وحضارة، ثم التحليق من هذه القاعدة في آفاق خصيبة هدفها استجلاء طريق المستقبل الزاهر للإسلام وتفتيح المغلقات، وإزالة الضباب، ومساعدة الأجيال المفكرة الباحثة عن شاطئ الأمان، علي كيفية امتلاك هذه القيمة الإنسانية العظيمة.

ينقسم هذا العمل الفكري الكبير إلي ثلاثة أقسام، يضطلع لوي غارديه بالقسم الأول فحسب، وهو الخاص بتاريخ الإسلام. أما المفكر الجزائري محمد أركون فيضطلع بالقسمين الباقيين، وهما يختصان بالفكر والحياة ثم يختتم لوي غارديه بملحق يلخص فيه محصول البحث وحصاد الأسئلة.

ويجب التنويه بادئ ذي بدء أن دوري هنا سيقتصر علي الاجتهاد في العرض مستخدماً بعض حيله الغنية في الارتقاء والربط الموضوعي بأقل عدد ممكن من الكلمات بحيث يكون المتحدث هو صاحب الفكر نفسه بأسلوبه ومفرداته، فمثل هذه الأعمال الفكرية يجني عليها التلخيص وتتشوه الأفكار والآراء إذا حاول عارضها أن يطوعها لأسلوبه الخاص الذي لن يكون بأي حال من الأحوال أفضل من الأسلوب الذي كتبت به فانطبعت عليه.

<<< 

نتوقف أمام القسم الأول: التاريخ، لنفاجأ بأكبر مفاجأة يجب أن ننهجها حقاً، إذ إننا إزاء مستشرق فرنسي يعتبر إسلامياً أكثر من المسلمين. حقاً فلست أظن أن بين مفكرينا وباحثينا ووعاظنا ودارسينا من هو متحمس للإسلام بحق وعن حق كدين وثقافة بمثل هذه الدرجة من الحرارة، وهذا الصفاء الحقيقي في الرؤية، وشمولية النظرة، ودقة المعلومات، وعمق الفهم والاستيعاب المذهل للمصادر الإسلامية وعلي رأسها القرآن الكريم إن كل حرف في بحثه يستند علي عشرات المصادر الإسلامية التي قرأها في أكثر من لغة وفحصها بإمعان. وكل فكرة من أفكاره النيرة لها أصول ثابتة في تلك المصادر، لدرجة أن القارئ العربي لابد أن تأخذه الدهشة والغبطة معاً وهو يلتقي هذا الفهم المتقدم المستنير للإسلام، فمع أن هذا المستشرق الأمين لم يأت بشيء من عنده فإن الإسلام كما يراه ويشرحه يبدو لنا نحن القراء جديداً طازجاً، كأننا نتعرف عليه لأول مرة، نستكشف أبعاده، عمقه، ثراءه، عظمة أهدافه، قدرته الهائلة علي حل جميع مشاكل كل البشر في جميع أنحاء الأرض.

يستعرض لوى غارديه تاريخ الإسلام: الإسلام وأمة النبي، والتنوع ضمن الوحدة، العائلات الروحية، الإسلام وقيمه الدينية، معالم في خدمة التاريخ، العهد الكلاسيكي، عهد الانحطاط، التجديد والبعث.

عن الرسالة المزدوجة للإسلام يبرز لوي غارديه كيف أن هذه الرسالة المزدوجة والوحيدة تتجذر في الآيات القرآنية كرسالة دينية محورها الله الأحد، ومحاربة كل عبادة للأوثان، في وجه كل محاولة للشرك بالله، وتلك، بحسب رأي فقهاء الإسلام أولي الواجبات المفروضة في الكتاب والسنة، ثم رسالة أمسية جماعية: كل الحياة في المجتمع، في مساواته الاجتماعية والاقتصادية والسياسية بالذات، يجب أن تتجه إلي تعظيم وحماية ونشر هذا التأكيد علي

الوحدانية الإلهية، ومحمد رسول الله، هذه هي الشهادة الكبري، إنها إذن شهادة الإيمان الواحد، والطاعة لأوامر القرآن المتعلقة بعلاقات بني الإنسان فيما بينهم.

ثمة أسس فلسفة سياسية واجتماعية فكما يقول ماسينيون: الإسلام هو إرادة العيش المشترك. وفي رأى غارديه أن الإسلام هو بحق، من الناحية التاريخية الثابتة الأكيدة، دين وثقافة وحضارة، والقرآن كل واحد، يؤخذ كذلك، وتعاليمه تشمل أربعة مجالات: العقائد، والثوابت، والعبادات، والأخلاق، والمعاملات.

ينظر الإسلام نظرة مثالية إلي ما تكون عليه، في الأرض أمة الإسلام، وكل تاريخ هذه الأمة يمكن أن ينحصر في التباعد الواقع بين هذه المثالية والواقع العملي. إن المبادئ التي يقوم عليها الإسلام لا يمكن أن تكون بنظر الإسلام مجرد طوباوية خالصة إنما هي مثل أعلي تاريخي عيانى فأمة النبي بالنسبة للمسلم تعتبر مثلاً أعلي يقع ما وراء التاريخ، هي مثل أعلي لأن الأمة هي واقع، ولكنها لا تتحقق كلياً علي صعيد الواقع أبداً، إنها تظل قائمة في المؤمنين وبجهودهم كمثال يحاول أن يتجسد في حياتهم الجماعية والاجتماعية والشخصية والعلائقية وبهذا فهي تلون وتوجه الحياة بالذات. من هنا المثال المحدد. وهي أيضاً حقيقة تريد أن تتزامن في التاريخ الوقائعي للناس، علماً بأن هذه الوقائع المحتملة لا يمكنها علي الإطلاق أن تتحقق فيها - أي في الأمة - ولكن عليها - أي الأمة - أن تحكم علي التاريخ وأن تعطيه معناه. ومن هنا يقول: يجري الكلام عما وراء التاريخ.

ويقول إنه عبر الصعود والهبوط، والتمزق الحاصل بفعل النزعات الإقليمية والصراعات الداخلية والحروب لم تتخل الشعوب الإسلامية، مهما كان مصيرها سيئاً أو ممجداً، عن النزوع نحو هذا «المثال المحدد»، إذ يمكن الكلام، بمعني من المعاني، عن «عصر ذهبي» في الإسلام. ولا يقصد بالعصر الذهبي ذلك الازدهار الأرضي الذي عرفته العصور العباسية الأولي ذات المرامي الإنسانية الكونية، أو عصور القرطبة الأموية، في القرن العاشر بالذات، حين كانت العلوم والآداب والفنون مزدهرة متألقة. إن العصر الذهبي في الإسلام هو مرحلة دولة المدنية، حتي سنة 73 هـ، وخصوصاً عصر النبي من الهجرة إلي وفاته. ليس ذلك لأن دولة المدنية كانت تعتبر أفضل نموذج للدولة الإسلامية، فأيام النبي وصحابته لم تكن أجهزة الدولة وتنظيم المجتمع إلا بدائية وليست الغاية إحياء دولة المدنية، بل النظر إليها كمصباح ينير الطريق، ونقطة ارتكاز أو مرجع، يمكن أن يلبي، بالإضافة إلي كل المقتبسات التقنية، احتياجات الساعة.

تلك كانت مطامح كل المصلحين عبر العصور، والتباعد بين «المثال المحدد» والواقع المعاش أعطي قيمة كبيرة لفكرة الإصلاح. وإذا كان الله يمد الأمة بعونه، فذلك لأنه يبعث لها وفيها في كل قرن وعند كل نازلة عصيبة مصلحاً يجدد لها دينها. وقد نُظمت جداول بهؤلاء المصلحين الذين تختلف أسماؤهم باختلاف المدارس والطوائف الروحية. والتوقف عند الرغبة في الإصلاح تعتبر مصيبة كبري تحل بالأمة. واعتباراً من القرنين الخامس عشر والسادس عشر الميلاديين أصاب الانحطاط الأمة الإسلامية. وتوافق ذلك مع العصر الغربي الحديث وما جري فيه من انتصارات ومن إرادة في السيطرة، وبالمقابل قامت حركة إصلاحية قوية واسعة في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. وطبقت هذه الحركة الإسلام بعمق من شبه القارة الهندية إلي البلاد العربية.

وينقسم الإسلام الواحد - يقول - بكتابه المقدس وبمعتقداته الأساسية إلي عدة مدارس أو طوائف روحية وعرف القرن الخامس الهجري - الحادي عشر الميلادي - انبعاث المذهب السني بقوة حملته علي التنكر للمذاهب والفرق الأخرى. وهكذا ترسخت عقيدة رسمية. وبعدها تفاقم سوء التفاهم حتي بلغ درجة الخطورة. وأهل السنة يشكلون الأكثرية المتزايدة عبر العصور. وهم الأكثر تمثيلاً للأفكار الغالبة في الإسلام. وتبدو السنية، في مواجهة غيرها من العائلات الروحية، وكأنها الأكثر واقعية والأكثر احتراماً للوقائع والأحداث، لأن كل حدث ما هو إلا مظهر لإرادة الله. إن المثل الأعلي الشيعي والمثل الأعلي الخارجي فيها الكثير من الطوباوية. أما المثال الأعلي السني، مهما كان بعده وحيده المعترف به عن الممارسات اليومية العادية، يظل هذا المثل الأعلي العيانى في التاريخ، والذي

يمكن من خلاله تعريف وتحديد أمة النبي. لقد جهد الفقهاء والعلماء السنيون في تكييف المبادئ مع مقتيضات الزمان والمكان.

باسم الإصلاح الضروري، من أجل العودة إلي مبادئ الإسلام الأساسية والعيش فيها حصلت داخل الإسلام انقلابات علي الحكم، وتغييرات كثيرة في الأسر المالكة كما حصلت حركات تجديدية كثيرة. فمنذ بدايات القرن الثاني الهجري نادت الثورة العباسية بالأخوة والمساواة بين المؤمنين ضد التفوق العربي الذي عمل له الأمويون أحفاد تجار القوافل في مكة، وتشكل تكتل ضم العلويين «الشيعة» وأتباع العباس عم النبي. وانضم الموالي إلي هذا التكتل ودعموه، وهم من غير العرب الذين دخلوا في الإسلام. واتهم الأمويون بعدم الحرارة الإيمانية، ولم يستطيعوا المقاومة، وقضي علي عائلة الخليفة الحاكم. وظن العلويون أنهم انتصروا، ولكنهم أبعدوا عن الحكم لصالح العباسيين، كما حولت العاصمة من دمشق إلي بغداد.

وباسم الإصلاح الضروري قامت حركة المرابطين «البربرية» في القرن الخامس الهجري - الحادي عشر الميلادي - انطلق المرابطون من مركز ديني في السنغال، وأقاموا طيلة قرن إمبراطوريتهم في مراكش وإسبانيا الإسلامية - والمرابطون هم سكان الرباط وهو نوع من الدير المحصن تقيم فيه أخوة دينية عسكرية، ونال المرابطون تأييد الفقهاء ورجال الدين بصورة مطلقة. ولم يدعوا لأنفسهم أبداً مركز الخلافة.

والعصر الحديث والمعاصر - يقول غارديه - تعرض الإسلام لحركة إصلاحية مزدوجة وقوية، مرة في أطراف القارة الهندية، ومرة أخري في البلدان العربية، وفي الأولي كان التحديث أشد، أما في الثانية فجذريته أكثر. وهذه الحركات كانت نتيجة للصدام مع الغرب، والوجود البريطاني في الهند، والاستعمار الفرنسي أو الإنجليزي في البلدان العربية. وقام الكثير من الإصلاحيين العرب والهنود والمسلمين ينادون بإصلاح ضروري يقوم علي العودة إلي القيم الأصيلة في الإسلام. وشق الإسلام الهندي الطريق، وظهر الشاعر الكبير ذو الشهرة العالمية ذلك البنجابي محمد إقبال «أب باكستان» الذي توفي سنة 8391م. وفي القرن التاسع عشر كان رائد المصلحين العرب الأفغاني، وبرزت الحركة بروزاً ظاهراً علي يد المصري محمد عبده والسوري رشيد رضا الذي أسس جريدة المنار، يليهما السوري عبدالرحمن الكواكبي - ت 2091م - هكذا نشطت الحركة المسماة بالسلفية لأنها تدعو للعودة إلي دين المسلمين الأولين. وكانت تتبني وتنتمي إلي الحنبليين الكبيرين من القرن الرابع عشر وهما ابن تيمية وابن قيم الجوزية. وظل الإمام محمد عبده طوال حياته - ت 5091م - رئيس هذه الحركة بدون منازع. ولم يتخلف عن مساجلة كتاب وصحفيين من أوروبا. وركز رشيد رضا ت 5391م علي المبادئ الجوهرية في الشريعة الإسلامية وقدرتها علي حل المشاكل المعاصرة، وتقرب لفترة من الوهابية السعودية. ومارس السلفيون تأثيراً كبيراً في المغرب. وشبيه بهم حزب الاستقلال المراكشي الذي رأسه علال الفاسي والعالم الجزائري ابن باديس - ت 0491م - والشيخ الإبراهيمي - ت 5691م.

ويقول إن الدعوة للإصلاح قد ارتدت ثياباً أكثر تحرراً وانطلاقاً فعبر العصور حدثت داخل السنة نفسها ودون أن تتفسخ وحدتها المرنة نزعات أصيلة متمادية وجذرية.. وكانت المناداة بالعودة إلي الينابيع ضمن التأكيد علي المناداة لله الواحد الأحد، دون هوادة أو مهادنة من أي نوع، ومع الانصياع لحرفية الكتاب المطلقة. وثمة أمثلة ثلاثة علي ذلك: في القرن الثامن عشر، خلف إمبراطورية المرابطين، الموحدون، الذين يسمونهم باللغات الأوروبية المحدثون. نشأت الحركة في الريف المراكشي علي يدي المصلح البربري ابن تومرت الذي اكتسب لقب المهدي المنتظر، المرسل من عند الله ليهدي المؤمنين، وفكرة انتظار المهدي المنقذ مشتركة لدي كل المسلمين، وبرز أثر هذه الفكرة في ساعات الشوة، لكن حدتها تبرز في الأوساط الشيعية. وفي الواقع هناك تأثيرات وتسربات شيعية بارزة الحضور في بدايات الأصل الموحدي. وقد سلم ابن تومرت السلطة لابن عبدالمؤمن بن علي مؤسس السلالة. وبعكس سلطان المرابطين لم يتردد سلطان الموحدين من الادعاء لنفسه بامتيازات الخلافة، وأمر سلطان الموحدين الثاني بحرق كتب الفقه والعلوم الدينية، كما أمر بحصر التعليم في القرآن وكتب السنة وتطبيقها. ووقف الفقهاء المغاربة والأندلسيون بالإجمال موقف الحذر من سلالة الموحدين، رغم تواجدها في مراكش وفي إسبانيا معزولة عن الشعب. وأدى ذلك إلي سرعة سقوطها ابتداء من السنوات الأولي من القرن الثالث عشر. ورغم ذلك عرفت سلالة الموحدين فترات مجد وإشراق أيديولوجيين. والعجيب أو لعله ليس من العجيب، أن أحد سلاطين الموحدين هو الذي طلب إلي ابن رشد أن يشرح أرسطو.

وهناك حركة موحدة أخري تطورت في قلب الجزيرة العربية، في القرن الثاني عشر والقرن الثالث عشر - وكان مفكرها محمد بن عبدالوهاب الذي أعطي الحركة اسمه فأصبحت الوهابية. كان ابن عبدالوهاب حنبلياً تقياً ملتزماً التزاماً شديداً بفكر ابن تيمية، ودعا إلي العودة المطلقة إلي أصول الإسلام الصافي الخالي من التجديدات العظيمة التي علقت به عبر القرون. وكان له تلامذة نشطون منهم ابن سعود الذي حكم الدرعية، وابنه عبدالعزيز. وقاوم هذان العثمانيان أسياد الجزيرة العربية، واستوليا سنة 0381م علي مكة، ولكنهما طردا منها سريعاً، وأسسا في نجد عاصمتها الرياض، دولة تدين بالمذهب الوهابي. ومازال ورثتهما يحكمون الجزيرة العربية، الموحدة تقريباً، وفيها مكة والمدنية. وفي القرن التاسع عشر الميلادي انتشرت الوهابية لفترة ويبدو أنها أغرت أهل المغرب فتبعها بعض الملوك والرؤساء الذين كانوا يميلون إلي الأيديولوجية الموحدية. ولقد أثرت الوهابية السعودية تأثيراً ملحوظاً علي الحركة الإصلاحية العربية المعاصرة وقد وجدت، داخل السلفية، ميول ليبرالية، وميول متعددة ويمكن القول إن من هذه الميول الأخيرة انبثق التأصيل النشيط للإخوان المسلمين. إن تأثيرهم حقيقي علي قسم من الشبيبة العربية الإسلامية - والحركة تأسست في مصر عام 8291م علي يد الشيخ حسن البنا وكانت ترمي إلي استلام الحكم. وقد حلها عبدالناصر وحاربها بشدة. ورغم ذلك ظلت قوية نشطة في عدة بلدان وبشكل سري في مصر. وفي نظرهم لا يمكن إقرار العدالة الاجتماعية إلا بتطبيق أحكام القرآن تطبيقاً حرفياً.