ليلتى الأولى فى باريس 2 ــ 2

خيري شلبى

الثلاثاء, 02 أغسطس 2011 08:50
بقلم: خيرى شلبى

كان أول شىء طلبته إثر عودتنا إلى غرفة الاستقبال أن يدلونى على كيفية الوصول إلى مقهى ها هنا اسمها مقهى أم كلثوم إذا كنتم تعرفونها، قالوا إنها معروفة بالطبع، وهى مملوكة لسيدة عراقية كانت أديبة ذات يوم تكتب القصة القصيرة وتنشر فى بعض الدوريات العراقية، إلا أن الوصول إلى هذه المقهى يقتضى دليلاً يرافقنى، وإلا فسأدوخ دون أن أصل، تطوع إيهاب بتوصيلى، وتسهيلاً لمهمته منحه أحمد المغربى سيارته الخاصة، أخذ إيهاب يدخل فى حارات تتفرع من حارات تفضى إلى ميادين وساحات محندقة تضفى عليها الأبنية ظلالاً من النور والأبهة والمهابة، مهابة الجمال الآسر، الذى يجعلك تتمنى أن تعيش فى هذه المدينة طوال حياتك، ويمنحك شعوراً بالعزة والكرامة يشعرك بأن هذا الجمال مبذول لك شرط أن تكون نداً له فى الجمال، فى الإحساس بالجمال، فمتى ما توفر لديك الإحساس بالجمال فى المعمار والنظافة والنظام والاتساق فإن ما تراه سيحفزك إلى العلو، إلى ضرورة أن تثبت لنفسك أولاً وأخيراً أنك جدير بتلقى هذا الجمال قادر على التعامل معه بالرقة نفسها والحنو أجل أجل، إن الحياة ها هنا حتى وإن كانت بغير طعام أو مأوى مبهجة إلى حد النشوة، وحيث كنت أظن حسب تركيبة خيالى الظاهرية أن مقهى أم كلثوم هذه لابد أن تكون فى حى شعبى بأبنية هدئة متهدلة وثمة كراسى متراصة على رصيف يعج بلاعبى الطاولة والكتشينة ومدخنى النارجيلة، إذا بها فى شارع جانبى يذكرك بشارع فرنسا فى عز مجد إسكندرية الأربعينيات فى لمعانه ومبانيه المتحفية، ها هى ذى مقهى أم كلثوم لا يميزها سوى لافتة على شريحة صغيرة من النيون مكتوبة بالفرنسية والعربية معاً، ولن تلحظ أنها مقهى إلا إذا توقفت ونظرت عبر بابها الزجاجى المفتوح.

كان إيهاب يعرف أننى آت إلى هذه المقهى من أجل شىء واحد فقط: الشيشة، فراح بنظراته الذكية اللبقة ينبهنى إلى أنه مقدر لحالة «الخرمان» التى أنا فيها بعد أربع ساعات فى الطائرة وساعتين هنا، ولكنه يرجونى رجاء حاراً أن أقدر موقفه هو الآخر إذ إنه مرتبط بمواعيد عمل أخرى وخاصة أن المغربى سيبقى فى انتظار سيارته، وواقع الأمر أن الشيشة لم تكن مطلبى من زيارة مقهى أم كلثوم رغم أننى بالفعل خرمان ولم أدخن طول النهار، إنما جئت إلى هذه المقهى لأبحث عن صديقنا القديم الشاعر حسن عقل، بينى وبينه عشرة وود وحميمية، كنا نلتقى كل ليلة فى حجرة أحمد فؤاد نجم فى الغورية لسنوات طويلة ندخن ونتطارح الأشعار والألحان والأغنيات وننتقد من نشاء كيفما نشاء بحرية وحماسة ونختلف إلى حد العراك الحاد، فيهب حسن واقفاً كولى من أولياء الله هاتفاً: حىّ، ويغمض عينيه مرتلاً بعض الأوراد التى هى شعر من تأليفه على النسق القديم بعبارات معاصرة، عندئذ ينقطم العراك فى الحال ونصيح جميعاً فى مرح: مدد، فيجلس حسن عقل بقامته الفارعة فوق كرسى حمام فى حجم قالب الطوب، مستأنفاً تجهيز النار فى المصفاة ليدلقها فوق حجر الشيشة ويسحب عدة أنفاس حتى يذكى نارها ثم يقدم المبسم لواحد منا نحن الثلاثة الجالسين متجاورين على الكنبة الوحيدة فى الحجرة الضيقة كعلبة النشوق وتتسع مع ذلك لعشرات: أحمد فؤاد نجم وإبراهيم منصور بلحيته الشهباء وأنا وقد أطلق علينا حسن لقب الكهنة، ربما لأننا أكبرهم سناً وقد صبغ الشيب رءوسنا، وربما لأن منظرنا وموقعنا من الحضور كمرجعية تحسم المناقشة أو تلهبها كان يوحى بأننا بالفعل نشبه الكهنة، سيما وأننا كنا ـ دون أن ندرى ـ لماذا نتدخل فى اختيار كل شىء من صنف المعسل إلى الأكلات المقترحة إلى الزوار أنفسهم، ويحنئذ يكون حسن صريحاً فى ردوده عند المساومة على الشراء أو عند تطريق واحد من غير المرغوب فيهم: لمؤاخذة يا صاحبى..  الكهنة لا يريدون هذا الصنف، الكهنة لا يأكلون كذا.. الكهنة لا يريدون الليلة إزعاجاً لأنهم يحلون مشكلاً عويصاً.. إلخ، حسن متخرج فى إحدى الكليات لعلها كلية الزراعة، ولكن شيئين فى حياته أفسدا عليه استقراره فى وظيفة ثابتة يدرب نفسه

على تقبل راتبها الضئيل.. هذان هما: السياسة والشعر، إنه من أجاويد محافظة المنصورة من قرية مجاورة لقرية الأديب الراحل محمد روميش المسماة بـ«تلبانة»، ينتمى لعائلة من الطبقة المتوسطة الزراعية ميسورة الحال مستورة، وكان النشاط الشيوعى فى أواخر الأربعينيات والخمسينيات قد انتشر بسرعة رهيبة فى هذه المحافظة على وجه التحديد دون بقية أقاليم مصر، ربما لأن نسبة المتعلمين فيها من القرويين كبيرة جداً وناسها جميعهم حتى الأميين منهم لديهم قدر كبير من الاستنارة بحكم كونهم سواحلية متصلين بثقافات وتجارب عديدة وافدة من فرع النيل أو ساحل المتوسط عند دمياط رأس البر، ولا ننسى أن الغزوات الحربية المغيرة على مصر كانت تأتى إليها عبر ميناء دمياط أو الإسكندرية، ولا ننسى أيضاً أن المعركة المصرية الفاصلة مع الصليبيين التى أسر فيها لويس السابع عشر ملك فرنسا وتم حبسه فى بيت ابن لقمان بمدينة سميت بالمنصورة، هذه المعركة وضعت هذه المنطقة فى منطقة الضوء، المهم أن تنظيمات شيوعية كثيرة تكونت فى قرى محافظة الدقهلية واستقطبت أعداداً لا يستهان بها من شبان القرى، وقد نشأ حسن وسط هذه التنظيمات، وتشبع بالمقولات الماركسية ثم اليسارية بوجه عام، واستقرت فى وعيه كقناعات تستحق أن يكافح من أجلها بجدية وصلابة وجلد حتى وإن تعرض للاعتقال والمطاردة، وفى هذا كان صادقاً مع نفسه تماماً ولا يجد ثمة فرقاً بين المبدأ والوطن، فى الوقت نفسه فإن تكوينه الإنسانى والثقافى منذ الطفولة فيه جانب صوفى بارز لا يمكن تجاهله قط، كل تراث الفرق الصوفية العريقة فى قرانا محفور فى وجدانه عن قناعة تامة بفكرة الجهاد فى سبيل الله، الجهاد الذاتى، يعنى مجاهدة النفس وقهرها وصولاً إلى حالة الطهر الوجدانى الذى إذا تعمق فيه المجاهد تجلت له أطياف من الذات الإلهية، كل الأوراد والتراتيل يحفظها جنباً إلى جنب أناشيد الذكر فى الحضرات الزكية، وتجىء عليه لحظات من الوجد الخالص الصادق حتى لتوقن أنك أمام درويش مجذوب بمعنى الكلمة سيما وأن قامته الفارعة ووجهه الأبيض المستطيل بملامحه الخاشعة المستكنة المقهورة المسكينة بإرادتها كالرهبان كل ذلك يسهم فى تشخيص الجذوب عن حق، لو كان فى طبعه مثقال ذرة من شخصية النصاب، لأقنع الملايين بأنه أحد أولياء الله الصالحين المكشوف عنهم ولابد أن يصدقوا كل ما يقول ويفعل إذ إن وجهه الشفاف البرىء الطيب لن يعطيك ظلاً واحداً من الشك فيه، ولقد يترنم حينئذ ببعض أبيات أو شطرات من أشعاره فكأنها من قبيل الأوراد، والحكم العميقة المؤثرة، المشكلة إنه لا مسافة تفصل بين اليسارى العقلانى والصوفى المجذوب، رغم أنفه، بل إن الصوفى المجذوب هو الأقوى والأوضح وهو الذى  تبعاً لذلك ـ يملى عليك السلوك والتصرفات والأقوال، فكأنك أمام فارس نبيل من فرسان العصور الوسطى يجود بآخر لقمة فى فمه ويعلن عليك الحب أو اللعن فى وضوح مباشر وصراحة مطلقة، بلسانه الألدغ الزرب مع ذلك ينطق العبارات مفخمة، إن بالفصحى أو بالعامية، كما ينطقها العراف تيريزياس فى المآسى الإغريقية القديمة، هذه الازدواجية فى شخصية حسن عقل جعلته يبدو شخصية ملتبسة، إنها قد تبدو كذلك بالفعل لمعظم من يلتقونه، ،ولكنها تحتاج لصبر دءوب وقوة احتمال حتى تتعرف على دروبه الداخلية وتتمكن من الإمساك بالشرخ المشوه للشخصية، لتعرف أن جانب اليسارى المادى العقلانى قد تم لحامه بالشخصية الأصلية ذات الميول الصوفية العميقة ولكن اللحام الثقافى سرعان ما تشقق وتعرج على تخوم الوجدان الصوفى المطبوع الذى لفظ الجسم الغريب عنه، جسم الثقافة المادية المستوردة، ولما كانت
قد التحمت بوجدانه زمناً طويلاً فإن تشققها قد انتزع معه سلخات من الوجدان مؤلمة أشد الإيلام، إن أنت فهمته فلن يدهشك أن تسمع منه كلمات كبيرة جداً عن قضايا سياسية خطيرة من وجهة نظر يسارية ثورية واعية واثقة، وبعد برهة تسمع منه ورداً لعمر ابن الفارض أو هتافاً وراء المؤذن بعبارات الورع والتقوى أو يندمج فجأة فى تسبيحات خاصة، ولسوف تقتنع بعد فهمه أنك أمام شخصية نبيلة جداً، وهذا ما لم يفهمه الكثيرون، ولهذا تخبط حسن عقل كثيراً وهو يحتك بالتنظيمات السياسية ويستكشف البلبلة والصراعات الرخيصة والانتهازية وطغيان النماذج الفوضوية، كلاهما نفر من الآخر، ولكن حسن خرج من المعركة مثخناً بالجراح، لا وظيفة ولا مصدر رزق مع إنه تزوج من حبيبته عبلة وأنجب منها طفلة بديعة عمرها الآن يقارب العشرين عاماً، وخلال لقاءاتنا فى الغورية أنجب طفلاً فى عام تسعين، وتحزبت الأمور، لجأ إلى إعطاء دروس خصوصية فى اللغة العربية، والتدريس فى مدارس أهلية، والكتابة للصحف ولكن ذلك كله لا يقيم الأود، وإذا به فجأة يقرر الهجرة إلى باريس نهائياً، وكنا نظنها إحدى جنونياته العابرة، ففوجئنا بأنه قد سافر بالفعل مصطحباً زوجه وطفليه معتمداً على فيض الكريم، فى العام الأول كان يراسلنا نحن الكهنة الثلاثة بخطابات بريدية مطولة، وفى العام الرابع تقريباً بات يهاتفنا ليلاً من باريس لمدد طويلة كنا نشفق عليه من تكاليفها ونكاد نصرخ فيه ضارعين: إقفل بقى يا حسن دا انت حيتخرب بيتك يا ابنى مع السلامة بقى، وهو يمط فى المكالمة كأنه جالس معك على مقهى زهرة البستان فى حالة رواقة!، وكنا نكبر فيه هذه التضحية الكبيرة بالمال فى سبيل التماس الأنس بنا، إلى أن قدر لى السفر إلى باريس وأردت الاتصال هاتفياً بأولادى فى القاهرة أطمئنهم على سلامة الوصول، فألقيت بين يدى معلومات مهمة عن كروت الاتصال الرخيصة، ولكن أهم معلومة عرفتها هو أن سنترال باريس العمومى يفتح خطوطه الدولية بالمجان فى النصف الأخير من ليلة الأحد كل أسبوع، فتذكرت فى الحال أن مكالمات حسن لنا كانت تتم دائماً ليلة الأحد فى وقت متأخر جداً من الليل، فى واحدة من تلك المكالمات أوصانى بديوانه الشعرى الذى ترك لى مخطوطه لأتولى التوسط لنشره فى سلاسل الهيئة العامة لقصور الثقافة، وكنت أعرف أن نشر الديوان مهم بالنسبة له، فقدمته بالفعل لمحمد كشيك مع تقرير فحص بصلاحيته للنشر باعتبارى عضواً باللجنة العليا للنشر فى الهيئة، ولكن كشيك المثقل بسلاسل عديدة وبشعره أعطى المخطوط لواحد من مساعديه ونساه فتاه المخطوط فى الأضابير، وأصبح كل من يسافر إلى باريس من المثقفين المصريين يأتينى بشكوى من حسن عقل عن تأخر ديوانه، من حسن الحظ أن كانت عندى نسخة مصورة أعدت تقديمها للهيئة وتابعتها حتى تم نشر الديوان بالفعل، ومنذ ذلك التاريخ انقطع صوت حسن تماماً لعدة سنوات لا أعرف له عنواناً أو رقم هاتف، إلى أن حدثنى الزميل الصديق إبراهيم عن زيارته الأخيرة لباريس وزيارته لمقهى أم كلثوم ولقائه بحسن عقل الذى وضح أنه من زبائنها الدائمين، وهكذا قررت أن يكون حسن عقل أول من أسعى لمقابلته من أصدقائى المقيمين فى باريس، كنت أحمل همه كأخى، يهمنى جداً أن أعرف ماذا ألم به خلال أحد عشر عاماً أمضاها فى باريس بزوجة وطفلين وبضع مفردات فرنسية تعد على أصابع اليدين، وبلا عمل محدد ولا سند، وبشخصية ملتبسة يتعامل معها الكثيرون باعتبارها عقلية ملسوعة؟ ومادام قد أمضى على هذا الوقت الطويل دون أن يفكر فى العودة فهل تكون الحياة فى باريس سهلة لا تتطلب شروطاً خاصة؟

> > >

المقهى أشبه بالبار الضيق، عبارة عن دكان صغير مقتطع من مساحته حوالى نصف متر يشغله سلم بدرابزين هابط إلى البدروم حيث مخزن المونة والمرحاض، صورة أم كلثوم وهى دون العشرين بالحجم الطبيعى جالسة فى صالون كسلطانة صاعدة تحتل عرض حائط الباب فى برواز ثمين ومن الواضح أنها لمصور مصرى كبير جداً، لا يوجد أكثر من ثلاث مناضد بكراسيها ودكة رفيعة منجدة ومكسوة بالجلد الأحمر، أما النصبة ففى مواجهة الداخل وهى كأى نصبة رخامية فى أى مقهى مصرى، خلفها رف رخامى ارتصت فوقه النارجيلات، وتحته رف آخر احتشدت فوقه الأكواب والفناجين، والنصبة لها ملحق صغير لعمل «ساندوتشات» سريعة، أغانى أم كلثوم تنبعث من مصدر خفى تتردد أصداء صوتها فى جميع الأركان بألحان قديمة نادرة.

الجرسون تونسى شاب لطيف ووجهه بشوش ضاحك وضع الشيشة أمامى وسألنى ماذا أشرب معها فطلبت قهوة لى وشاياً لإيهاب، ثم سألته: أتعرف حسن عقل؟ قال: كان هنا مساء أمس، قلت: ألا تعرف رقم هاتفه أو عنوانه؟ قال: لا ولكنه يجىء هنا مساء كل يوم، شكرته وأوصيته أن يبلغ حسن بأننى فلان الفلانى موجود فى المركز الثقافى المصرى وعليه أن يتصل بى، وحينما ركبنا سيارة المغربى عائدين إلى الشقة حاولت أن أرسم فى رأسى خريطة العودة إلى هذه المقهى بمفردى ولكننى فشلت لأن عدد التحويدات من حارة إلى حارة إلى منعطف أربكت كثرتها ذاكرتى وأيأستنى تماماً.