رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

الشاعر المناضل وراء حق الأداء العلنى

خيري شلبى

الثلاثاء, 12 يوليو 2011 09:18
بقلم: خيرى شلبى

لم ألتق فى حياتى شخصاً دءوباً مثابراً مثل الشاعر الراحل - الذي تحل ذكراه الآن - مصطفي عبدالرحمن، الذي قد لا يكون معروفاً لأبناء الجيل الراهن، وهذا في الواقع شيء مؤسف سيما أن جيله بأكمله، خاصة أولئك الذين ارتبطوا بالراديو، يكاد يغيب عن الذاكرة العامة رغم أن بعضهم يستحق البقاء طويلاً في الذاكرة بقدر تأثيره في الوجدان العام.

أتذكره الآن، بملامح وجهه ذات الطابع الإنساني المحض. تدويرة الوجه كالفطيرة الخارجة لتوها من فرن فلاحي محمي بالحطب والدريس.. العينان والأنف والحاجبان والخدان والشفتان والذقن المضمر أسفل الصدغين، كل ذلك يبدو كتزاويق أحدثتها يد الفلاحة في الفطيرة بخطوط من القشدة والسمن والعسل.

يتكلم بصوت هادئ رقيق، فيه نبرة التواضع أصيلة بارزة، لكنه حين يلقي الشعر ينطلق صوته الأجش السريع التلون بلون العواطف المحتدمة في القصيد الشعري. حتي وهو يلقي أشعار غيره من الشعراء ينفعل كأنما الشعر صادر عن قلبه في لحظة الإلقاء.

لم أعرف إن كان قاهرياً في الأصل أم أنه من بلدة أخرى. لكنني - ولست أدري لم - أتخيله فلاحاً صرفاً. أو ربما من بلدة البرلس علي وجه التحديد حيث أهلها في معظمهم من أصول أمازيغية مغاربية، وجوههم تشبه وجهه بملامحه التونسية المنتشرة علي وجوه الكثير من المصريين منذ العصر الفاطمي.

الأرجح أنه في الأصل صياد يعاشر البحر ليل نهار. فخطواته المتزنة البطيئة خطوات صياد يمشي علي الشاطئ خافت الواقع حتي لا يزعج الأسماك وشيكة الوقوع في حجر الشبك.

وجهه رغم النعيم الذي ينضح به، الدم المكتنز تحت ملامحه، عليه تلويحة شمس حنون صافحت هذا الوجه طويلاً. إن كان بالفعل صياداً فإنه استبدل بحر الأسماك بأبحر الشعر، قد برع في اصطياد المعاني كالأحجار الكريمة، والصور العاطفية الصادقة، تلك التي امتلأت بها أغنياته التي عجزت عن حصرها، شَدَت بها جميع الأصوات العربية علي أثير الإذاعات المصرية والعربية طوال ما يزيد علي خمسين عاماً، بالفصحي والعامية، للإذاعة والتلفاز والسينما والمسرح والأسطوانة وشريط الكاسيت.

ربما كان لبعض المتحذلقين رأي في نوعية الشعر الذي تخصص في كتابته مع لفيف من الشعراء الذين يسمونهم بالتقليديين، ولكنني أحكم علي شعره في حدود  العصر الذي نشأ فيه، والفرع الذي تخصص في الإبداع فيه والظروف الاجتماعية والفنية التى هيأته لذلك.

ولدت شاعرية مصطفى عبدالرحمن ونمت في أحضان مدرسة أبوللو، وتأثر بأعلامها وأعلام مدرسة المهجر، أمثال علي محمود طه وإبراهيم ناجي ومحمود حسن إسماعيل وجبران خليل جبران وإيليا أبو ماضي. وكانت الغنائية أساساً في بنيته الشعرية منذ بداياته الأولي. وحالت غنائيته إلي الطابع العاطفي المحض، الرومانسي، مما سهل عليه مهمة الانتماء لأهل المغني والطرب. ومثلما كان رائده أحمد رامي ومن قبله أحمد شوقي، يكتب إلي جانب الفصحي بالعامية، فإنه هو الآخر استخدم اللهجة العامية في بعض أو معظم أغنياته، فكانت عاميته بالغة الرقة جزلة المعني صافية العبارة أقرب إلي الفصحي.

ولأنه كان يعتبر نفسه شاعراني الأساس فإنه لم يقع في الغلطة التي وقع فيها كل من عبدالفتاح مصطفي ومرسى جميل عزيز ومأمون الشناوى ثلاثتهم شعراء فُحول بالدرجة الأولي قبل أن يتجهوا لكتابة الأغنيات للإذاعة. وصحيح أنهم حين كتبوا الأغنية، كانوا فيها شعراء كباراً، إلا أنهم أخطأوا فى حق أنفسهم وحق الشعر،

حينما أهملوا الشعر المكابد، وإن كتبوه أهملوا جمعه في دواوين تثرى حركة الشعر وتبرز ما أحدثوه في الشعر من تطوير وتوسيع لآفاق التجربة الشعرية.

لقد ظلوا طول أعمارهم يمدون المطربين والمطربات بالأغنيات البديعة الناجحة علي امتداد عقود طويلة من الزمن. أغنيات هي قصائد شعرية عميقة وذات قيمة لا تصدأ ولا تبهت مع الزمن.

وهم الذين مهدوا الطريق أمام صلاح جاهين ومن بعده عبدالرحمن الأبنودي وشعراء جيله بأن جعلوا من الأغنية حالة شعورية، فتهيأت الأسماع والأفئدة لاستقبال مستويات عالية من الصورة الشعرية والتعبير المركب العميق.

الرأي عندي أن عبدالفتاح مصطفي ومرسي جميل عزيز ومأمون الشناوي ومصطفي عبدالرحمن ثم صلاح جاهين والأبنودي وقاعود ونجم وحجاب وشهاب الدين لديهم من القدرة علي البقاء والتأثير في الأجيال بما لا يقل عن أي شاعر كبير من شعراء الديوان المطبوع كشوقي وحافظ ومحمود حسن إسماعيل وناجي وطه ورامي وأحمد فتحي.. ولو كانوا تفرغوا للشعر وحده - دون الأغنية - وأقاموا صلات مع قارئ الصحف والأدب لكان في ذلك خدمة لهم وللشعر، وقد قال أستاذنا يحيي حقي في دراسة له عن الأغنية المصرية إنه ليس صحيحاً أن حركة الشعر المصري توقفت عن التطور بعد مدرسة أبوللو إنما الصحيح أنها تطورت إلي ذري شديدة النضج في الأغنية المصرية، وضرب المثل بالشعراء الأربعة المذكورين آنفاً مضافاً إليهم فتحي قورة.

انتبه مصطفي عبدالرحمن إلي أهمية أن يطبع الشعر في ديوان يرجع إليه القارئ وقتما يشاء.

وعلي الرغم من انتمائه الكامل لأهل المغني فإنه لم يثق في قدرة الأجهزة الإنسانية الحديثة علي حفظ الحقوق الأدبية للشاعر، فالقصيدة مهما نجحت غنائياً علي صوت المطرب بموسيقي الملحن وإن يكن كلاهما عبقرياً في الأداء والتلحين فإن اسم الشاعر مهدد بالسقوط عنها لأي سبب من الأسباب. إنها في معظم الأحيان تنتمي إلي المطرب أكثر من انتمائها للشاعر وحتي للملحن أحياناً. ثم إن الإذاعة تذيع الأغنيات بحسب مخططها هي، وليس في استطاعة القارئ أو السامع مراجعة الكلمات في تمعن وتأمل واستيعاب بعيداً عن اللحن الموسيقي الذي كثيراً ما يكاد يكون في واد والكلمات في واد آخر!.. ولهذا حرص مصطفي عبدالرحمن علي نشر شعره في الصحف والدوريات الأدبية ثم جمعه في كتب. وكان يهتم بشكل الديوان ونوعية الورق والغلاف اهتمامه بتزويق القصائد وتوشيتها.

ولقد نجح مصطفي عبدالرحمن في أن يصبح شخصية عامة كبيرة الحجم له حضور حي في مجالات وميادين متعددة. فبفضل ما لديه من دأب ومثابرة وإصرار وصبر، بات ملء السمع والبصر حقاً. استمر متألقاً في المشهد الأدبي والغنائى العام حتي آخر نَفَس من عمره طوال ما يزيد على خمسين عاماً.

لعل بعض أبناء جيلنا يذكر أن مصطفي عبدالرحمن بدأ يدعو لإنشاء جمعية المؤلفين والملحنين حتي أنشئت بالفعل في ديسمبر 1945، وعمل سكرتيراً عاماً لها، وهو

بهذا قد أسهم إسهاماً كبيراً جداً في إنشاء هذه الجمعية المهمة جداً، التي كانت أعظم حلم تحقق للمؤلفين والملحنين المصريين، حفظت لهم حقوقهم وكرامتهم، ففي كل ستة أشهر تتلقي الجمعية حقوق الأداء العلني من الجمعية الأم الكبيرة في باريس، لتقوم بتوزيعه علي المؤلفين والملحنين، كل حسب درجة ذيوع أغنياته وعدد مرات إذاعتها هنا وهناك.

أعرف كثيرين من عمالقة التأليف والتلحين في بلادنا ليس لهم دخول مادية سوي حق الأداء العلني الذي يتقاضونه بانتظام من جمعية المؤلفين والملحنين بعد أن تقدم بهم العمر وباتوا عاجزين عن الكسب والنشاط الفني. وقد استنت الجمعية الأم قانوناً عظيماً يقضي بأن أى مؤلف أو ملحن في أي من البلاد المشتركة في الجمعية حين يصل إلي مرحلة سنية متقدمة - كأن يكون عضواً لمدة عشرين عاماً مثلاً - من حقه أن يتقاضي راتباً شهرياً مستديماً قدره ألف وخمسمائة دولار قابلاً للزيادة الدورية بخلاف حقه الثابت في تقاضي الأداء العلني. وكان الشاعر المرحوم محمد حمزة يعيش في سنينه الأخيرة بفضل هذا الراتب مع ملاحظة أنه كان من الأوائل في كشوف الأداء العلني نظراً لرواج أغنياته بصوت عبدالحليم ونجاة وصباح غيرهم، وهذا من أهم الأسباب التي رشحته للراتب الشهري.

الواقع أنني كلما تذكرت مؤلفاً أو ملحناً في شيخوخة مؤلمة تذكرت في الحال مصطفي عبدالرحمن وشكرت له جهوده في تأسيس هذه الجمعية التي عجزنا  نحن الأدباء ومؤلفى الدراما الإذاعية والتليفزيون والسينمائية والمسرحية عن تأليف جمعية علي غرارها. وقد داخ ألفريد فرج - رحمه الله - وراء تأسيس قوانين الملكية الفكرية الأدبية وتحويلها إلي واقع فعلي فلم يوفق وإن كان ينجح دائماً في حلها بشكل فردي يكلفه نضالاً مروعاً عجز عن مثله الآخرون ولهذا تقاعسوا.

أتذكر مصطفي عبدالرحمن متأبطاً حقيبته الجلدية المليئة بالأوراق والقصاصات والوثائق، يمر علي دور الصحف ليلتقي المحررين ورؤساء التحرير يعرض عليهم موقف الجمعية وقضاياها ومشاكلها، يدعوهم لمناصرتها والتدخل لحل المشاكل الناشبة بين الأعضاء حول المعارك الانتخابية، فإذا ما بدأ يتحدث امتدت أصابعه السمينة بكف عريض مليء بالشعر، والخواتم الذهبية بفصوصها من الياقوت والفيروز تلمع في أصابعه وتبدو جزءاً لا يتجزأ من الأصابع كأنها مخلوقة بها، تبدو مستقرة عريقة في الأرستقراطية. ذلك أن شاعرنا كان أرستقراطي الطابع بصورة واضحة: البدلة الكاملة المحبوكة صيفاً وشتاء، رباط العنق الثمين من أشهر الماركات العالمية، المشبك الذهبي في منتصفه، الياقة المنشأة صارمة الفتحة في إحاطتها لربطة العنق. أساور القميص العريضة مطبوقة بأزرار ذهبية بفصوص من الأحجار الكريمة. الحذاء لامع براق، العطر يتضوع من بين طيات الثياب ومن صفحة وجهه الحليق.

يفتح الحقيبة فإذا يده تسرع إلى القلم الباركر الذهبي العتيق الذي لا يضيره ولا يبدله أبداً، يفتحه ليراجع به ما كتب من قبل، يوصيك بأن تقرأ هذه الأوراق، ليس مهماً أن تنشرها ولكن من المهم بالنسبة له أن تقرأها، فرأيك مهم حتي لو كان عبر الهاتف.

مظهره ليس دليلاً قاطعاً علي الثراء، بل علي الستر، وإفراطه في الأناقة ليس من قبيل الفشخرة، إنما هي الشياكة في السلوك بوجه عام، نعم لقد كان سلوكه أكثر أناقة من مظهره المادي، كان بارعاً جداً في العلاقات العامة. لست أقصد هذا النوع من العلاقات المصلحية التي يبرع في إقامتها طائفة معينة من العاطلين يحققون بواسطتها تواجداً وانتشاراً في الحياة الفنية لا حق لهم ولو في جزء منه، إنما قصدت ذلك النوع من العلاقات الذي يشي بكرم في النفس والأخلاق ورقة في الطبع شديدة الرومانسية، لكنها أوقع من الواقعية.

موهبة النجاح في العلاقات العامة جبلة فطر عليها مصطفي عبدالرحمن فانطبع بها قلبه الطيب الدافئ وروحه المشعة بالنقاء الإنساني، في بداية كل عام لابد أن يلتقيك بأي شكل، في أحد أروقة الإذاعة، في الشارع، في محل عام كالبن البرازيلي مثلاً أو الأمريكيين، حينئذ يفتح حقيبته التي لا أظن أنها تفارقه حتي في الفراش، يسحب مفكرة شديدة الأناقة داخل محفظة جلدية ثمينة، يقدمها إليك بابتسامة عريضة تقطر خجلاً وحياء: كل سنة وأنت طيب وفي أسعد حال.

للحديث بقية