الشاعر المظلوم حياً‮.. ‬وميتاً

خيري شلبى

الثلاثاء, 21 ديسمبر 2010 07:43
بقلم‮: ‬خيرى شلبى

يصيبنى الأسى كلما تذكرت الشاعر الراحل محمد مهران السيد،‮ ‬ذلك الشاعر الكبير الفحل الذي‮ ‬ظلم حياً‮ ‬وميتاً‮. ‬كان في‮ ‬حياته نبيلاً‮ ‬بمعني‮ ‬الكلمة‮ ‬يستعلى علي‮ ‬المكاسب الرخيصة وينأى بنفسه عن مواطن الشبهات‮. ‬لقد زاملته في‮ ‬مجلة الإذاعة والتليفزيون لأكثر من ثلاثين عاماً،‮ ‬أراه كل‮ ‬يوم فيأخذني‮ ‬هدوءه إلي‮ ‬رحابة الإنسانية الصافية الرائعة الراقية،‮ ‬وتأسرني‮ ‬حكمته،‮ ‬ويحتويني‮ ‬دفء مشاعره،‮ ‬ووداعته،‮ ‬وشيئاً‮ ‬فشيئاً‮ ‬تصيبني‮ ‬عدوي‮ ‬تطامنه،‮ ‬وعدم تكالبه علي‮ ‬أي‮ ‬مغنم أو منصب،‮ ‬إنها روح المستغني‮ ‬بكبريائه،‮ ‬المتنازل حتي‮ ‬عن حقوقه عند جهة العمل كموظف من حقه الترقي‮ ‬والحصول علي‮ ‬العلاوات والحوافز والمكافآت الاستثنائية علي‮ ‬قدر ما‮ ‬يبذله في‮ ‬المطبخ الصحفي‮ ‬من جهود مضنية ليس‮ ‬يملكها سواه بين جميع محرري‮ ‬المجلة

‮ ‬وعن حقوقه الأدبية قبل الحياة الثقافية المصرية بنقادها ودارسيها ومحرري‮ ‬صحافتها وهو أحد أهم رواد الشعر العربي‮ ‬الحديث ذو قامة شعرية لا تقل بأي‮ ‬حال من الأحوال عن صلاح عبدالصبور وحجازي‮ ‬والبياتي‮ ‬ونازك الملائكة وخليل حاوي‮ ‬وغيرهم ممن تبوأوا مكانات مرموقة كان هو‮ ‬يستحق مثلها لولا عزوفه عن الترويج لشعره وابتعاده عن منافذ التوصيل،‮ ‬وعجزه عن بناء علاقات مصلحية رغم أنه علي‮ ‬علاقة وثيقة بجميع ممثلي‮ ‬الثقافة اليسارية حيث أمضي‮ ‬زبدة سنوات نضجه في‮ ‬معتقل أبو زعبل مع زعماء اليسار،‮ ‬لم‮ ‬يكن‮ ‬يطلب من الله شيئاً‮ ‬إلا دوام الراتب الشهري‮ ‬من وظيفته‮ - ‬أياً‮ ‬كان قدره‮ - ‬ليضمن قوت عياله وروقان القريحة الشعرية‮. ‬كان‮ ‬يراهن على قصيدته،‮ ‬هي‮ ‬الرصيد الوحيد الذي‮ ‬يشعر بسعادة حقيقية كلما أضاف إليها بيتاً‮ ‬جديداً‮ ‬له مقومات البقاء في‮ ‬الوجدان زمناً‮ ‬طويلاً،‮ ‬سيما وقد كان‮ ‬يمتح من آبار شعورية كالماء الزلال‮.‬

ينتمي‮ ‬محمد مهران السيد للطبقة التي‮ ‬نسيها جموع الشعب العاملة،‮ ‬تحت الطبقة المتوسطة،‮ ‬وفوق طبقة المعدمين بقليل‮. ‬وهو من مواليد سوهاج،‮ ‬تلقي‮ ‬تعليماً‮ ‬متوسطاً،‮ ‬لأن نفقات التعليم أثناء طفولته كانت باهظة التكاليف لا‮ ‬يقدر عليها إلا فئات معينة من الميسورين‮. ‬علي‮ ‬أن التعليم الذي‮ ‬حرم منه مهران السيد لم‮ ‬يكن شيئاً‮ ‬بالنسبة للثقافة الرفيعة التي‮ ‬حصلها مهران في‮ ‬مرحلة الصبا‮. ‬ذلك أنه انفتح علي‮ ‬مصادر الثقافة منذ طفولته المبكرة‮. ‬القنوات التي‮ ‬ربطت بين‮ »‬الفتي‮ ‬مهران‮« ‬والثقافة كانت وجدانية خالصة‮. ‬فهذا الطفل الشقي‮ ‬تفتح وعيه المبكر،‮ ‬الشديد الحساسة،‮ ‬علي‮ ‬بيئة‮ ‬يرتع فيها الأعداء الألداء الثلاثة للشعب المصري‮: ‬الفقر والجهل والمرض‮. ‬لقد رأى بعينيه درجات المعاناة والشقاء‮ ‬غير الإنساني‮ ‬بين أهله لا‮ ‬يحتملها

إلا قلب فيلسوف‮. ‬عاش بكيانه الأخضر حياة ناس‮ ‬يبذلون من قلوبهم الدفء والعطاء الإنساني،‮ ‬يعوض بعضهم البعض ما حرم منه الجميع من القوت الضروري‮. ‬رأى ناساً‮ ‬ينتحرون للإبقاء علي‮ ‬ما‮ ‬يسد رمق الصغار،‮ ‬ويبذلون ما في‮ ‬وسعهم للعيش في‮ ‬شرف وحب وإخاء وتراحم وإيثار‮.‬

كان‮ ‬يقرأ في‮ ‬الأدب،‮ ‬فيزداد وعيه بمحنة الجماهير العريضة،‮ ‬يتسع قلبه لهموم هذه الجماهير الكادحة التعيسة ليس في‮ ‬مدينة سوهاج وحدها بل في‮ ‬جميع أنحاء البلاد‮. ‬أصبح‮ ‬يعبر عن هموم هذه الجماهير في‮ ‬قصائد شعرية صغيرة‮ ‬يبعث بها إلى الصحف في‮ ‬العاصمة الكبيرة،‮ ‬فتنشر بعضها أحياناً،‮ ‬وتشجعه أحياناً‮ ‬أخري‮ ‬بكلمات طيبة تفتح أمامه آفاق الأمل العريض‮. ‬وكان لابد للفتي‮ ‬الشقي‮ ‬أن‮ ‬يحمل المسئولية منذ الصغر،‮ ‬فعمل في‮ ‬وظيفة بسيطة متواضعة في‮ ‬هيئة السكة الحديد،‮ ‬وبمرتبه الضئيل‮ ‬يوسع علي‮ ‬أهله وعلي‮ ‬عقله ووجدانه‮. ‬وشأن أي‮ ‬شاب متفتح محب وقع الفتي‮ ‬مهران في‮ ‬حب فتاة شعر أنها‮ ‬يمكن أن تكون شريكة عمره،‮ ‬فبادر بالارتباط بها فأصبح مسئولاً‮ ‬عن زوجة سرعان ما أنجبت له أطفالاً‮.‬

علي‮ ‬أن ارتباطه الأكبر والأعمق كان بالثورة،‮ ‬بأحلام الجماهير الكادحة،‮ ‬فانضم إلي‮ ‬حركة التحرر الوطني‮. ‬بات عضواً‮ ‬فعالاً‮ ‬في‮ ‬أحد التنظيمات اليسارية‮. ‬كان‮ ‬يعرف منذ البداية أنه لابد من التضحية براحته الشخصية وبسعادة أبنائه،‮ ‬إلا أنه كان‮ ‬يعرف أنه أمام طريق لا مفر منه،‮ ‬فمستقبل هذه الجماهير‮ - ‬ومن بينها أسرته الصغيرة‮ - ‬مرهون بألسنة شجاعة تقول كلمة الحق في‮ ‬وجه العتاة الطغاة البغاة،‮ ‬تعبر عن حقيقة الأوضاع‮. ‬حتي‮ ‬إذا ما تحققت أمنية الفقراء وقامت ثورة‮ ‬يوليو رافعة راية العدالة الاجتماعية والمساواة بين البشر تنفس الجميع الصعداء،‮ ‬خاصة المثقفين المنتمين لأحلام الجماهير‮. ‬ولكن هذه الثورة بكل أسف خيبت ظن الجميع،‮ ‬انتهجت نهجاً‮ ‬ديكتاتورياً‮ ‬شديد الوطء علي‮ ‬البلاد؛ عيشت الجميع في‮ ‬محنة كبيرة‮. ‬رفع بعض المثقفين الشرفاء ثمن هذه المحنة،‮ ‬فقد بادرت الثورة باعتقال الكثيرين منهم وألقت بهم خلف قضبان السجون،‮ ‬وكان محمد مهران السيد أحد أولئك الذين ألقي‮ ‬بهم في‮ ‬الأتون،‮ ‬حيث حكم عليه بسبع سنوات،‮ ‬أمضي‮ ‬منها خمساً‮ ‬في‮ ‬سجون الثورة

في‮ ‬أشغال شاقة أهلكت زهرة الشباب ونضارة الأيام الخضراء‮. ‬ومع ذلك لم‮ ‬يفقد إيمانه بالثورة لأنها بالنسبة له لم تكن أشخاصاً‮ ‬يتسلطون،‮ ‬إنما كانت مبادئ آمن بها واعتنقها ولم‮ ‬يعد مستعداً‮ ‬للتنازل عن شيء منها حتي‮ ‬ولو حكم عليه رجالها بالسجن وحرموه من نسمة الدنيا‮. ‬وحينما أفرج عنه كانت معظم قصائده قد ضاعت بين ما ضاع من أوراقه في‮ ‬سنوات الشتات‮. ‬لم‮ ‬يبق في‮ ‬حوزته سوي‮ ‬القليل من قصائد كتبها خلف القضبان وهربها داخل قطع من الحلوي‮. ‬فاحتفظت بها زوجه ضمن بيته وأولاده وعرضه‮.‬

من هاتيك القصائد تشكل ديوانه الأول‮ (‬بدلاً‮ ‬من الكذب‮)‬،‮ ‬الذي‮ ‬أصدرته دار الكاتب العربي‮ ‬في‮ ‬العام السابع والستين عام الكسرة العظمي،‮ ‬فإذا بهذا الشاعر‮ ‬يهدي‮ ‬ديوانه الأول هذا إلي‮ ‬جمال عبدالناصر‮ »‬الزعيم والقائد بكل ما‮ ‬يحمله جوهر هذا الاسم من نبل وأصالة وانطلاق‮«. ‬مثله في‮ ‬ذلك مثل الشاعر فؤاد حداد وغيره من مثقفي‮ ‬مصر الأصلاء نراه‮ ‬يرتفع فوق المحن الشخصية فيري‮ ‬الحقيقة بعين أوسع وأعمق وأشمل‮.‬

في‮ ‬ديوانه‮ (‬بدلاً‮ ‬من الكذب‮) ‬تشكلت ملامح شاعر أصيل،‮ ‬صاحب قضية،‮ ‬صاحب موقف‮. ‬الشعر عنده ليس هموماً‮ ‬ذاتية‮ ‬يغني‮ ‬فيها علي‮ ‬ليلاه،‮ ‬بل هو أصداء حية للهم العام،‮ ‬لحياة الشارع المصري،‮ ‬والبيوت الواطئة،‮ ‬والمصانع،‮ ‬والمزارع،‮ ‬والعشش الصفيح،‮ ‬وكسوة العيال في‮ ‬العيد،‮ ‬وكراريس المدارس‮.. ‬فكأن ذات الشاعر التي‮ ‬انطلقت منها هذه الهموم قد صارت تمثيلاً‮ ‬لذات الأمة والوطن بآلامه وأحلامه المحبطة‮. ‬ولأنه شاعر أصيل وصادق فإن وجدانه الشفاف استطاع أن‮ ‬يعكس جوهر المحسوسات ولب الحقائق في‮ ‬بساطة آسرة ودون ثرثرة‮. ‬بساطة التعبير في‮ ‬شعره تعني‮ ‬أنه‮ ‬يري‮ ‬جيداً‮ ‬ويشعر بصدق وحرارة ويحزن حتي‮ ‬ثمالة الألم،‮ ‬يسبر الأغوار حتي‮ ‬يستشف بؤرة العورة،‮ ‬مركز الإشعاع فيها،‮ ‬فيسلط عليه عدسته العاكسة‮. ‬من هنا‮ ‬يبدو شعر مهران كأنه عصارة الحكمة الشعبية العتيقة‮. ‬ورغم طزاجة شعره وحرارته وعصريته واتصاله الحميم الوثيق بالهموم الراهنة المعاشة،‮ ‬نستطعم فيه مع ذلك نكهة الفلاح الفصيح،‮ ‬وأناشيد إخناتون،‮ ‬وكتب الموتي،‮ ‬والمواويل الخضراء،‮ ‬والأغنيات الفلكلورية،‮ ‬وحواديت الجدات‮. ‬لقد عاش مهران مخلصاً‮ ‬لقضيته التي‮ ‬تبلورت عبر مراحل طويلة من الكفاح والمعاناة‮.‬

من ديوانه‮ (‬بدلاً‮ ‬من الكذب‮) ‬إلي‮ ‬دواوين‮: (‬زمن الرطانات‮)‬،‮ (‬ثرثرة لا أعتذر عنها‮)‬،‮ (‬طائر الشمس‮)‬،‮ ‬إلي‮ ‬مسرحيته الشعرية‮ (‬حكاية من وادي‮ ‬الملح‮)‬،‮ ‬ناهض محمد مهران السيد كل وجوه الزيف والكذب،‮ ‬بمواجهتها بالحقائق الوجدانية،‮ ‬وربما كانت قصيدته‮: (‬سيرة ذاتية‮) ‬تلقي‮ ‬الضوء علي‮ ‬شخصية هذا الشاعر الكبير،‮ ‬وعلي‮ ‬محنته مع الحرف والحياة والآمال المحبطة في‮ ‬مجتمع زائف،‮ ‬في‮ ‬مقطع بعنوان‮: (‬السؤال‮) ‬يقول‮:‬

‮.. ‬ما من مرة

صادفتك فيها إلا وسألت‮..‬

كيف الحال؟‮!‬

وتدور علي‮ ‬عقبيك

نصف جواني‮ ‬في‮ ‬أذنيك

والنصف الآخر‮.‬

يتدحرج فوق الأسفلت

يا صاحب أيامي‮ ‬الخضراء

كيف الحال؟‮!‬

مازلت ومازال

ذاك الخيط الشائك‮.. ‬يمتد بعرض الطرقات

وإشارات الضوء الحمراء

قد صرخت امرأة‮: ‬قف

كانوا قد مروا‮.‬

بيني‮ ‬والأضأل شأناً‮.. ‬خطوات‮!!‬

وتخلفت عن الصف‮.. ‬إلخ

تلك قصيدة طويلة من ديوان‮ (‬زمن الرطانات‮) ‬وهو من أهم وأعمق المنجز الشعري‮ ‬المصري‮ ‬في‮ ‬حركة الشعر العربي‮ ‬الحديث كلها‮. ‬ألا هل نجد من‮ ‬يعيد طبع ديوانه الكامل المبعثر؟ أعتقد أنه‮ ‬يستحق النشر في‮ ‬مكتبة الأسرة،‮ ‬بل‮ ‬يستحق أن تتذكره كل عام بالتكريم والتقدير‮.‬