عصا سحرية تحرك اللهب

خيري شلبى

الثلاثاء, 14 ديسمبر 2010 08:10
بقلم‮: ‬خيري‮ ‬شلبي

‮٨١ ‬عاماً‮ ‬علي‮ ‬رحيل‮ ‬يحيي‮ ‬حقى

أرأيت إلي‮ ‬عصا الحداد تمتد إلي‮ ‬قلب الحورة الخامدة،‮ ‬فتوخزها في‮ ‬أجنابها وسويدائها فإذا الجمرات الملتهبة قد تعرت وعانقت الهواء مبتهجة مشتاقة إلي‮ ‬الوهج؛ فما تلبث الجمرات حتي‮ ‬تشعل بعضها بعضاً‮ ‬في‮ ‬أتون تزغرد في‮ ‬جوفه ألسنة اللهب؟

 

كذلك تفعل عصا‮ ‬يحيي‮ ‬حقي‮ ‬في‮ ‬قلوبنا بحذق ومهارة فنان خبير بجوهر النفس البشرية عامة والنفس المصرية علي‮ ‬وجه خاص،‮ ‬خبير هو بموضع الجمرات التي‮ ‬تختبئ داخل النفوس تحت ركام من الرماد الناتج عن محرقة الحياة اليومية‮. ‬فنحن علي‮ ‬تعاقب الأيام وترادفها وازدحامها بالهموم المؤقتة والدائمة،‮ ‬القائمة والمؤجلة،‮ ‬المعلنة والمبطنة،‮ ‬ننسي‮ ‬الكثير من المعالم والذكريات والملامح والخصائص والأشياء التي‮ ‬لا حصر لها‮. ‬وهي‮ ‬في‮ ‬معظمها أشياء جوهرية،‮ ‬هي‮ ‬متاعنا الإنساني،‮ ‬مكوناتنا الوجدانية والعقلية الذاتية والموضوعية؛ قد دخلت في‮ ‬تراكيبنا وصارت تشكل سلوكنا وتفكيرنا وكل تصرفاتنا،‮ ‬ولذا فإن نسيانها‮ ‬يكون في‮ ‬العادة مؤقتاً‮ ‬لكنه قد‮ ‬يكون طويل المدي،‮ ‬إلا أن وعينا بها ضروري‮ ‬جداً،‮ ‬علي‮ ‬الأقل لنزداد وعياً‮ ‬بشخصيتنا القومية،‮ ‬وفي‮ ‬تفاعل دائم علي‮ ‬محتواها الثمين،‮ ‬الذي‮ ‬إن وعيناه حرصنا عليه وأبقيناه جذرًا قابلاً‮ ‬للتطور والازدهار،‮ ‬نحو قيم متجددة باستمرار،‮ ‬أكثر سمواً‮ ‬وسموقاً‮ ‬وانفتاحاً‮ ‬علي‮ ‬إنسان أعلي‮ ‬وأقوي‮ ‬وأقوم‮.‬

تمتد عصا‮ ‬يحيي‮ ‬حقي‮ ‬السحرية متسللة إلي‮ ‬قلوبنا كدبيب الانتعاش،‮ ‬كأثر الدواء الشافي‮. ‬بطرفها المبصر تلمس الجمرات المختبئة تحت رماد السنين والهموم اليومية المتطفلة علي‮ ‬وجداننا العربي‮ ‬العامر بالإنسانية النقية،‮ ‬فسرعان ما تستيقظ في‮ ‬النفس قيم عظيمة وعادات حميمة ومعتقدات‮ ‬غنية بالمشاعر وخبرات ذات قوام صلب متين‮.‬

أنت تقرأ‮ ‬يحيي‮ ‬حقي‮ ‬فتشعر أنك تغتني،‮ ‬أنك أكثر أصالة،‮ ‬أكثر عمقاً‮ ‬وتحضراً،‮ ‬إذ إنه‮ ‬يبصرك بنفسك،‮ ‬يغوص بك إلي‮ ‬أعمق أعماق جذرك البعيد البعيد‮. ‬عندئذ تشعر بنشوة عالية وأنت تتذوق حليب الأرض وعصارتها المصفاة تسري‮ ‬في‮ ‬أوصالك وأصلابك نضحك في‮ ‬علو منهم بالفخر المبني‮ ‬علي‮ ‬الثقة بالنفس،‮ ‬حيث قد وضع‮ ‬يدك علي‮ ‬كثير من الأسرار لم تكن تنتبه إليها في‮ ‬سلوكك الشخصي‮ ‬أو سلوك‮ ‬غيرك من بني‮ ‬جلدتك‮.‬

وإنه لمن حسن حظنا كقراء أن كتابات‮ ‬يحيي‮ ‬حقي‮ ‬التي‮ ‬توجه بها إلي‮ ‬عامة القراء عبر صحيفتي‮ ‬المساء والتعاون لم تكن قصصاً‮ ‬فنية وإن توسلت بأدواتها وتعطرت بتلك النكهة الحكائية المصرية العميقة المؤنسة‮. ‬ذلك أن حكايتها علي‮ ‬هذا النحو المباشر‮ ‬يبعدها عن تحليقات الخيال ويقربها من الحقائق الحياتية المعاشة المؤكدة‮. ‬إنه فيها كالجواهرجي‮ ‬المحنك،‮ ‬يقلب في‮ ‬النفس الإنسانية المصرية بملقاط دقيق‮ ‬يستطيع الإمساك بالشعرة؛‮ ‬يمسك بأدق المشاعر والخلجات التي‮ ‬هي‮ ‬بمثابة اللحمة والسداة في‮ ‬نسيج الوجدان العربي‮. ‬يضع الخلجة أمامه

فوق لوح زجاجي،‮ ‬يفحصها جيداً،‮ ‬يكشف عن معدنها الحقيقي،‮ ‬فإن كان ثميناً‮ ‬حقاً‮ ‬وضعها في‮ ‬علبة من القطيفة وأبرزها في‮ ‬الخانة اللافتة‮.‬

ها هوذا‮ - ‬في‮ ‬عز نضجه وفيض عطائه آنذاك‮ - ‬يحدثنا عن الأشياء البسيطة الجارية في‮ ‬نهر الحياة اليومية فإذا هذه الأشياء العادية استحالت زوارق تسبح في‮ ‬وجداننا الواسع العميق‮.‬

عن شقشقة الفجر في‮ ‬شهر رمضان‮ ‬يتحدث،‮ ‬فإذا الفجر في‮ ‬قلبه شعر خالص،‮ ‬وإذا هو قلب الفجر الشاعر،‮ ‬فلا نكاد ندري‮ ‬أينبع الفجر من قلب الكاتب أم أن قلب الكاتب قد صيغ‮ ‬من شعر الفجر الرمضاني‮ ‬المزدان بالأنس والمودة والاطمئنان حيث الكائنات كلها متآخية متعاضدة متكاملة‮. ‬والديك الذي‮ ‬يطلق صيحة الفجر قبل صوت المؤذن هو زميل طفولة للكاتب،‮ ‬بينهما كل ما بين البشر وبعضهم من علاقات إنسانية حية‮. ‬لا‮ ‬غرو أن كان الله سبحانه وتعالي‮ ‬من عشاق الفجر وليال عشر‮. ‬لا عجب وإن كان قرآن الفجر مشهوداً‮: »‬ما أعجب رعشة هذه اللحظة من الزمان،‮ ‬الآن لا أشهد شقشقة الفجر مرة إلا ردتني‮ ‬بقوة إلي‮ ‬ذكريات طفولتي،‮ ‬دنياي‮ ‬حينئذ هي‮ ‬دنيا المسموعات لا المرئيات،‮ ‬بالليل أسمع دقة نبوت الخفير علي‮ ‬الأرض فلا‮ ‬ينفع الأمن المراد لها أن توحي‮ ‬به إلا في‮ ‬إثارة مخاوفي‮ ‬من القوي‮ ‬الشريرة المبهمة التي‮ ‬تتربص بنا في‮ ‬الظلام،‮ ‬الجن والعفاريت،‮ ‬والبغلة التي‮ ‬تصطنع الوداعة والود وتستدرجك لتركبها فإذا تخاملت ونسيت المواعظ علت بك درجة حتي‮ ‬تبلغ‮ ‬عنان السماء،‮ ‬فأنت في‮ ‬خطر أن تدوخ فتهوي‮ ‬إلي‮ ‬الأرض ويندق عنقك،‮ ‬ثم‮ ‬يشق الصمت صوت مرعب‮ ‬يخفق له قلبي‮ ‬خفوتاً‮ ‬مؤلماً،‮ ‬صوت البوحة،‮ ‬أم قويق،‮ ‬ربيتُ‮ ‬علي‮ ‬أنها نذير خراب وقرب هبوط ملاك الموت علي‮ ‬الأرض،‮ ‬لا‮ ‬يعود للسماء إلا وفي‮ ‬جعبته روح إنسان‮... ‬إلخ‮«.‬

لحظة الفجر تلك تقود‮ ‬يحيي‮ ‬حقي‮ ‬إلي‮ ‬الغوص في‮ ‬وجداننا العامر بالكائنات الخرافية الدالة علي‮ ‬الغني‮ ‬الإنساني‮ ‬لهذا الوجدان الشرقي‮ ‬الفنان،‮ ‬إذا‮ ‬يتجاور مع الكون ويقيم علاقات حتي‮ ‬مع الكائنات‮ ‬غير المرئية‮. ‬إنه إدراك مبكر جداً‮ ‬لما في‮ ‬الكون من عوالم وحيوات متعددة؛ إدراك قائم علي‮ ‬أنسنة الكون‮. ‬تتعمق لحظة الفجر في‮ ‬نفوسنا من مظهر وطقس إلي‮ ‬جوهر حيوي‮. ‬هي‮ ‬لحظة ليست محطة زمنية عابرة،‮ ‬إنما هي‮ ‬حضور إنساني‮ ‬كامل،‮

‬من بدء اقترابها،‮ ‬ثم انسيابها في‮ ‬ذيل عباءة النهار المستأنف بصيرورته التاريخية‮. ‬لحظة الفجر في‮ ‬قلب طفل نجيب في‮ ‬بيت إسلامي‮ ‬عريق في‮ ‬أوائل القرن العشرين في‮ ‬أحشاء القاهرة المملوكية بين ضلوع قلعة صلاح الدين ومسجد السلطان حسين وحي‮ ‬الصليبة وشارع محمد علي‮ ‬الحافل بالأخطار الداهمة تمشي‮ ‬علي‮ ‬عجل وأقدام تملأ الدنيا صخباً‮ ‬وفزعاً‮. ‬ما أعمق الإحساس بهذه اللحظة‮: »‬إحساس‮ - ‬لفترة‮ - ‬بأن المدينة الكبيرة وحش مهول،‮ ‬كفانا نومه بالليل شرَّه‮. ‬ها هو ذا‮ ‬يهم بالصحيان،‮ ‬إنه ساذج شرس معاً،‮ ‬ولأنه ساذج فشراسته حمقاء،‮ ‬وغير مأمونة،‮ ‬وقد تثور لأوهي‮ ‬الأسباب،‮ ‬إنها أرض معركة،‮ ‬قطع الليلُ‮ ‬فيها القتال،‮ ‬وها هو ذا‮ ‬يوشك أن،‮ ‬يتجدد مع أول شعاع للشمس،‮ ‬قتال بين آلاف من الجيوش،‮ ‬وكل جيش قوامه فرد واحد،‮ ‬مدجج بالسلاح،‮ ‬يا قاتل‮ ‬يا مقتول ولا ثالث للاحتمالين،‮ ‬ولو فرضنا المستحيل وساد السلم فإنه هدنة بين معركتين‮«.‬

من صوت الديك وصوت المؤذن وتسبيحة الكروان،‮ ‬تلك الأصوات الجميلة التي‮ ‬تمشي‮ ‬بين‮ ‬يدي‮ ‬الفجر وتزف الجمال في‮ ‬مولده إلي‮ ‬أذن ذلك الطفل الواعي،‮ ‬إلي‮ ‬أصوات الرهبة‮. ‬أما هذا الجانب‮: »‬فكان‮ ‬يتكفل به‮ - ‬ولا عجب‮ - ‬صوت للحديد،‮ ‬صوت احتكاك عجلات بقضيب‮«.. »‬كانت أذني‮ ‬تبعُد بالنهار كثيراً‮ ‬وبالليل قليلاً‮ ‬عن مهبط مسجد السلطان حسن،‮ ‬حين‮ ‬يبلغه الترام القادم من شارع محمد علي‮ ‬يستدير إلي‮ ‬اليمين بقوة الزاوية القائمة ليعيد من ورائه المسجد إلي‮ ‬ميدان القلعة،‮ ‬فيكون لاحتكاك العجلات بالقضيب عند الاستعادة صوت حاد،‮ ‬لا أسمعه بالنهار ولكنه‮ ‬يطعن أذني‮ ‬مع أول ترام‮ ‬يولد مع الفجر،‮ ‬فتكاد تجزّ‮ ‬له أسناني،‮ ‬صرير معدني،‮ ‬حاد،‮ ‬فج،‮ ‬سمج،‮ ‬بلا حياء،‮ ‬كأنه شحذ سكين للذبح،‮ ‬هذا ولا ريب أول صليل السيوف وقد بدأت المعركة،‮ ‬وتحجل الترام هو اختصار الرحي‮ ‬التي‮ ‬تطحن منا اللحم والعظم‮..«.‬

بملقاطه السحري‮ ‬ينبش في‮ ‬خزائن الوجدان المصري‮ ‬العربي‮ ‬ليكشف عن مكوناته الأسطورية التي‮ ‬هي‮ ‬انعكاس لإنسانيته الشديدة‮ ‬يخلعها علي‮ ‬الكون بجميع ظواهره وبواطنه،‮ ‬مبرزاً‮ ‬هذه العلاقة الحميمة الغنية التي‮ ‬ربطتنا قديماً‮ ‬بجميع المخلوقات فإذا هي‮ ‬عالم من السحر الواقعي‮ ‬الفاتن‮: »‬أرادوا لي‮ ‬وأنا طفل أن أومن كما آمنوا فآمنت بأن هذا الطائر الذي‮ ‬نسميه بالسقساقة‮. ‬ولا أعرف حقيقته إلي‮ ‬اليوم‮ - ‬إذا زقزق وهو‮ ‬يرفرف بجناحين من وراء نافذتنا،‮ ‬فمعني‮ ‬هذا أنه‮ ‬يحمل إلينا خبراً‮ ‬علي‮ ‬غير انتظار منا،‮ ‬سيدق الباب فإذا صحنا‮: ‬من؟ رد علينا إنسان لا نتوقعه‮. ‬ولا نقول رسالة السقساقة هل سنسر لمقدمه أم لا نسر،‮ ‬هذه مسائل‮ ‬غير داخلة في‮ ‬اختصاصنا،‮ ‬لعل تصرفات البشر تبدو للسقساقة في‮ ‬غاية من البلاهة أو اللؤم،‮ ‬فتزدريها ولا تشغل نفسها بها‮. ‬وإن كأكأة الغراب‮ - ‬الطائر الوحيد الذي‮ ‬يخيل إليك من حركة رقبته إذا صاح أنه‮ ‬يتقيأ‮ - ‬تنبئ بالفراق وتشتت الأسرة،‮ ‬وأن نعيق البوم نذير بأن ملك الموت عزرائيل‮ ‬يحوم حول الحي‮ ‬كله ليخطف روحاً‮ ‬انتهي‮ ‬أجلها‮.. ‬ولكني‮ ‬لما كبرت دهشت أشد الدهشة إذ وجدت نعيق البوم موصوفاً‮ ‬في‮ ‬الشعر الأوروبي‮ ‬بأنه هتاف رقيق،‮ ‬حقاً‮ ‬إن هؤلاء الأقوام من جنس‮ ‬غير جنسنا‮..«.‬

هذه كانت بعض جواهر التقطت عشوائىاً‮ ‬من كتاب ليحيي‮ ‬حقي‮ ‬غاية في‮ ‬العمق والأصالة والجمال وعنوانه مع ذلك‮ - ‬ويا للعجب‮ - ‬كناسة الدكان‮!!‬