رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

المادة الأساس للخيال هم الناس أنفسهم

خيري شلبى

الثلاثاء, 31 مايو 2011 10:00
بقلم: خيري شلبي

 

لم أكن أبحث في كتاب أرسكين كالدويل: لماذا أصبحت روائياً عن شيء من الثرثرة أو الفضفضة حسبما اعتدنا مع من يكتبون عن تجاربهم الشخصية من الكتاب والفنانين ورجالات السياسة، إنما كنت أبحث عن نقاط ضوء ولو خافت تساعدني علي فهم شخصية هذا الكاتب الذي أحببت أعماله الفنية وحرصت علي متابعتها بشغف هائل ومازلت أكن له أعمق الحب والتقدير.

إلا أنه في الواقع كان متسقاً مع نفسه كرجل ذي طبيعة عملية خالصة، محبة للإيجاز والاقتصاد في كل شيء، كالذي لا يكتفي بإعطائك شرخة واحدة من التفاحة بل يقوم بتقشيرها في فنجان تجرعه في رشفة واحدة بينما أنت تحب أن تستمتع بمذاق قشر التفاحة وتتلذذ بالقضم بأسنانك وبالمضغ علي مهل.

هو إذن كتاب إخباري في صلبه، سريع الانتقالات بإيقاع لاهث، غير باعث علي التأمل، غير مشبع وإن كان في بعض مذاقه فاتحاً للشهية.

من هنا يحق لنا القول إن كالدويل في هذا الكتاب ليس يعطيك خبرته إنما هويريك بعضها بطريقة عرض جيدة.

فإن كنت أيها القارئ الكريم من هواة الكتابة الأدبية فلاشك ستكون شغوفاً بمعرفة المراحل التي قطعها كاتب مشهور، والوقوف علي الصعوبات الفنية التي واجهته لكي يتمكن من كتابة هذا العمل الفني أو ذاك.

رواية »طريق التبغ« علي سبيل المثال.. نريد أن نعرف القصة الحقيقية لشخصياتها الفاتنة، كيف نشأت فكرتها؟ ما هي البذرة الواقعية التي طرحت هذه الشخصيات وسط هذه الأحداث؟

هذا ما يمكن أن يشغل قارئ الأدب سواء كان دارساً أو ناقداً أدبياً أو حتي قارئاً عادياً.. إلا أن كالدويل لن يحدثنا في شيء من هذا، مع أنه كان من الضروري - تماشياً مع رحابة عنوان الكتاب - أن يفعل بل كان الأحري به أن يكشف لنا عن بعض الخلفيات أو الأسباب التي أنضجت فكرة الرواية، لأن هذا هو موضوع الكتاب: كيف أصبحت روائياً؟ من أن موضوع الخلق الفني هو المحور الأساسي للحديث كما وعدنا به عنوان الكتاب.

إنما نحن في النهاية أمام كاتب نحب أن نقرأ له حتي وإن كتب كلاماً عاماً، كان يقول: »أردت أن أذهب إلي مكان أجد فيه منظوراً جديداً ومختلفاً في الكتابة عن الحياة في الجنوب كما خبرتها، وبدا لي أنه يمكن تصويرها أفضل إذا نظرت إليها عن بعد، لم يكن السفر متاحاً لي، وأردت أن أعيش بهذه الشروط داخل الولايات المتحدة مع مراعاة مكان ذي نفقات معيشية منخفضة، بدت لي ولاية »مين« بعيدة علي الخريطة وتحقق المطلوب، فقررت أن أتجه إلي شرق الولايات هناك«.

أو يقول: »كتبت عشرات من القصص القصيرة خلال الأشهر الاثني عشر الماضية، كنت أشعر أني أتحسن أو أن القصص أصبحت جذابة أكثر للقراء.. أصبحت متمكناً في تشكيل الأحداث الخيالية في نوع من القصص تعطي التأثير الذي أردت أن أحس بها كقارئ، حاولت أن أكتب وفي ذهني أنني سأكون القارئ الوحيد للقصة، معتقداً أن الكاتب نفسه لابد أن يُسر من العمل قبل أن يفعل ذلك الآخرون، كنت أفتقد الثقة في مقدرتي علي تحليل أعمالي القصصية كناقد، وأن أحكامي لا يوثق بها، لذا سعيت إلي تكثيف المشاعر في القصة موازناً بين تأثيرها العاطفي وتوازنها الداخلي. وإذا أعجبتني القصة بغض النظر عن عدم مطابقتها لطريقة القص التقليدي، كنت أقنع تماماً بالنتيجة، وأملت أن الوقت سيأتي حين يقبل الآخرون، بمن فيهم الناشرون. إن هذه هي الطريقة الوحيدة التي يمكن أن تكتب بها هذه النوعية من القصص سواء بقلمي أو بقلم أي كاتب آخر لتنتج التأثير الذي تحتويه، وبالنسبة لي، كان علي الدرجة نفسها من الأهمية. اعتقادي بأن مضمون القصة ذو أهمية قصوي لبقاء التأثير فيها أكثر من الأسلوب الذي كتبت به، فالمضمون هو المادة الأساسية للخيال، للأشياء التي يتحدث عنها الكاتب في الحياة، أفكار وآمال الرجال والنساء في كل مكان.

»واقعية الشخصيات الخيالية التي لم تعش أبداً علي الأرض والتي تعطي القارئ الوهم بأنها حقيقية.

»لم أكتب عن أناس حقيقيين إذن، ولكن علي أفعال ورغبات أناس متخيلين، الذين إذا صوروا في قصة ناجحة أو رواية بدرجة مقنعة لبدوا أكثر واقعية من الناس الواقعيين بالفعل. وطبيعي أن كل الشخصيات الخيالية لدرجة ما مخلوقة من ذكريات وملاحظات عن أشخاص أحياء خبرهم المؤلف وإلا لما شابهت الأحياء إلا بدرجة قليلة، وجاهدت في طريقة كتابتي أن آخذ مباشرة من الحياة تلك الصفات والنعوت في الرجال والنساء، التي تنتج عند سرد النموذج الفعلي للشخصية الخيالية شخصية مركبة ونادراً ما تكون غير ذلك«.

ويقول: »بدأت أدرك بالتدريج أنني لا أقتنع بعمل من أعمالي إلا إذا كتبت رواية طويلة بل وأكثر من ذلك أن تدور هذه الرواية بالضرورة حول الفلاحين المستأجرين الأراضي، وللعائلات التي تتقاسم المحصول، والذين عرفتهم في شرق جورجيا، وبرغم أنني كنت بعيداً عن »رتيز« ومقاطعة »جفرسون« لفترة طويلة، فقد شعرت أنني لن أتمكن من الكتابة بنجاح عن أناس آخرين في أماكن أخري إلا إذا كتبت أولاً قصة العائلات المزارعة التي لا تملك الأرض، وحياة الفقر المدقع الذي تعيش فيه علي تلال شرق جورجيا وطريق التبغ.

وبدت لي الروايات التي قرأتها كمراجع بعيدة عن تصوير حياتهم أكثر من أي وقت مضي، كانت تقوم علي مواقف زائفة وأحداث مفتعلة بعيدة عن الواقع، أردت أن أحكي قصة الناس الذين عرفتهم، وطريقة الحياة التي يعيشونها بالفعل من يوم ليوم وسنة لسنة، أحكيها بغض النظر عن موضات الكتابة أو الحبكات التقليدية، وبدا لي أن الأكثر أصالة والمادة الأساسية للخيال هم الناس أنفسهم وليست الحبكات المصطنعة أو المضادة التي تعالج ببراعة أقوال وأفعال الإنسان«.

ما يهمنا في هذا الكلام الجميل هو هذه العبارة الأخيرة القائلة بأن الناس أنفسهم وليست الحبكات المصطنعة أو المضادة هي الأكثر أصالة والمادة الأساسية للخيال، تلك هي الحقيقة بالفعل، وهي حقيقة أتمني أن يتمعنها كل من يحاول الكتابة في بلادنا خاصة أولئك الشبان المولعين بتعقيد الأشكال الفنية أو الإطاحة بكل القواعد بوهم الحداثة.

ويستطرد: »لم تكن الحياة الاقتصادية علي ما يرام منذ فترة طويلة جداً في المزارع المستأجرة أو المشاركة بجزء من المحصول في شرق جورجيا وأصبحت أكثر إحباطاً لما رأيت، وأنا ذاهب للريف يوماً بعد يوم، وأتوغل أبعد وأبعد عن المستوطنات السكنية والطرق السريعة ولم أستطع أن أتعود علي رؤية الأطفال يتلوون من الجوع أو المرض من كبار السن الذين يعجزون عن المشي إلي الحقول للبحث عما يأكلونه. وفي المساء كنت أكتب ما أراه خلال النهار. لكن في كل ما كتب لم أنجح في التعبير عن المعني الكامل لما رأيته من الفقر واليأس والاحباط، وكلما توغلت أكثر في مقاطعات بيرك وجيفرسون وريتشمون قل اقتناعي بما كتبت. كانت هناك قصة في ذهني وكان يجب أن تروي كما عرفها الناس بأنفسهم، وأخيراً عرفت أنها شيء كان من المفروض أن أفعله قبل كتابتي أي شيء، تركت المكان وسافرت إلي نيويورك، فقد كان ما رأيته هو الذي كنت أبحث عنه«.

لقد عمل كالدويل في بدء حياته بالصحافة حيث كانت هي النافذة التي أطل منها ليس فحسب علي القراء بل وأيضاً علي مواهبه، حقاً أنه شعر إذ هو في الحادي والعشرين من عمره أنه يريد أن يكون

كاتباً، وصمم أن يشق طريقه ككاتب دون أن يشغله أي شيء آخر، علي وجه التحديد أن يصبح قاصاً فحسب، فبدأ بتحرير أخبار يرسلها إلي بعض الصحف الإقليمية، ثم احترف عرض الكتب الجديدة في أبواب المتابعات، ونجح في ذلك حتي إن إحدي الصحف رتبت له مساحة دائمة لعرض الكتب وجعلت تزوده بالكتب الجديدة، ترسلها له بالبريد حيث يقيم في بلدة أخري بعيدة، فكان يقرأ هذه الكتب الطازجة ليعرضها أولاً بأول، حتي تكونت عنده مجموعة من الكتب تبلغ أكثر من ألفي كتاب، كلها ثمينة وذات قيمة ما، وكانت هذه الكتب هي الأجر الذي قبضه مقابل العروض لأن الصحيفة لم تكن تدفع لمبتدئ مجهول مثله أجراً، وقبل ذلك كان يشتري الكتاب الجديد ليقرأه ثم يبيعه لبائع الكتب القديمة بنصف دولار. أما هذه الكتب فقد صعبت عليه مهمة التفريط فيها حينما قرر الانتقال، فهداه تفكيره إلي أن يفتتح بها مكتبة لبيع الكتب خاصة أن الكتب التي عنده لاتزال جديدة، وقد استعان بفتاة تقف للبيع في المكتبة. وتفرغ هو للكتابة ومحاولة تسويق قصصه لدي الناشرين ودور الصحف، وجلب مزيداً من الكتب لمكتبته فلربما نجح مشروع المكتبة واستمر، إلا أن المشروع يفشل بالطبع رغم أنه استدان من أجله بقرض كبير، ذلك أن أي مشروع لا يقدر له النجاح إلا إذا توفر صاحبه بنفسه علي إدارته بعين ساهرة، لكنه بعد طول تخبط وطول إحجام من الصحافة عن نشر قصصه التحق بإحدي الصحف كمحرر يكتب الأخبار والتحقيقات والحوادث، فأظهر تفوقاً في الصياغة استهوي إدارة المجلة فعملت علي استبقائه وإغرائه بزيادة المرتب، إلا أنه ما كاد يضع قدمه علي أول عتبة للنشر الأدبي حتي ودع الصحافة غير آسف عليها، لا مستعلياً عليها بل لأن الأدب كفن ليس يقبل شريكاً أبداً.

هو إذن يدين للصحافة بتنمية مواهبه بل واكتشافها، وهو بذلك أثبت أن الصحافة ليست تقتل الأديب أو تجني علي موهبته كما يشاع خطأ عندنا. إن الصحافة لا تقتل إلا المواهب الهشة أو الزائفة التي تستحق القتل بالفعل، وحينما سأله أحد قرائه: أود أن أصبح قاصاً فهل العمل كمحرر في جريدة مفيد أم ضار بالنسبة لي؟ فأجابه: لا أعرف أحداً أضير بممارسة أي نوع من الكتابة. فالصحافة إضافة إلي أنها تفيدك بالتمرين المستمر فإنها تساعدك علي تكوين عادة الكتابة اليومية، انتظار الوحي عذر نادراً ما تجده وسط محرري الصحف.

غير أن كالدويل مع ذلك يعود فيسخط علي مهمة مراجعة الكتب في الصحف، حينما صدرت مجموعته القصصية الأولي »الأرض الأمريكية« حيث إن مراجعات المجلات والجرائد لهذه المجموعة: »كانت خليطاً منوعاً، بمعني أن بعض المراجعين مدحوا المجموعة وتعاطفوا معها، لكن الأغلبية منهم لم تكن كذلك. لم أكن أتوقع أن يغمروني بمديح واسع فأنا واع لبعض نواحي القصور في مجموعتي، ولكنني لم أكن مستعداً لهذه الحملة الواسعة من النقد غير المتعاطف. خبرت كمراجع للكتب جعلتني أستعد لمواجهة أشياء أخري غير المدح، لكن كان اكتشافاً لي أن أجد معظم المراجعين حين لا يتفق ما يقرأونه مع وجهات نظرهم أو لا يفهمون ما يقرؤونه يزدرون العمل في الغالب، بل ويعاملون العمل الإبداعي بسادية، والملاحظات التي قيلت حول كتابي ليست فريدة من هذه الناحية، وقد قرأت مراجعات لكتب أخري ولاحظت أن التعالي كان صفة عامة في معظم المراجعين، ويبدو أن هناك حقيقة مؤكدة في القول بأن كثيراً من المراجعين والنقاد هم مؤلفون فاشلون أو عشاق عاجزون، وأنه لابد للناقد أو المراجع الجيد أن يظهر مقدرته أولاً في ممارسة الحب أو إصدار عمل إبداعي، وفيما عدا قلة من النقاد والمراجعين فإن معظمهم نظروا إلي مجموعتي بازدراء، بل وتعاموا عن الالتزام بواجبهم النقدي، ولم يخبروا القراء بشيء فيما يتعلق بمضمون القصص أو بمدي نجاح الكاتب أو فشله في محاولته الابداعية، بعد قراءتي كماً هائلاً من هذه المراجعات التي كتبت في مجلات تصدر في جميع أنحاء البلاد لم أعد أحترم مهنة مراجعة الكتب، وتلاشي اعتباري لها يوماً بعد يوم، ونتيجة لذلك وصلت لاقتناع أن عمود المراجعة المتوسط أو الصفحة الثقافية أو الملحق الأدبي هو ابن الزوج أو الزوجة ويستحق الرثاء في الصحافة الأمريكية، يعامل معاملة سيئة تستجلب الحزن سنة بعد أخري علي يدي محررين فاقدي الحس ومعقدين نفسياً«.

ويبدو أن هذه مشكلة ظاهرة في جميع صحافة العالم، وقد حرصت علي إيراد هذه الفقرة كاملة كي أنبه أدباءنا الشبان إلي أن ما تثيره كتبهم الأولي في أركان الصحف من أصداء سواء بالسلب أو بالإيجاب لا ينبغي أن تؤثر فيهم سلباً أو إيجاباً، لأن هذه الأصداء ليست هي فصل الخطاب كما قد يتوهمون، إنها قد تؤثر علي رواج أو عدم رواج الكتاب في السوق لكنها بالتأكيد ليست دليلاً علي قيمته.