البذرة الأولي لفكرة الجامعة العربية

خيري شلبى

الثلاثاء, 17 مايو 2011 09:23
بقلم: خيري شلبي

 

رحم الله الدكتور علي شلش.. كلما تذكرته وجدت عندي ما يقال عنه، ما يؤثر عنه، ما قدمه في كتبه من رسائل أدبية وفنية مهمة يجب الاستفادة منها.

كان منظم العقل، علي درجة كبيرة من الصفاء الذهني، والهدوء النفسي، وضبط الصوت، هو أصدق تمثيل لمقولة أستاذنا يحيي حقي: اضبط صوتك تضبط رأيك، ولذا كان الدكتور علي شلش يكاد يخفي صوته عند الإدلاء برأي خوفا من أن يشوشر علو الصوت علي موضوعية الرأي.

فعنده ينتظم سياق الموضوع بطريقة تؤدي الي توضيح رأيه من تلقاء تركيبها السياقي عليك أن تستنبط رأيه من تتابع السياق في مسار معين كيف بدأ وكيف انتهي وما بين البدء والانتهاء من معلومات تحليلية فإذا ما اضطر الي التصريح فبعبارات ذكية غير مراوغة، مضخة بأدب جم يعكس تواضعا يحتوي في حقيقة أمره علي شعور شديد بالكبرياء.

منذ صباه ـ كما عرفته خلال زمالة عمر كامل ـ وهو يبدو كلورد انجليزي راسخ القدم، بمظهر ارستقراطي واضح التفاصيل، من رباط العنق الي رباط اللسان بملابس ذات طرز كلاسيكية مهيبة حتي لو كانت مجرد قميص وسروال في الصيف وهذا نادرا ما كان يحدث، ولكن روحه الشفافة الصادقة الصافية كانت أقوي من المظهر الكلاسيكي وأبسط إلا أن الأناقة المظهرية كانت تعكس أناقة داخلية، في سلوكه في مفرداته في أسلوبه في جمله القصيرة الرشيقة المعبرة.

لهذا كنت أحب قراءة الدكتور علي شلش، أنغمس في سياقه الهادئ المرتب، أأتنس بروحه الحكاءة كقاص سابق قبل أن يهجر القصة الي المقال الأدبي والنقدي وأستمتع بصبره ودأبه وإصراره في التقصي والإحاطة والاستيثاق من المعلومة قبل اعتمادها.

وللدكتور علي شلش كتب كثيرة كلها مهم في الواقع، سيما أنه مدرب علي اختيار الموضوعات التي تخدم احتياجا ثقافيا أو فنيا ملحا، وإذ يختاره يختار الزاوية التي لا تحتمل الثرثرة والتزيد وإذ يختار الزاوية يختار الأسلوب البسيط ذا الخطوط المستقيمة التي تخترق كبد الموضوع وتتقاطع في نقط وتتقابل عند أخري حتي يصل بتكنيك هندسي بارع الي النتائج التي يريد التوصل اليها.

هكذا فعل في واحد من أهم كتبه التي صدرت قبل رحيله بوقت قليل، أعني كتابه: »اتجاهات الأدب ومعاركه في المجلات الأدبية في مصر 1939 - 1952«.

هو كتاب يقع في مائتين وأربعين صفحة من القطع الطويل يضم أربعة فصول ضافية كأوتاد تحدد مساحة الموضوع الذي سيطرح خيمته فوقها ليلم تحتها كل شاردة وواردة، يقوم بفرزها تحت الخيمة ويرينا كيف يفرزها من مصادر كثيرة فانكاد عملية الفرز تنتهي حتي تكون مضارب الموضوع قد اتصلت بعضها تحت مظلة محكمة.

تتحدد الأوتاد بأربع جهات يقوم عليها البحث، بالحفر في نقاط متعددة: الاتجاهات الفكرية، الاتجاهات الفنية، الخصومات والمعارك الأدبية، أدب الحرب، في الاتجاه الأول يلم بالنقاط التالية: الاتجاه الوطني، الاتجاه القومي، قضية العروبة، قضية فلسطين، ثم الاتجاه الإسلامي، قضايا التاريخ، قضايا الواقع، ثم الاتجاه الاجتماعي، قضية الفقر، قضية المرأة، قضية الديمقراطية، قضية الاشتراكية.

في الفصل الثاني يبحث في الاتجاهات الفنية، فيلم بالنقاط التالية: الاتجاه الكلاسيكي، قضية أدب الأطفال.. الاتجاه الرومانتيكي، قضية التجديد، قضية الأدب الشعبي ـ الاتجاه الواقعي: قضية الالتزام، قضية النظرة الواقعية، الاتجاه الرمزي.

في الفصل الثالث يبحث في الخصومات والمعارك الأدبية، ويلم بالنقاط التالية: معركة الجنايات علي الأدب، معركة المغالطات، معركة الشيخ المرصفي، معركة الصفاء بين الأدباء، معركة الرحلة الي العالم الآخر، معركة الامتاع والمؤانسة، معركة الأدب المهموس، معركة الحروف اللاتينية، معركة النثر الفني، معركة نجيب محفوظ، معركة البلاغة العصرية.

وفي الفصل الرابع والأخير يبحث في أدب الحرب، فيلم بالنقاط التالية: الإرهاصات، البدايات، سقوط باريس، ويلات الحرب، التأمل والتحليل.

هذه كما نري مساحة عريضة واسعة، ولكن الكاتب يشذبها ويهندسها بعقلية منظمة تتيح ـ ببساطة ـ التعامل مع حشد هائل من المعلومات والموضوعات الفرعية. إن خيمته علي اتساعها تستقبل ضيوفا زائدين علي الحاجة، حتي الذين استضافهم من أصحاب المصادر المهمة في بحثه لم يبقهم طويلا، من كل يأخذ السطر الذي يؤيد نظرته أو يدعم فكرته ثم ينحيه جانبا ليكمل نيابة عنه في ايجاز.

الواقع أن هذا الكتاب يعتبر سجلا مهما لكل دارس ومؤرخ إذا أراد أن يستكمل صورة عصر من هذه الفترة موضوع البحث، فإن لم تفده في أصل موضوعي فعلي الأقل تعطيه مصادر للتقصي لا غني عنها، يعيدنا الكتاب الي تلك الأيام الجميلة المفعمة بالوطنية الصادقة، حيث ازدهرت الصحافة الثقافية ازدهارا مدهشا بكثرة المجلات الأدبية والثقافية وبحيوية ما تطرحه من فكر وإبداع، يكشف لنا الكاتب عن بذور الكثير من الأفكار التي أصبحت واقعا اجتماعيا وسياسيا وثقافيا فيما بعد بفضل جهود الكتاب والأدباء يتوقف الكاتب عند الاتجاه القومي الذي نبع من الروح الوطني، فطوال مرحلة الحرب العالمية الثانية كان الاتجاه القومي متفوقا علي الاتجاه الوطني، كان الاتجاه الوطني قد ركز علي قضية الاستقلال والحرية، في حين ركز الاتجاه القومي علي قضيتين عربيتين حيويتين هما العروبة وفلسطين، دون أن يفقد الصلة بقضية الاستقلال والحرية.

يرينا كيف نشأت فكرة الوحدة الوطنية كمطلب رئيس في الصحافة الأدبية في أوائل أربعينيات القرن العشرين، فقد كتب محمد بدران مقالين طويلين في مجلة الثقافة في العددين 130 و131 في أول يوليو سنة 1941، تحدث فيها عن استيقاظ القومية العربية التي تقوم علي وحدة الشعور القومي القائم علي عناصر من الاعتزاز برسالة الإسلام التاريخية وبذكري الدولة العربية القديمة والتقاليد الثقافية

الممثلة في الآداب العربية.

وفي أغسطس سنة 1941 كتب الأستاذ أحمد أمين في افتتاحية مجلة الثقافة مطالبا بما أسماه بالحلف العربي، حيث اقترح حلفا عربيا من أربع وحدات من الدول العربية تمثل أولاها مصر، والثانية الشام وفلسطين ولبنان، وشرق الأردن، والثالثة العراق، والرابعة بلاد العرب علي أن تكون كل وحدة مستقلة في شئونها الداخلية، مع الاحتفاظ بسائر الوحدات ثقافيا واقتصاديا وسياسيا، ومن الناحية الثقافية يري الأستاذ أحمد أمين أن تكون لكل وحدة جامعة، وتتبادل الجامعات الأربع المنتجات العلمية، وأن يكون هناك مؤتمر يتكون من عدد محدود من رجال التعليم في كل أمة، يجتمع كل سنة في الأقطار المختلفة علي التعاقب، وفي هذا الجو يتلو ممثلون لكل أمة تقريرا عن حالة التعليم في أمتهم، ويناقشون المشاكل، ويرسمون السياسة الخاصة لكل قطر، أما من الناحية الاقتصادية فيري أن ينظم الإنتاج في كل أمة عربية حسب طبيعة اقليمها وشهرتها الصناعية وأن تقوم الجمارك علي أساس أفضلية هذه الدول علي غيرها، ومن الناحية السياسية التي الفتنة الطائفية تمثل في رأيه أصعب الروابط وأعقدها تلتقي الدول العربية المتحالفة في نوعين من الروابط، روابط بين الوحدات الأربع، وروابط بينها وبين الأمة الأوروبية الحليفة، ويتصور الروابط الأولي في صورة عصبة أمم عربية يوضع لها نظام خاص تنتفي فيه العيوب التي تكشفت في عصبة الأمم الغربية، حتي اذا نجحت هذه العصبة كانت نواة لعصبة أمم شرقية تضم تركيا وإيران وأفغانستان ثم تونس والجزائر.

وقد وجد هذا الاقتراح ترحيبا في الأوساط الثقافية عكسته مقالات كثيرة دارت حوله وناقشته، ففي العدد 137 من مجلة الثقافة كتب محمد فريد أبوحديد يرحب بالفكرة وينتقد بعض جوانبها لكنه دعا الي إرجائها الي ما بعد نهاية الحرب العالمية الثانية التي كانت محتدمة آنذاك وكتب عبدالوهاب عزام ـ الذي دعا من قبل الي اتحاد العرب ـ فقال إن هذا الاتحاد حقيقة واقعة لا ينقصها إلا أن نعترف بها وأيد فكرة بدء الحلف في صورة محدودة قابلة للاتساع وكان من رأيه أن يستقل كل قطر عربي بما فيه ثم يتعاون مع غيره بعد ذلك ودعا الي أن يجتمع علي الفور أولو الرأي من العرب ويجمعوا أمرهم علي أمر جامع يحعلونه منهاجا قوميا وميثاقا عربيا ويعلنوه الي الناس أجمعين.

وتوالت المقالات في نفس الاتجاه من مناطق شتي من العالم العربي، تتطارح الآراء وتستعرض تاريخ الأمة العربية بحثا عن نقاط الاتحاد وعناصر التجمع.

وكان من أبرز هذه المقالات مقالة مطولة للدكتور زكي مبارك في العدد 433 من مجلة »الرسالة« في 20 أكتوبر سنة 1942 بعنوان: »في الطريق الي الوحدة العربية«، قدم فيها زكي مبارك بعض آرائه المتسمة بالجرأة واتساع الأفق وعمق الثقافة. لقد اعتبر العروبة لغة لا جنسا، والبلاد العربية هي جميع البلاد التي تتكلم العربية في الأقطار الأفريقية، والآسيوية، وتوقف أمام العقبات التي تعترض تحقيق وحدة العروبة وهي: الاعتزاز بالجنس لا باللغة، الدين، اجترار حوادث التاريخ، غفلة الصحافة عن رعاية الوحدة العربية، انصراف أبناء العرب بعضهم عن بعض في الظروف التي توجب التعاضد والتساند والمساواة ولو بالكلام.

وقد دخل الشعر والأدب القصصي ساحة المعركة وشارك في إيقاظ وعي الجماهير علي فكرة الاتحاد العربي، وكان من أثر ذلك أن تم تأسيس الجامعة العربية، لتقوم في الصحافة السياسية معركة ثقافية جديدة حول فلسفة العمل في الوحدة العربية الوليدة، شارك فيها كتاب وأدباء وشعراء وسياسيون من جميع أنحاء العالم العربي.

ويستعرض الدكتور علي شلش نماذج كثيرة من هذه الكتابات، وبتتبع بعض الأفكار مقتفيا أثرها ليري ماذا آلت اليه في النهاية.

من هنا فالكتاب مليء بالحيوية، يوقظ في وجداننا الثقافي عصرا حميما بأكمله من خلال معاركه الثقافية.

ويتتبع الكاتب كيف كانت قضية فلسطين علي رأس العوامل التي شحذت الاتجاه القومي في الفكر علي طول الفترة موضوع البحث نتيجة للأحداث الدامية المتلاحقة في أعوم 1929 و12936 و1939 بين العرب واليهود، نتيجة لتزايد هجرة اليهود الي فلسطين، وكان لهذه الأحداث أثرها الشديد علي الأدباء والكتاب في مصر، عكسته الصحافة الثقافية والأدبية، ومن المعلومات القيمة في هذا الصدد ما يورده الدكتور علي شلش من أن أول ما نشرته المجلات من قصائد شعراء تلك الفترة قصيدتان إحداهما لشاعر من مصر هو الشاعر محمد الأسمر، والثانية لشاعر من لبنان هو الشاعر بشارة الخوري، نشرتا في مجلة »الرسالة« في عامي 1939 و1942 علي التوالي. كانت قصيدة محمد الأسمر بمناسبة إطلاق سراح الزعماء الفلسطينيين الذين اعتقلهم الانجليز في جزيرة سيشل وتوقفهم بمصر قبل عودتهم الي فلسطين. أما القصيدة الثانية فقد ألقاها بشارة الخوري في القدس أثناء زيارة لها ويقول الدكتور شلش إن مجلة الثقافة ومجلة الرسالة كانتا تقرران مساحات عريضة للتعليق علي ما يدور في فلسطين من صراعات ثم يتتبع القضية الفلسطينية في الكتابات الأدبية في مجلات تلك الفترة

فإذا هي كثيرا جدا.

وعلي هذا النحو يمضي الكاتب في كتابه هذا البديع، فيرصد أهم المعارك الأدبية واتجاهات الأدب الاجتماعية والأدبية والسياسية والاقتصادية، فيقدم في ذلك جهدا يستحق التقدير، وقيمة الكتاب ليست في احتشاده بكم هائل من المعلومات المهمة والطرائف النادرة، بل هي في كشفه جذور الكثير من المعارك التي مازالت مستمرة الي اليوم، ويوضح لناأسباب الكثير من العقد والتراكيب الشخصية التي يرزح تحتها بعض المثقفين والكتاب، إذ نستكشف هنا مصادر تأثيراتها الأولي.