رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

محاولة للخروج من الورطة البشرية

خيري شلبى

الثلاثاء, 29 مارس 2011 08:37
بقلم: خيري شلبي

 

شيء مؤسف حقاً أن تمر عشر سنوات علي صدور هذا الكتاب في مصر باللغة العربية دون أن ينتبه إليه أحد برغم أهمية موضوعه وجلال قدر مؤلفيه، ورغم هذه الترجمة الدقيقة التي تصل إلي مستوي الإبداع، والتي قام بها واحد يعتبر أحد أهم علمائنا في القرن العشرين.

إنه كتاب مزعج بالمعني الإيجابي، يسخر من كل خطط التنمية في العالم، فالمسألة ببساطة تنحصر في أن العالم الآن قد أصبح في حاجة ضرورية ماسة إلي تغيير جذري في أساليب الحياة نفسها.. مطلوب إعادة النظر في كل السلوكيات والموروثات والنظم وطرائق التفكير ومناهج التعليم. مطلوب هز الوجدان الإنساني هزاً عنيفاً، وإعادة فرز ما تحويه الذاكرة الإنسانية مما درجنا عليه وتعلمناه وتوارثناه من الاستجابات والمشاعر وردود الأفعال، لنصبح علي وعي جديد واستعدادات جديدة لاستجابات جديدة. هذا وإلا فالهلاك الهلاك والطوفان الطوفان، وليس ثمة من مفر.

إن الأساليب التي نعيش بها، والأفكار التي نعتنقها، والعادات والتقاليد التي تربينا عليها كجزء لا يتجزأ من سلوكنا الوجداني والاجتماعي، بل وتراكيبنا الحسية والشعورية والعقلية كل ذلك أصبح متاعاً بلا قيمة ولا أهمية، بضاعة كاسدة لا سوق لها علي الإطلاق، وعما قريب جداً سنجد أنفسنا جميعاً في العراء، لا نحن بقادرين علي رد الزمن إلي الوراء ولا نحن بقادرين علي استيعاب الابداع الإنساني والمنجزات الحديثة استيعاباً كاملاً. كما أن النشاط الإبداعي قد أصبح أسرع من أن تتوقف لننتفع بمنجزاته، أو حتي نتأملها لنعرف الصالح من الطالح فيها. إنما العالم مندفع في استغلال كل منجز جديد والانتفاع بحجم المعلومات الهائل، ولكن دون فلسفة ترشد الأمور وتحسنها من الانفلات المحتوم، فكل منجز جديد في مقابله أضرار جسيمة، كل تقدم تكنولوجي له آثاره الجانبية الخطيرة التي لا نلتفت إليها مع ذلك إلا بعد أن نصبح في قلب أخطارها.

الكتاب باختصار يدعو لقيام عقل جديد..

بل إن عنوانه: »عقل جديد لعالم جديد«، من تأليف كل من »روبرت أورنشتاين« و»بويل إيرليثين«، وترجمه إلي اللغة العربية بلغة علمية أدبية معاً، العالم المصري الراحل أحمد مستجير مصطفي. فأما روبرت أورنشتاين، فإنه رئيس معهد دراسات المعارف الإنسانية، يقوم بالتدريس بالمركز الطبي بجامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو، وبجامعة ستانفورد. أجري الكثير من البحوث المكثفة علي مخ الإنسان، ألف واشترك في تأليف عدد كبير من الكتب من بينها »سيكولوجيا الوعي« و»العقل المتعدد« و»المخ المدهش«، وأما بويل إيرليثين فإنه أستاذ العلوم البيولوجية وأستاذ الدراسات السكانية بجامعة ستانفورد، وهو واحد من أشهر علماء البيئة في العالم، له دوره الرائد في تشكيل النظرة المعاصرة لمأزق الإنسان، كما أنه عضو الأكاديمية الأمريكية للعلوم، كتب أكثر من خمسمائة بحث علمي ومقالة، ومن أهم كتبه: »آلية الطبيعة« و»نهاية الوقرة«، وغير ذلك من الكتب، وأما العالم المصري أحمد مستجير مصطفي فهو من هو في علوم الزراعة، جمع في ثقافته بين العلم والأدب، فهذا الباحث المتخصص في الزراعة هو نفسه الذي كتب دراسة في بحور الشعر العربي بهدف تطوير موسيقاها إلي أرقام تضبط التفعيلات، ثم أنه كتب الأدب والشعر وترجم الكثير من كتب الأدب الألماني والسويدي والإنجليزي، وكان أحد علماء الهندسة الوراثية في عالم النبات، وكان قبل رحيله قد اختير عضواً بمجمع الخالدين.

يضم الكتاب ما يقرب من ثلاثمائة صفحة من القطع الكبير، ويقع في

ثلاثة أجزاء ومقدمة اضافية بمثابة فصل افتتاحي تمهيدي يحمل الرقم واحد، وعنوانه: »الخطر داخل النصر« وهو عنوان له دلالاته الواضحة، أما الجزء الأول فعنوانه: »العالم الذي صنعنا والعالم الذي صنعناه«، ويقع في فصلين: أولهما يناقش موضوع العالم الذي صنعنا، والثاني يناقش موضوع العالم الذي صنعناه، وأما الجزء الثاني فيبحث في العقل المتوافق والعقل غير المتوافق، ويقع في أربعة فصول علي النحو التالي: »كاريكاتير الواقع: عقلنا غير متوافق«.. »المخزون الذهني وكيف يضر: اتخاذ القرارات في حياتنا اليومية«.. »تجاوز وهم الحقيقة: العلاجات الطبية والسيكولوجية والروحانية«.. »معالجة عالم مضي: العقل القديم في السياسة والبيئة والحرب«. ويبقي الجزء الثالث وعنوانه: »عقل جديد لعالم جديد«، ويقع في ثلاثة فصول علي النحو التالي: »بدايات التغيير الحقيقي«.. »منهج دراسي حول البشرية«.. »تغيير العالم من حولنا«.

فكرة الكتاب قد تبدو طريفة، لا لشيء إلا لكوننا اعتدنا التفكير البطئ، فأصبحت أذهاننا شبه قاصرة عن استيعاب الأفكار الجرئية، فدائماً أبدا نستهول الكثير مما يرد إلينا من أفكار، وقد نظل ننكرها حتي بعد أن تتحول إلي حقائق واقعة، فالمرجح إذن أننا سنستهول فكرة أن يدعو أحد الباحثين أو المفكرين إلي أن نغير جميع أساليب تفكيرنا وجميع أنماط حياتنا وطرائق استخدامنا لكل المرافق والأجهزة، وأن نغير علاقتنا بالكون، ولابد أن حجم الدهشة سيكون عظيماً إذا علمنا أنه لابد من حدوث هذا قبل أن يفني العالم. والمؤكد أن العالم لن يفني بسبب التجارب النووية وتلوث البيئة واجتراء التكنولوجيا علي قوانين الكون الطبيعية، فحسب، بل إن السبب الأكبر في تهديد العالم بالفناء هو كثرة الدهماء والغوغاء علي الأرض. هؤلاء الذين يستوردون التكنولوجيا ويسيئون استخدامها ولا يلتزمون بأي مناهج علمية في ممارساتهم الحياتية بشكل عام.

يبحث هذا الكتاب فيما فعلناه بكوكب الأرض، ويدعونا بإلحاح صارخ إلي أن نطور وعينا كي نتلاءم مع المنجزات العلمية والتكنولوجية، فللحضارة المعاصرة منجزاتها، ولكن هذه المنجزات نفسها هي أكبر عامل تهديد لنسف هذه الحضارة من جذورها. لقد أصبح الجهاز الذهني البشري عاجزاً عن تفهم العالم الجديد. جهازنا العصبي أيضاً، مع التزايد المستمر في تعقيد الحياة المعاصرة، لم يعد قادراً علي التلاؤم مع واقع عالمنا اليوم، فكيف يمكن أن نعيد تدريب أنفسنا لتتعامل مع المستقبل في عالم جديد يمتلئ بتهديدات لم يسبق للبشرية أن واجهت مثيلاتها، هذا ما يقدمه الكتاب في صورة مقترحات وآراء وحلول ومناهج لتطوير عقل جديد يصلح للعالم الجديد الذي لا يكف عن التغيير من لحظة لأخري بعد أن كان التغيير في الزمن القديم يتم ببطء شديد.

يقول المؤلفان في الفصل التمهيدي إن ثمة استجابتين تشيران إلي أن البشرية لم تدرك تماماً ما حدث من تغير خطير في العالم، فلقد سبب الانفجار بهيروشيما انطباعاً أكبر بكثير مما سببه الموت والخراب الأفظع الذي حل بطوكيو بسبب القنابل التقليدية الحارقة. ذلك أن صور

المدن المحترقة المأخوذة جواً - في نشرات الأخبار - كانت قد أصبحت مجرد روتين، ومن ثم يتم تجاهلها ثم أن الأسلحة النووية بعد الانفجارات الأولي الرهيبة قد بدأت تتكدس حتي غدا المخزون منها الآن يعد بمئات الألوف، لقد ثبطت أذهاننا فلم نعد تلحظ التهديد ولم يعد التكريس المستمر للترسانة الهائلة يلقي من الاهتمام ما لقيته أول قنبلتين.

لقد كيف الجهاز العصبي البشري ليتلاءم جيداً مع عالم أهم ما فيه هي التغيرات الصغيرة الحادة لا التغيرات الكبيرة التدريجية. إنه جهاز قاصر عن أن يبقي الاهتمام مركزاً علي ذلك الاتجاه النووي المشئوم، لقد أصبح جهازنا العصبي الآن غير متلائم مع عالمنا.. لقد أذاعت الصورة الأولي للتفجير النووي تهديداً مخيفاً، لكن الرسوم البيانية والجداول التي تصف حجم الترسانات النووية فشلت في أن تذيع تفهماً واقعياً مماثلاً، ونتساءل مع المؤلفين: لماذا فعلنا ذلك فوق هذا الكوكب الذي يضج بالانفجار السكاني والبيئة المتدهورة والمعضلات الاجتماعية الرهيبة؟ لماذا يستثمر النوع الوحيد المبدع من الأحياء كل هذا الوقت والطاقة والعبقرية من أجل إنشاء ترسانات أسلحة لن تدمر سواه؟ لماذا لم تراجع البشرية توجيه جهودها لتبحث عن طريق يتعايش بها الناس دون صراعات، وعن طريق للحد من عدد السكان حتي يمكن لكل إنسان أن يحيا حياة ذات معني؟ ولماذا لم تحاول البشرية جاهدة أن تحفظ الأرض التي عليها يتوقف بقاء البشر وكل الأنواع الحية؟!

إجابة عن مثل هذه الأسئلة، ولأن المشكلة لن يحلها مشروع سياسي جديد أو برنامج للحكومة أو مقالات في نقد التربية والتعليم أو مؤتمر دولي، إذ إنها مشاكل تتعلق بكيفية إدراكنا للبيئة لأنفسنا.. فإن الكتاب يتتبع تاريخ الجنس البشري وكيف تطور وكيف شكل العالم فينا طرقاً معينة لفهم بيئتنا، طرقاً عززت يوماً بقاءنا لكن هذا الطرق القديمة ليست بالضرورة ملائمة في عالم يختلف تماماً عن العالم الذي عاش فيه أسلافنا.

إن الورطة البشرية تتطلب نوعاً مختلفاً من التعليم والتدريب تكتشف به التهديدات التي تتحقق في سنين وعقود لا في لحظات قد يكون تغيير المفاهيم وطرق التدريس هو أخطر التغيرات المطلوبة، لكن هذا التغيير لن يؤتي ثماره إلا بعد فترة قد تصل إلي عشرين عاماً أو يزيد، حتي لو أمكن التغلب علي كل المشكلات الكبيرة، ولو استمر خطؤنا في تقدير أهمية العجز في الميزانية، وترسانات الأسلحة النووية ونفقات العلاج الطبي والمطر الحمضي، إذن فلربما كانت هذه الأعوام ولم تأت أبداً. فالواضح أننا نحتاج إلي أنواع أخري من التفكير وطرق جديدة لمعالجة مشاكلنا، المتاحة مباشرة لصناع القرارات في مجتمعاتنا وتغيير شكل محتوي التعليم قد يكون خطوة مهمة نحو التطور الواعي، لكن يلزم أيضاً أن نقوم بالكثير خارج المدرسة، يجب أن نعرض قادة المجتمع لأفكار ليست دارجة الآن.. لابد أن يثار الجدل في المصالح الحكومية وأجهزة الإعلام ودوائر المثقفين وبين ذوي الفعالية بالمجتمع، نعني بين من يمتلكون الثقافة والاهتمام من بين هذه الأفكار إن آراء الناس ليست ثابتة كما يظن البعض عادة، وأننا لنعرف في الواقع الكثير عن كيفية تغييرها، ستزداد كثيراً احتمالات تحولنا إلي العقل الجديد إذا ما ذاعت هذه المعرفة وانتشرت. إن تقليل التعامل أمر أساسي في عالم مسلح بالأسلحة النووية تلعب فيه كاريكاتيرات الحضارات الأخري دوراً رئيساً في إذكاء التوترات الدولية، عندما يتصل المتعاملون بمجاميع أقل تحاملاً فإنهم عادة يتخذون مواقف أكثر تسامحاً. ثم طريقة أخري لتقليل التحامل هي أن تزيد من الاتصالات بالجماعة المتحيزة ضدها، فهذا يزيد من الأفكار الإيجابية ويقلل من توليد السلبية.

إن حجم البشرية ونموها المستمر، هما بالتأكيد أهم وأخطر التهديدات البيئية التي تواجه المجتمع.. باستثناء الحروب النووية، ولكن ثمة غيرها، وكل هذه التعديلات تقريباً ليست مما يحس، وهي لذلك مما لا يمكن للكثيرين تصوره، يحتاج العقل الجديد أن يبني الجسور الضرورية حتي يمكن أن تخترق العقل أنواع بذاتها من المعلومات علينا أن نتيح للطلبة مباشرة ما تقوله الأديان العظيمة من أن الأفضل أن نعتبر الناس جميعاً كائناً واحداً، كلنا إخوة وأخوات، إننا نحتاج لأن ننتج شكلاً جديداً من التوليف بين التفهم العلمي المعاصر وبين جوهر التعاليم الدينية.