رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

وثيقة فكرية عمرها ثمانية قرون (الحلقة الأخيرة)

الرسالة السبيعية بإبطال الديانة اليهودية

خيري شلبى

الثلاثاء, 22 مارس 2011 08:03
بقلم: خيري شلبي

 

وإذ نصل الي نهاية هذه الوثيقة لمؤلفها »السموأل بن يحيي« نفاجأ به قد ذيلها بوثيقة أخري لا تقل أهمية، كملحق وثائقي يؤيد ويؤكد وجهات نظره. تلك هي »الرسالة السبيعية بإبطال الديانة اليهودية« للحبر الأعظم »إسرائيل شموئيل الأورشليمي« الذي أسلم هو الآخر إسلاما عقلانيا مؤيدا بالسلوك الحسن، هذه الرسالة السبيعية حاوية لسبعتين من القضايا الشبيهة. يقول كاتبها انها قد تتعلق بجواب يفيد معرفة واستدلالاً لا لزوميا للأحكام التوراتية بالشرائع القرائية، علي سؤال يرد من أحبار اليهود البواي من الملة الإسرائيلية، الي رجل مهتد الي الديانة المحمدية وتمضي الرسالة علي النحو التالي:

صورة السؤال: ألا يا حبيبي ما الذي ألجأك الي أن تترك دين آبائك وأجدادك وتوراتهم وشريعتهم، وتنتقل إلي دين الكوثيم دين الإسلام الذي كنت تبغضه وتشنؤه كما نحن الآن جماعة اليهود وتكره الدخول فيه؟

صورة الجواب: ألا يا بني إسرائيل، يا أقربائي وبني جنسي إني أعلمكم بأن الذي ألجأني الي أن أترك ما عندكم وأدخل في دين الإسلام هو مركب من سبع قضايا أولها: أني فحصت الفحص البليغ، وتركت الغرض والعناد القبيح، فوجدت كلام الأنبياء عليهم السلام وإشاراتهم عن هذا النبي العظيم محمد، الذي اتبعته هي منطقية عليه من كل الجهات، ثم هذه النبوءات التي رأيتها في كتب الأنبياء وسمعتها فعلي ظني أن ليس عليها مرد مطلق، ولا ناقض بوجه الحق، وهي من سيدنا موسي وأشعيا وداود وزكريا وغيرهم. ثم مفردات هذه الشهادة مفندة في محلات كثيرة من كتب المباحثات والمجادلات في هذا المعني مأخوذة من التوراة عينها فمن جملة ما ذكرت التوراة في سفر التكوين المسمي بالعبراني »بارا شليب« بأن لسيدنا إسحاق جد الأنبياء بركة واحدة وذكرت أن لسيدنا إسماعيل جملة بركات، وعليكم يا أحبائي بمراجعتها.

وثانيها: أن قبل مطالعتي لهذه البراهين كان دائما يخطر لفكري ـ كما الآن يخطر لفكركم ـ وكنت أقول لذاتي بأن توراتنا وزبورنا ونبوات أنبيائنا لم يوجد فيها أدني إشارة عن نبي المسلمين ولكن بعد مدة مديدة من الزمن راجعت ذاتي وقلت في عقلي: ويه ويه كيف نبي مثل هذا الذي تبعته ألوف وكرات ومليونات وشعوبه وتبشيره للناس وانذاره بترك الكفر والحث علي الايمان بالله ومجاهدته وغيرته الشهرة، ايهمل ويترك وينسي من الذكر عند أنبياء بين اسرائيل ؟ فهل القول بهذا الشكل الذي يعلمنا فيه أحبارنا والحاخاميم هو مضل لكل عقل سليم، بحيث أن أنبياء بني إسرائيل أنبأوا عن أشياء كثيرة كلية وجزئية، والإشارة عن هذا النبي هي من الأشياء الكلية اللازمة فكيف يتركونها وينسونها؟ ويه ويه.. أنا لا يقبل عقلي كلام الحاخاميم الباطل وتأويلهم فالتزمت عندما امتلأ فكري من هذا الميزان أن أفتش وأفحص فوجدت كما قدمت، وقلت إن معاني كثيرة وإشارات غزيرة موجودة في التوراة تشير الي هذا النبي العظيم محمد، وهذه هي التي كانت من جملة الأسباب التي أحوجتني أن أترك الشريعة التوراتية وأتبع الشريعة القرآنية المهندمة بغاية الهندام، والمنتظم اليها أخص ما يوجد في الشرائع السابقة.

وثالثها: اعلموا يا أقربائي وبني جنسي، أني أخبركم أن الذي حملني بعد ذلك أن أتبع هذا النبي الجليل محمد، من كوني نظرت أن جماعة اليهود علي بكرة أبيهم في كل مصر ومكان هم عائشون بغير شريعة التوراة ولا عاملون بأحكامها اللازمة لكون غير ممكنهم العمل بها، لا بل ممتنع،

وقد تصرمت منهم بالطبع وتلاشت وهي باقية بالورق فقط، ويظهر من ذلك أن الله سبحانه وتعالي قد استخدمها الي أزمنة معلومة، غير راض بخلودها، لا بل إنه راض بانقضائها وتبديلها، والبرهان علي ذلك هو من المشاهدات والمتواترات والتجريبات والحدثيات والأولويات، إذ إننا نري أن أعمدة وأركان هذه الشريعة الموسوية التي كانت مسندة عليها وفيها قوامها واستيلاؤها قد انهدمت بالكلية وعدمت مثل إبادة الملك والرياسة، وعدم وجود الأنبياء، وابطال الكهنوت، وخراب الهيكل السليماني، وهدم المذبح واندثار الذبائح، ومحق الاسباط وما يتعلق بهم، لأن هذه الأعمدة والأركان قد ربط بها الله سبحانه وتعالي جميع ما يلزم من القضايا الدينية المشروعة في التوراة حتي والأحكام المدنية، لكن اذا عدمت هذه اللوازم الركنية وبطلت كما هو شاهد الآن نستدل من انعدامها علي بطلان الديانة جميعها، بحيث تعلق الدين بها والبرهان علي ذلك واضح جدا وأجلي من ضياء الشمس بضحاها، ومشاهد تحت حواسنا بفناها، إذ إن الله سبحانه وتعالي قد نزع الملك منكم، والاستيلاء الذي به كنتم تجرون الأحكام الدينية والمدنية وأبطل وجود الأنبياء من سلالتكم علي الإطلاق التي كانت تسوسكم وتنصحكم وتعلمكم وتنبئكم علي ما كان ويكون، وتضع المعجزات لكي تثبت لكم أن الذي كانت تخاطبكم به هو وحي من عند الله وهذه الكثرة من الأنبياء قد كانت موجودة عند أمتكم بالحصر وليست عند من سواها وأباد الكهنة ورؤساء الكهنة والكهنوت الذي كان لا يتم الخلاص لليهود ولا الغفران إلا بهم وعلي أيديهم حتي ولا يجوز العمل الذي كانوا يعملونه في الاستغفارات والتخلص من السيئات إلا بواسطتهم وهدم المذبح والهيكل الذي عمره سليمان، ومحق الله سبحانه وتعالي معرفة الأسباط ورتبهم ووظائفهم المتعلقة بالخدمات الدينية.

وهكذا تمضي الرسالة السبيعية بهذا الأسلوب الصعب، والأصعب منه أي محاولة لتلخيصه، ولهذا سنقفز الي القضية الخامسة من هذه القضايا السبع نظرا لأهميتها جاء فيها، حيث يقول ذلك الحبر الأعظم صاحب الرسالة الذي هجر الدين اليهودي الي دين الإسلام عن قناعة عقلانية:

يا أحبائي ليس خافيكم أن في الزمان الماضي قد جاء سيدنا عيسي فاستكبرتم عليه وتكلمتم في حقه ألفاظا غير جائزة ومحرمة، لاسيما أنها مبنية علي التزوير والبهتان والكذب التي بسببها مع غيرها قد رد عليكم القصاص في القرآن الشريف أكثر من أربع مرات بألفاظ متعددة ومفزعة جدا، ومضمونها تكرار ما وضعه سيدنا موسي عليكم علي مخالفتكم الوصايا ولكن مع هذا كله إن أناسا كثيرين من اليهود اتبعوا دين عيسي الأصلي الصحيح وانجيله السليم وقد وعد سيدنا عيسي بمجيء محمد صلي الله عليه وسلم المصطفي، وأشار عنه إشارات كثيرة.. منها أنه سماه »الفارقليط« وهي كلمة يونانية، ترجمتها للعربي تعني: الداعي، وكلمة الداعي من جملة أسمائه الشريفة، وقد نظرت هذه اللفظة مع جملة براهين مؤلفة من علماء النصاري وأحبار اليهود المهتدين وهي بحق تصدق الدين المحمدي ومسندة علي التوراة والانجيل

والزبور، وهذه البراهين من هذه الكتب قد كان يتردد فيها بعض حاخاميم اليهود في زمان المصطفي ويتبعونه، ويدخلون في دينه، الذين منهم عبدالله بن سلام وكعب الأحبار وغيرهما كثيرون.

وفي القضية السادسة يقول: وإذا رأي الأحبار الحاخاميم الكثير من جماعتهم اليهود الموجودين في تلك الأمصار تابعين لدين هذين الرجلين العظيمين، وما بقي عندهم إلا القليل من الناس كما هو مشاهد فقد شرعوا في عمل تحريفات وتأويلات وتفسيرات مخالفة لمضامين الشهادة الواردة في التوراة بحقها، واخترعوا آراء مستحدثة حتي رأوا أن يبقوا للباقين في دينهم الي الآن، ومع ذلك لما كنت أتردد عندكم كنت أري أن بعضا منكم مذبذبين وآراؤهم منقسمة في الكثير مما ذكرته، وهم من الناس العقلاء وبعض منهم عارفون الحق ولكنهم مربوطين في وظائفهم الدينية والأموال والأولاد والعيال، وبعضهم مغفلون غير مبالين من دخولهم تحت هذه اللعنات المذكورة التي يلتزم بالدخول تحت نيرها جمهورهم بلا محالة، بحيث غير ممكن لهم عمل الوصايا المربوطة علي من لم تشملهم هذه اللعنات، مع عدم إمكان عمل الوسائط بالقرابين التي كانت تخلص الناس منها.

ومن أقوي هذه الآراء المستحدثة قد اخترعوا لهم رأيا أبتر ليس له عندهم من سند في التوراة مطلقا، لا من موسي ولا من الأنبياء وهو التقميص أعني أن الإنسان اليهودي عندما يموت وهو غير مكمل للوصايا يقع تحت هذه اللعنات فيلزمه الرجوع للدنيا مرة ثانية أو ثالثة أو إلي أكثر من ذلك الي أن يكمل كل الوصايا ويتخلص من جرثومة هذه اللعنات رويدا رويدا ثم لها لما فحصت ودققت ووصلت الي معرفة هذه القواعد الغريبة ورأيت أنها حديثة وليس لها سند في التوراة قلت لنفسي: ما الذي يحملك علي قعودك في هذه الشريعة غير المتقنة؟ ثم حدثت نفسي وقلت إذا كان من غير الممكن العمل بكامل الوصايا فكيف أقعد أنا بغير دين ولا شريعة؟

ثم يقول في القضية السابعة: قلت لنفسي ياتري ما الذي يمنعني من اتباع الحق، وما الفرق بين ديانتي وبين الديانة المحمدية؟ فأجبت: إن الفروقات الباقية اللازمة والضرورية في هذا المعني غير المتقدم شرحه هن سبع: الفرق الأول هو ترك فرائض المأكولات التي حرمتها الحاخاميم، الثاني هو التخلص من هذه اللعنات ونكباتها، الثالث أن أطرح الكلام الرديء والتجديف الذي كنت أتكلمه وأعتقده بحق عيسي وأمه وتعليماته، الرابع أن أقر بأنه نبي ورسول من عند الله برسالة معلنة بأفرادها، الخامس أن أقلع البغضة المزروعة في قلبي بحق الأمم حتي الفضل، وهي معي عن آبائي وأجدادي، وبحق محمد المصطفي صلي الله عليه وسلم بنوع أبلغ الحاوي أكثر المحامد وصفاتها، السادس أعترف بأنه نبي عظيم ورسول من عند الله وشفيع القائلين له أنت لها أنت لها، السابع أعترف أنه جاء بشريعة مدعية، وفضيلة كاملة حاوية معني جوهر بأن ما جاء في الشرائع السابقة وأحسن القصص مهندمة إياها، وبالاستثناء اللازم لها، هذا هو الذي يزيد علي ويلزمني إذ أن إيماني بوحدانية الله تعالي هو هو، وختامي بمطهوري هو هو وبعدي عن المرأة في أوقات معلومة هو هو، وتطهيرات وإسقاط غسلي هو هو، وكثير من الأحكام التوراتية كأوجه الزواج المربوط بالقرابات، واعترافي بموسي ونوح وإبراهيم وباقي الأنبياء هو هو، وقد رأيت كل ما يلزم اتباعه هو هو محرر في القرآن الشريف، فهذا وأمثاله هو الذي أحوجني أن أترك الدين اليهودي المتروك بالطبع إذ تراه كميت لا يتحرك، وأتبع الدين المحمدي الحي المتحرك، وأجهر بصوتي: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله.

وبهذا تنتهي هذه الرسالة المهمة، حرصت علي إيرادها ـ مع ما سبق ـ دون أدني تدخل قد يفيدها كوثيقة لا تنفصل فيها المفردات عن المعاني، نضعها أمام الدارسين لعلهم يجدون فيها ما يفيد أبحاثهم، ونضعها كذلك أمام نظر القارئ العادي لكي يعرف الي أي حد يمكن أن يلعب التلفيق الديني دورا خطيرا في إقامة الكيانات المرعبة إذا ما غفلت عنها الأعين اليقظة والعقول المتبصرة، وهذه الأعين إن صحت، وهذه العقول إن تيقظت فسنعرف بالضرورة الي أي حد هذه الكيانات المرعبة هشة ملفقة يمكن أن تذروها الرياح لدي أول عاصفة تهب عليها من الجهات الصحيحة.