رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين
آخر الأخبار

وثيقة فكرية عمرها ثمانية قرون:

سافك دم الإنسان فليحَكم بسفك دمه

خيري شلبى

الثلاثاء, 08 مارس 2011 07:29
بقلم: خيري شلبي

بعد أن تعرفنا علي الحبر اليهودي »السموأل بن يحيي بن عباس المغربي«، مؤلف الكتاب الوثيقة: »بذل المجهود في إفحام اليهود«، من خلال ترجمته لنفسه التي استعرضناها في المقال الفائت، نتعرف الآن علي هذا الكتاب الوثيقة.

يبدأ المؤلف كتابه بالتأكيد علي أن الغرض الأقصي من إنشاء كتابه: »الرد علي أهل اللجاج والعناد، وقد جعل الله إلي إفهامهم طريقاً مما يتداولونه في أيديهم، من نص تنزيلهم، وأعمالهم كتاب الله عند تبديلهم ليكون حجة عليهم وموجودة في أيديهم«.

في البداية يطرح سؤالاً مهماً: هل كان قبل نزول التوراة شرع أم لا؟ ثم يجيب بأنهم ـ يعني اليهود ـ إن جحدوا كذبوا بما نطق به الجزء الثاني من السِفر الأول من التوراة إذ شرع الله علي نوح عليه السلام القصاص في القتل، وذلك في قوله تعالي بنص التوراة: »شوفيخ دام ها اذم باذام دامو بستافيخ كي يصيلم أوليهم عاما إن هاذام«، ومعني هذه العبارة العبرية باللغة العربية: »سافك دم الإنسان فليحكم بسفك دمه، لأن الله تعالي خلق آدم بصورة شريفة«، وما يشهد به الجزء الثالث من السفر الأول من التوراة، إذ شرع علي إبراهيم ختان المولود في اليوم الثامن من ميلاده، وهذه وأمثالها شرائع، لأن الشرع لا يخرج عن كونه أمراً ونهياً من الله لعباده، سواء نزل علي لسان رسول، أو كتب في أسفاره أو ألواح أو غير ذلك.

فإن أقروا أنه قد كان شرعاً، قلنا لهم: ما تقولون في التوراة؟ هل أتت بزيادة علي تلك الشرائع أم لا؟ فإن قالوا لا، فقد صارت عبثاً، إذ لا زيادة فيها علي ما تقدم، ولم تغن شيئاً، فلا يجوز أن تكون صادرة عن الله، فليلزمكم أن التوراة ليست من عند الله تعالي، وذلك كفر علي مذهبكم، وإن كانت التوراة أتت بزيادة، فهل في تلك الزيادة تحرم ما كان مباحاً أم لا؟ فإن أنكروا ذلك، بكل قولهم من وجهين: أحدهما أن التوراة حرمت الأعمال الصناعية في يوم السبت بعد أن كان مباحاً، وهذا بعينه هو النسخ، والثاني: أنه لا معني لزيادة في الشرع إلا تحريم ما تقدمت إباحته، أو إباحة ما تقدم تحريمه، فإن قالوا: إن الحكيم لا يحظر، أي لا يحرم شيئاً ثم يبيحه، لأن ذلك إن جاز مثله كان كمن أمر بشيء وضده، فالجواب إن من أمر بشيء وضده في زمانين مختلفين غير متناقض في أوامره، إنما يكون كذلك لو كان الأمر في وقت واحد.

علي هذا النحو الجدلي يمضي »السموأل بن يحيي« في بحثه بصورة مدهشة حقاً، لأن بحثه لا يأتي من طرف واحد يستقل بوجهة نظر يحاول إثباتها أو فرضها علي البحث، بقدر ما يجيء متضمناً وجهة النظر الأخري التي يعارضها والتي يؤثر فيها ويتأثر بها في مجريات الحوار البحثي الفكري، فها هو ذا بعد أن يستعرض آراء اليهود من خلال التوراة المنسوخة، وما يمكن أن يزعموه بشأنها، يعلق قائلاً في هذه النقطة: »فإن قالوا إن التوراة حظرت أموراً كانت مباحة من قبل، ولم تأت إباحة محظور، والنسخ المكروه هو إبادة المحظور، لأن من أبيح له شيء فامتنع عنه، وحظره علي نفسه فليس بمخالف، وإنما

المخالف من مُنع من شيء فأتاه باستباحته المحظور، فالجواب: إن من أحلّ ما حظره الشرع في طبقة المحرم لما أحله الشرع، إذ كل منهما قد خالف المشروع، ولم يقرأ الكلمة علي معاهدها، فإذا جاز أن يأتي شرع التوراة بتحريم ما كان إبراهيم عليه السلام ومن تقدمه عن استباحته، فجائز أن تأتي شريعة أخري بتحليل ما كان في التوراة محظوراً.

ثم ينتقل إلي نقطة أخري في مسألة النسخ: »ما تقولون في صلواتكم وصمتكم، هل هي التي فارقكم عليها موسي عليه السلام؟ فإن قالوا: نعم، قلنا: فهل كان موسي وأمه يقولان في صلاتهما كما تقولون: اللهم اضرب بطوق عظيم أعناقنا، واقبضنا جميعاً من أربعة أقطار الأرض إلي قدسك سبحانك يا جامع تشتيت قوم بني إسرائيل؟ أم هل كانوا علي عهد موسي عليه السلام يقولون كما تقولون في كل يوم: حكامنا كالأولين، ومرائنا كالابتداء وابن يروشليم قرية قدسك في أيامنا وأعزنا ببنائها سبحانك ياباني يروشليم«.

ويثبت النسخ علي وجه آخر: »نقول لهم: أليس عندكم أن الله اختار من بني إسرائيل الأبكار ليكونوا الخواص في الخدمة للأقداس، فيقولون: بلا فنقول لهم: أليس عندكم أيضاً أن موسي لما نزل من الجبل ومعه الألواح ووجد القوم عاكفين علي العجل، وقف بطرف العسكر ونادي: من كان لله فليحضرني، فانضم إليه بنو لاوي ولم ينضم إليه البكور، علي أن مناداته وإن كان لفظها يقتضي العموم لم يكن أشار بها إلّا إلي البكور خاصة الله يومئذ، دون أولاد لاوي، فلما خذله البكور ونصره أولاد لاوي قال الله لموسي: »وارقاح اث هلويم ناحث كل نحو بني إسرائيل«، ومعناه بالعربية: »وقد أخذت الأوابين عوضاً عن كل بكر في بني إسرائيل، وفي عقيب نزول هذه الآية أليس أن الله عزل الابكار عن ولاية الاختصاص وأخذ أولاد لاوي عوضاً عنهم؟ فهم لا يقدرون علي إنكار ذلك.. وهنا يلزمهم منه القول بالبدء أو النسخ«.

وفي نقطة إلزامهم نبوة المسيح ونبوة المصطفي عليهما السلام يجادلهم علي هذا النحو: »نقول لهم ما تقولون في عيسي بن مريم« فيقولون: »ولد يوسف النجار سفاحا، كان قد عرف اسم الله الأعظم فاستخدم كثيراً من الأشياء، فنقول لهم: أليس عندكم في أصلح نقلكم أن موسي عليه السلام قد أطلعه الله تعالي علي الاسم المركب من اثنين وأربعين حرفاً وبه شق البحر وعمل المعجزات؟ فلا يقدرون علي إنكار ذلك، فنقول لهم: فإذا كان موسي قد عمل المعجزات بأسماء الله تعالي، فلم صدقتم نبوته وكذبتم نبوة عيسي؟ فيقولون: لأن الله تعالي علم موسي الأسماء، وعيسي لم يتعلمها من الوحي، ولكنه تعلمها من حيطاني بيت المقدس، فنقول لهم: فإذا كان الأمر الذي يتوصل به إلي عمل المعجزات قد يصل إليه من لا يختصه

الله به، ولا يريد تعليمه إياه، فبأي شيء جاز تصديق موسي، فيقولون: لأنه أخذها عن ربه؟ فنقول: وبأي شيء عرفتم أنه أخذها عن ربه؟ فيقولون: بما تواتر من أخبار أسلافنا وأيضاً فإننا نلجئهم إلي نقل أسلافهم، ونقول لهم: بم عرفتم نبوة موسي؟ فإن قالوا: بما عمله من المعجزات، قلنا لهم: وهل فيكم من رأي هذه المعجزات؟ أليس هذا لعمري طريقاً إلي تصديق النبوة، لأن هذا كان يلزمكم منه أن تكون معجزات الأنبياء عليهم السلام باقية من بعدهم، ليراها كل جيل بعد جيل، فيؤمنون به وليس ذلك بواجب، لأنه إذا اشتهر النبي في عصر، وصحت نبوته في ذلك العصر بالمعجزات التي ظهرت منه لأهل عصره، ووصل خبره لأهل عصر آخر، وجب عليهم تصديق نبوته واتباعه، لأن المتواترات والشهودات مما يجب قبولها في القول، وموسي عليه السلام ومحمد وعيسي صلوات الله عليهم في هذا الأمر متساوون، ويقول: تواتر الشهادات بنبوة موسي أضعف من تواتر الشهادات بنبوة عيسي ومحمد عليهما السلام، لأن شهادة المسلمين والنصاري بنبوة موسي ليست إلا بسبب أن كتابيهما يشهدان له بذلك، فتصديقهم بنبوة موسي فرع من تصديقهم بكتابيهما، أما معجزات القرآن فإنها باقية، وإذا كانت باقية فتلك فضيلة زائدة لا تحتاج إلي كونها سبب الإيمان، فأما من أعطي ذوق الفصاحة فإن إيمانه، بإعجاز القرآن إيمان من شاهد المعجزات لا من أعقد علي الخبر، إلا أن هذه درجة لم يرشح لها كل واحد، فإن قالوا إن نبينا يشهد له جميع الأمم، فإن التواتر به أقوي، فكيف تقولون إنه أضعف؟ قلنا: كل اجتماع شهادات الأمم صحيح لديكم؟ فإن قالوا: نعم قلنا: فإن الأمم الذين قبلتم شهاداتهم مجتمعون علي تكفيركم، وتضليلكم فيلزمكم ذلك، لأن شهاداتهم، عندكم مقبولة، فإن قالوا: لا تقبل شهادة أحد، لم يبق لهم تواتر إلا من طائفتهم، وهي أقل الطوائف عدداً، فيصير تواترهم وشرعهم لذلك أضعف الشرائع، ويلزمهم مما تقدم أن كل من أظهر معجزات شهد بها التواتر مصدق في مقالته ويلزمهم من ذلك، التصديق بنبوة المسيح والمصطفي عليهما الصلاة والسلام«.

ويقدم السموأل بن يحيي مؤلف هذه الوثيقة الفكرية فصلاً فيما يحكونه عن عيسي عليه السلام ينطرد منه إلي نقطة شديدة الأهمية هي مسألة الإشارة إلي اسمه صلي الله عليه وسلم، يقصد سيدنا محمد، في التوراة، تفصيلها كما يلي: »قال الله تعالي في الجزء الثالث من السفر الأول من التوراة، مخاطباً إبراهيم الحنيف عليه السلام: وأما في إسماعيل فقد قبلت دعاءك، وقد باركت فيه وأثمره وأكثره جداً جداً، ذلك قوله بالعبرية: (وليثماعيل ترقيخاهني بيراختي أوثووهفريت أو ثووهريتي)، فهذه الكلمة (بمادماد) إذا عددنا حساب حروفها بالجمل وجدناه اثنين وتسعين، وذلك عدد حساب حروف محمد صلي الله عليه وسلم، فإنه أيضاً اثنان وتسعين، وإنما جعل ذلك في هذا الموضوع لغزاً، لأنه لو صرح به لبدلته اليهود وأسقطته من التوراة، كما عملوا في غير ذلك، فإن قالوا: إنما يوجد في التوراة عدة كلمات مما يكون حساب حروفها متساوياً لعدد حساب حروف اسم زيد وعمرو وخالد فيكونوا أنبياء فالجواب: إن الأمر كما يقولون لو كان لهذه الآية أسوة بغيرها من كلمات التوراة، لكنا نقيم البراهيم والأدلة علي أنه لا أسوة لهذه الكلمة بغيرها في سائر التوراة«.

وذلك أنه ليس في التوراة من الآيات ما حاز به إسماعيل الشرف كهذه الآية، لأنها وعد من الله تعالي لإبراهيم بما يكون من شرف إسماعيل، وليس في التوراة آية أخري مشتملة علي شرف لقبيلة زيد وعمرو وخالد وبكر، كما أنه ليس في هذه الآية كلمة تساوي »بماد ماد« التي معناها »جداً جداً« وذلك لأنها كلمة المبالغة من الله سبحانه وتعالي فلا أسوة لها من كلمات الآية المذكورة، وإذا كانت هذه الآية أعظم الآيات مبالغة في حق إسماعيل وأولاده، وكانت تلك الكلمة أعظم مبالغة من باقي كلمات تلك الآية، فلا عجب أن تتضمن الإشارة إلّا أجل أولاد إسماعيل شرفاً وأعظمهم قدراً محمد صلي الله عليه وسلم.