رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

المفتي: حاولت الاتصال بمبارك لمنعه من قتل المتظاهرين..ورجال القصر منعونى

حوارات

الجمعة, 19 أغسطس 2011 13:57
حوار: محمد كمال الدين

أكد الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية أن الشريعة الإسلامية، وهي النموذج المثالي للدولة المصرية، موضحا أن النص

علي إسلامية الدولة هو قضية هوية ولا يقلل أبدًا من طبيعة الدولة التي تكفل حقوق مواطنيها أمام القانون بغض النظر عن دينهم أو عقيدتهم، أما الإشارة إلي الأقباط فأؤكد لك أن حقوق الأقباط في مصر محفوظة ومصانة ويجب أن تظل كذلك ولهم الحق الكامل في المشاركة علي كافة المستويات، وأنه ينبغي علي الجميع احترام التنوع والتعددية التي أصبحت من خصائص مصر في عهدها الجديد.
وأشار إلي أنه حاول الاتصال بالرئيس المخلوع مبارك كثيرًا في غضون ثورة 25 يناير وقتل المتظاهرين لإثنائه عن ذلك؛ لكنه منع من ذلك من بعض المسئولين في القصر الرئاسي، حتي يقول له أوقف هذا السيل من العنف والقتل والدمار، مضيفا أنه لم يجد أية قناة توصله إلي الهدف العملي، وكانت الطرق كلها مسدودة والآذان كلها صماء، وكانت هناك حالة من التوتر، ومن الانغلاق غير القابل بأي اتصال، ما جعله يتوجه إلي الشباب في الثلاثين من يناير عبر أحد البرامج التليفزيونية مخاطبًا إياهم بأن يدخلوا في جواري أنا وشيخ الأزهر ووجهاء الأمة جميعًا، وذلك حماية لهم من القتل والاعتقال.
<< الوفد: تمر مصر بمرحلة فارقة في تاريخها الحديث عقب ثورة يناير، برأيكم ما هو السبيل لعبور هذه المرحلة؟
< فضيلة المفتي: مصر في مرحلة ما بعد الثورة بحاجة إلي أفكار ورؤي تساهم في بنائها، نوجزها في مجموعة من الرسائل أولها دعم فكرة المؤسسية، والتي تعني انفصال المؤسسة عن الشخص، أي بقاء المؤسسة بعد رحيل الشخص عنها، وهي ذاتها تعني ما ينادي به كثير من الناس من المشاركة وتداول السلطة والمسئولية وغيرها من الأفكار، ومنها أيضًا بناء أجيال جديدة قادرة علي استكمال المسيرة، والرسالة الثانية تتمثل في أهمية العمل المدني، ومشاركة الجميع في هذا العمل من كل الطوائف بمن فيهم رجال دين، وكذا الاهتمام بالصحة والتعليم والبحث العلمي الذي هو أساس الحضارة، والذي بدونه لن نستطيع بناء أجيال وسنظل ندور في حلقة مفرغة.
وأنا في وقت سابق كنت قد اقترحت علي الحكومة المصرية أن يكون 80 % من الميزانية في مصر للتعليم والبحث العلمي لأن فيهما تقدم مصر، والرسالة الثالثة تؤكد علي تأصيل فكرة الوعي قبل السعي، بمعني امتلاك الوعي الكافي والمعرفة والدراية قبل البدء في عمل أي شيء، ولن يتأتي ذلك إلا بالقراءة والاطلاع علي خبرات الأمم، وتمصير هذه الخبرات بما يتفق مع إمكاناتنا وأهدافنا وأدواتنا وأيضًا مع قدراتنا وهويتنا وتاريخنا.
والرسالة الرابعة هي تأصيل قاعدة «التعمير قبل التدمير»  أو «التعمير لا التدمير» أي يجب علينا أن نعمر ثم نعمر وليس في خطتنا أن ندمر، نعمر مصر بسواعد أبنائها بعيدًا عن أي شكل من أشكال التدمير، وتوصيل رسالة الأمل الفسيح إلي الناس، حيث إن كثيراً من الناس محبط وقلق وخائف من المستقبل، لكن قضية الأمل هي التي ستجعل الناس تعود مرة أخري إلي العمل وإلي السعي والاجتهاد، والرسالة الخامسة تؤكد العمل علي منظومة القيم الأخلاقية التي يجب الاهتمام بها اهتمامًا كبيرًا،  والتي تشمل قيم التسامح والحرية الملتزمة والمساواة العاقلة والديمقراطية والشوري والتكافل الاجتماعي والصدق والشفافية والمسئولية والمحاسبة بالإضافة إلي قيمة العدل.
أما الرسالة الأخيرة فهي ضرورة حرية التعبير، وإطلاق العنان للناس بأن يفكروا ويبرزوا ما عندهم، بعيدًا عن أي نوع من التسلط علي الآخر في الرأي أو مصادرة الآراء والأفكار والأهداف، المرحلة الجديدة تتطلب من الجميع أن يفكر ويبدع من أجل النهوض بمصر.
<< الوفد: في غضون الحديث عن شكل الدولة والاختلاف حولها..ما هو مفهوم الدولة بالنسبة لفضيلة المفتي؟ وما هو النموذج المثالي لها عقب ثورة يناير؟
< فضيلة المفتي: هناك ثلاثة أنواع من الدول، أولاها الدولة الدينية، وهي التي تعني أن يكون الحاكم نائبًا عن الله، كأنه موحي إليه من الله، والإسلام لا يعرف الدولة الدينية، والدولة الثانية هي الدولة العلمانية، وهي التي تشترط في دساتيرها إبعاد الدين عن كل شيء، والإسلام يرفض هاتين الدولتين، أما الدولة الثالثة هي الدولة الحديثة التي تتوافق مع مبادئ الشريعة الإسلامية، وهي النموذج المثالي للدولة المصرية، ولم يكن

هذا أمرًا حديثًا بل كان منذ قرن ونصف في عهد الخديوي إسماعيل، وفي هذا النموذج تكون الدولة دولة دستور ودولة مؤسسات، وبها مجلس شعب وقوانين، وتحتوي علي هيكل قضائي وإداري، إذن نحن نتبني نموذج الدولة الحديثة التي تتوافق مع مبادئ الشريعة الإسلامية.
<< الوفد: هل هناك ارتباط بين الدين والسياسة ؟
< فضيلة المفتي: الدين يرعي شئون الأمة وكذلك السياسة أما السياسة الحزبية فالدين لا يتعرض لها من قريب أو بعيد ولا علاقة له بلعبة الحزبية لأن أدواتها تتغير بتغير الزمان والمكان.
<< الوفد: قامت ثورة الخامس والعشرين من يناير للقضاء علي الفساد، ورسم مرحلة جديدة من تاريخ مصر العظيم، ما رأي في فضيلتكم فيما حدث؟
< فضيلة المفتي: سئلت دار الإفتاء المصرية عن حكم المظاهرات السلمية منذ خمس سنوات، وكانت إجابة الدار أن المظاهرة السلمية جائزة ومباحة؛ لأنها نوع من أنواع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونوع من تغيير الفساد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الإسلام له مساحة مهمة وله تأكيد مهم، وقد يكون سببها ناتجاً عن ضياع المبادئ العليا كالعدالة والمساواة، أو عدم التوزيع الاجتماعي المعتبر والمحترم، وهي أيضًا نوع من أنواع جماعات الضغط السياسي التي تضغط علي الإدارة إذا ما رأت فيها انحرافًا أو اعوجاجًا، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أكد عليه الرسول صلي الله عليه وسلم وجعله وكأنه ركن من أركان الدين، وبما أن يوم الثلاثاء الخامس والعشرين من يناير كان مظاهرة سلمية، إذن هنا أمر بمعروف ونهي عن منكر، ولا بد علينا أن نتعامل بحضارة مع هذه المظاهرة التي تدعو إلي العدالة الاجتماعية، وانتهاء الفساد وغيرها من الأهداف.
<< الوفد: رأيكم في كثرة التظاهرات في الوقت الحالي؟
< فضيلة المفتي: لقد قلت أثناء الثورة يا أبناء الثورة أنتم قمتم بالثورة وأديتم واجبكم، والناس قد استجابوا لأمركم بالمعروف ونهيكم عن المنكر، لأنكم كنتم علي حق، وعليكم التزام الهدوء حتي يتم البناء، وبعد ذلك اكتشفنا أن هذا الكلام كان قد لخَّصه الشيخ محمد متولي الشعراوي، فيما ذكره عن الثائر الحق بقوله: «إن الثائر يثور من أجل هدم الفساد، ثم يهدأ من أجل بناء الأمجاد»، وقلت أيضًا في ٣٠ يناير «أيها الشباب أنتم ستحكموننا وستأخذون بيدنا لمستقبل أفضل»، وهذا الكلام مسجل، فهذا هو موقفي من الثورة، وأعقب ذلك صدور بيان آخر عن مجمع البحوث الإسلامية يدعو فيه بالقضاء علي الفساد، وبالتالي فهذا هو موقفنا من الثورة المصرية العظيمة.
<< الوفد: هل كان لفضيلتكم موقف آخر تجاه ما يحدث من قمع للثوار؟
< فضيلة المفتي: نعم فأنا قد حاولت الاتصال بالرئيس المخلوع مبارك كثيرًا؛ لكنه في الحقيقة لم يكن موجودًا كما أنني منعت من ذلك من بعض المسئولين في القصر الرئاسي، حتي نقول له أوقف هذا السيل من العنف والقتل والدمار، ولم أجد أية قناة توصلني إلي الهدف العملي، وكانت الطرق كلها مسدودة والآذان كلها صماء، وكانت هناك حالة من التوتر، ومن الانغلاق غير القابل بأي اتصال، وقتها سألت نفسي ماذا علي أن أفعله؟ أترك الأمور تتدهور أم أنني أمنع الدم، ساعتها توجهت إلي الشباب في الثلاثين من يناير عبر أحد البرامج التليفزيونية مخاطبًا إياهم بأن يدخلوا في جواري أنا وشيخ الأزهر ووجهاء الأمة جميعًا، وذلك حماية لهم من القتل والاعتقال.
<< الوفد: ظهرت الكثير من التيارات الدينية المتشددة علي الساحة فما هي خصائص أفكار هذه التيارات والتي يصفها البعض بالمتطرفة؟
< فضيلة المفتي: الفكر المتطرف له عدة خصائص منها أنه فكر ينكر التفسير والمقاصد والمآلات والمصالح أي أنه يريد أن يحول فهمه للنص إلي دين.. كما
أنه يتميز بالتشدد الذي من السهل أن يتحول إلي عنف والذي بدوره يتحول إلي صدام والصدام إلي فرض رأي بهذا العنف فيكون إرهابا.. كما أن من خصائص الفكر المتطرف سحب الماضي علي الحاضر فالواقع مرفوض عنده وهو لا يدرك مفرداته ويعمل علي تغيير هذا الواقع بقناعته الشخصية الماضوية.. ومن هنا يأتي الصدام.
كذلك هذا النوع من الفكر لا يهتم سوي بالظاهر لذلك تجد المنظومة الأخلاقية عنده باهتة جدا أو لا تكاد توجد لذلك نجد أصحاب هذا الفكر لديهم مشكلة في تكوين الأسرة وتربية الأبناء ومشكلة مع الحياة ومشكلة مع الجمال...وهكذا.
<< الوفد: كيف نواجه هذه التيارات إذن ؟!
< فضيلة المفتي: في ظل حرية التعبير التي تتمتع بها دولنا بعد تغير أنظمتها الحاكمة التي كانت تصادر بعض الآراء أصبح إبداء الرأي مكفولا للجميع علي أن يكون ذلك في حدود التعبير السلمي وليس باستخدام السلاح والعنف فيجب ألا نقيد علي أحد حرية التعبير عن رأيه أما إذا لجأ للسلاح والعنف ساعتها يكون قد خرج عن هيكل المجتمع ويستحق الردع .. وفي نفس الوقت لابد علي جميع جهات المجتمع أن تستمع إلي المنهج الوسطي ورسالة الأزهر الشريف فالأزهر فصيل من فصائل المجتمع له رأيه الذي يريد أن يعبر عنه ولا يريد أن يصادره أو يقيده أحد.
أي نعرض منهجنا ويعرضون منهجهم بصورة متساوية بحيث لا نعطي لأي طرف فرصة أكبر من الآخر وعلي الشعب أن يختار إلي أي منهج سيتجه وأنا أعلم أن الشعب سيتوجه للمنهج الوسطي.
<< الوفد: هناك تخوف من جهة الغرب بسبب صعود التيار الإسلامي في الساحة السياسية في مصر عقب ثورة يناير، فما رأي فضيلتكم ؟
< فضيلة المفتي: إن مصر بلد متدين وأن جموع المصريين اختاروا أن يكون الدين له دور في الشأن العام وأنه لا ينبغي أن يكون ذلك مصدر قلق أو تخوف بالنسبة للمصريين أو العالم الخارجي، وذلك لارتباط تراث مصر الديني تاريخيًّا بالمنظور الإسلامي المبني علي التسامح واحترام التعددية الدينية، إن النص علي إسلامية الدولة هو قضية هوية ولا يقلل أبدًا من طبيعة الدولة التي تكفل حقوق مواطنيها أمام القانون بغض النظر عن دينهم أو عقيدتهم، أما الإشارة إلي الأقباط فأؤكد لك أن حقوق الأقباط في مصر محفوظة ومصانة ويجب أن تظل كذلك ولهم الحق الكامل في المشاركة علي كافة مستوياتها، وأنه ينبغي علي الجميع احترام التنوع والتعددية التي أصبحت من خصائص مصر في عهدها الجديد.
<< الوفد: شابت العلاقة بين المسلمين والأقباط بعض المشكلات فما هو السبيل لعلاجها؟
< فضيلة المفتي: الحل يجب أن يأتي بطريقة فعلية عن طريق تحقيق المواطنة الصحيحة بحيث يصبح جميع المواطنين سواسية أما القانون في الحقوق والواجبات والمواطنة التي أدعو إليها لا تعرف التقسيم أو التفرقة لا في الدين ولا في اللون ولا في الجنس ولا في أي شيء.
<< الوفد: بمناسبة محاكمة مبارك.. ماذا لو تم إحالة أوراقه إليكم؟ وهل الفتوي ملزمة للقضاء؟
< فضيلة المفتي: أرفض التعليق لأنه سابق لأوانه الآن الحديث عن هذه القضية،  أما من حيث الشق الآخر فالفتوي لا تلزم القضاء حيث إن العلاقة بين المفتي والمستفتي أدبية أي أن الفتوي موجهة فقط .. أما إذا لم يجد المستفتي من يعينه ويصل به لطريق الحق ولم يجد أمامه سوي الفتوي ساعتها تكون ملزمة أي أن قضية الالتزام تعتمد علي العوارض التي تحيط بها.
<< الوفد: ما زلنا نصر علي الحوار مع الآخر رغم أن الآخر لا يعترف بنا .. إذن كيف يتم التواصل بيننا ؟
< فضيلة المفتي: الإسلام دين يؤمن بالتعددية الثقافية داخل المجتمع الواحد ويدعو إلي الحوار والتواصل بين الثقافات والحضارات المختلفة فالتعايش السلمي ونشر ثقافة الأمن والسلم الاجتماعيين كانا ومازالا سمة أساسية من سمات الحضارة الإسلامية علي مر العصور .. وأنا أدعو لفتح باب الحوار بيننا وبين الآخر علي أسس علمية تتجاوز الحوار والتقريب النظري إلي مشاريع عملية تخاطب الجماهير والمواطنين خاصة أنه لا يزال هناك مساحات كبيرة يمكن الاطلاع عليها بين هذه الديانات.
كما أن الإسلام يرفض فكرة الصراع وجميع الأديان تحث علي التحلي بالقيم الرفيعة وتؤكد علي نشر الحب والسلام والتسامح والوسطية ومحاربة التطرف وكل ما يؤدي إلي الصراع والإرهاب وهذا ما يجب التركيز عليه أثناء الحوار حتي نستطيع التوصل لنقطة انطلاق تقوم علي الاحترام المتبادل.
<< الوفد: لماذا انحسر دور المؤسسة الدينية في مصر في السنوات الأخيرة ؟.
< فضيلة المفتي: المؤسسة الدينية في مصر وعلي رأسها الأزهر الشريف قدمت أعمالا جليلة وإسهامات عظيمة من أجل رفعة الأمة ونهضتها‏، فالأزهر معروف عنه أنه منذ إنشائه يتميز بالوسطية والاعتدال والفهم الصحيح المبني علي المنهج العلمي الرصين لنصوص الدين‏ والفهم الواقعي للحياة .. فهو يؤدي رسالته مع الحفاظ علي هويته بالرغم من التطور الهائل حوله لأن المؤسسة الدينية يجب أن تواكب تقنيات العصر.
<< الوفد: هل تلعب المؤسسة الدينية دورًا في القضايا الخارجية التي تخص الأديان؟
< فضيلة المفتي: نعم بالفعل المؤسسة الإسلامية في مصر تسعي للتقريب بين الحضارات، وإرساء مفهوم الثقة والفهم بين المسلمين وأصحاب الديانات الأخري، وتوضيح المفاهيم الصحيحة للدين الإسلامي وإظهار القواسم المشتركة بين الأديان، وتحقيق التوافق والتقريب بين الأديان والحضارات المختلفة.

أهم الاخبار