مصطفي الفقي: تفرغنا للانتقام علي حساب الوطن

حوارات

الأحد, 07 أغسطس 2011 15:36
حوارات رمضانية لـ«خيري حسن»

مساء يوم جمعة الغضب 28 يناير، اليوم الذي أنهت فيه ثورة 25 يناير مهمتها الأساسية، رغم أنها لم تعلن عن هذه المهمة، وهي سقوط نظام مبارك، وسيطرة الشعب الغاضب الثائر علي ميدان التحرير ـ كرمز ـ وبالتالي علي مصر كلها.

في ذلك المساء خرج علينا ـ وعلي النظام ـ د. مصطفي الفقي، عبر إحدي القنوات الفضائية العربية، وقال بكلمات محددة وواضحة، «علي الرئيس أن يخرج الآن ويتحدث للشعب»، وكرر هذه الكلمات، لكن «مبارك» لأسباب كثيرة منها العند وجمال وأنس الفقي وزكريا عزمي لم يستمع لا للفقي ولا لغيره، ومن حسن الحظ أنه لم يستمع، فظل غائباً، مرتبكاً، لا يعرف متي يظهر ولا ماذا يقول؟ فكانت النتيجة أن سقط نظامه عملياً في تلك الليلة، رغم ظهوره الذي جاء متأخراً أكثر من اللازم. د. الفقي، بحسه السياسي، أدرك أن الساعات وربما الدقائق المقبلة ستحدد مصير النظام، هو أدرك وطالبهم ـ ربما بدون قصد ـ أن يدركوا، لكن الإدراك كان قد تجاوز الجميع، بعدما تجاوز الشعب، ما بداخله من «خوف» من أجل حريته، ذهبت للدكتور مصطفي الفقي ليحكي لي عن طفولته في رمضان، وما الذي يتذكره، والحقيقة كنت أريد «جره» للسياسة، لكنه ـ فيما يبدو ـ أغلق «بابها» بالمفتاح، ووضع المفتاح في ميدان التحرير.

وإلي نص الحوار:

> إذا ما تذكر د. الفقي ذكرياته عن رمضان في الطفولة والصبا، فماذا يذكر؟

- يرتبط رمضان في ذاكرتي، بإدخال البهجة إلي النفس والسعادة والسرور والطمأنينة، لأن عندما كنت طفلاً، وبدأ وعي علي رمضان أذكر أن هذا الوعي برمضان كان في الصيف.

> مثل هذه الأيام؟

- بالضبط، وجاء رمضان وأنا طفل أعرفه، ومدركه في الصيف، وكنت في محافظة البحيرة، حيث ولدت.

> أظن أن رمضان في الصيف فيه صعوبة شديدة علي الأطفال إذا ما حاولوا الصيام؟

- طبعاً.. في الشتاء يكون أسهل، وأيسر، لأن «العطش» يكون شديداً علي الكبار، فما بالك بالصغار، وأذكر أننا كنا نتغلب علي حر ذلك الزمان في رمضان بـ«البطيخ» حتي أنني كنت أعتقد ـ وأنا طفل ـ أن هناك علاقة ما بين البطيخ ورمضان حينذاك، ولا أنسي فوانيس الشهر التي كنا نلهو بها، وليالي السمر والعلاقات المتصلة في ذلك الوقت، وكذلك «التزاور» ما بين الناس وبعضهم بعضاً.

> هل خفت وهج هذه الأشياء قليلاً هذه الأيام؟

- لا أعتقد ـ فأنا أري أن شهر رمضان لايزال حتي هذه اللحظة، يدخل علي نفسي وروحي البهجة، رغم تقدم السن، إلا أن ذكريات الطفولة هي التي تشعرني دائماً بأننا في أيام مختلفة، وجاء علي رمضان أيام الدراسة، وكان من الأشياء المحببة إلي، تخفيف مدة اليوم الدراسي في رمضان، وتقليل ساعات الدراسة.

> صمت رمضان في الخارج.. كيف كان يأتي عليك؟

- نعم وأنا دبلوماسي «شاب» صمت رمضان في لندن.

> قبل لندن.. أريد أن نسترجع معك رمضان في القاهرة؟

- عندما جئت من البحيرة إلي القاهرة، كنت قد بدأت الصيام من سن السابعة والثامنة، ومن وقتها لم أتوقف عنه قط.

> ما الفرق بين القرية أو المدينة وبين العاصمة في أيام رمضان؟

- تشعر بالبهجة أكثر وبالإضاءة والفوانيس، والشوارع في القاهرة كانت مختلفة

تماماً عن المحافظة التي جئت منها، وأذكر أن أبي كان يأخذني للاستماع إلي القرآن.

> في القاهرة؟

- لا.. في دمنهور، كان يقام في هذه المدينة في رمضان من كل عام سرادق كبير، وسط المدينة داخل مبني المجلس البلدي، مجلس المدينة الآن تقريباً، وكان هناك مقرئ شهير عليه رحمة الله، وكان ذلك في عام 55 أو 56 وكان اسمه الشيخ «بدران السروي» وكان صوته جميلاً، ويؤدي بطريقة أقرب إلي طريقة الشيخ مصطفي إسماعيل.

> هل أثر ذلك في تكوينك؟

- نعم.. جعلني «أهوي» الاستماع للقرآن الكريم، حيث علمني أبي هذا، وجعلني أحفظ القرآن صغيراً، مثل كل أبناء جيلنا، لذلك أنا أستطيع أن أميز ما بين صوت «الدروي» من «عبدالعظيم زاهر» إلي «الدمنهوري» إلي «البهتيمي» إلي «عبدالباسط عبدالصمد» إلي الطبلاوي إلي أبوالعينين شعيشع ومحمود علي البنا.

> يبدو أنك كنت قريباً من باقة من المقرءين؟

- لي بهم صلات كبيرة جداً، وكان آخرهم الشيخ أبوالعينين شعيشع الذي كان قريباً لي، وحادثني منذ شهور قليلة قبل رحيله بعد رحلة عمر وصلت إلي 90 عاماً، وكان يأخذ رأيي في كل المواقف ذات الطابع السياسي وكان يشكو لي دائماً من التليفزيون المصري!

> لماذا؟

- لأ الأذان الخاص به لا يذاع كثيراً، رغم جماله، وحاولت إرضاءه، لأنه كان صديقاً لأبي، مثل الشيخ محمود علي البنا.

> هل كان الوالد رجل دين؟

- لا.. مسئول زراعي، ومع ذلك كان قريباً من قراء القرآن الكريم، وكانوا يأتون إليه، ويذهب هو إليهم.

> ومتي كان سرادق المدينة في دمنهور ينصب لقراءة القرآن؟

- بعد الإفطار من كل ليلة، وكان يمتلئ بالناس، وكان القصر الملكي في وسط القاهرة يقيم سرادق لقراءة القرآن قبل ثورة 23 يوليو وكان يحضره الملك شخصياً، وظلت هذه العادة تقام في ميدان عابدين، وفي رمضان كنت من المترددين علي سيدنا الحسين، حيث يكثر السهر بعد الصلاة وتقام الندوات الدينية والثقافية، وكنت لمدة لا تقل عن 15 سنة متحدثاً في منتدي الحسين، وأعتقد أنه ألغي هذا العام بسبب ظروف ثورة 25 يناير.

> عينت في لندن دبلوماسياً عام 1970 كيف يأتي رمضان في القرية؟

- في لندن يوم الصيام طويل جداً، ولكننا كنا نؤمن أن الصيام صيام يجب احترامه، وتقديره والحفاظ عليه بالخارج مثل الداخل، وصمت من أول عام وصلت فيه لندن وقتها وإن كنت لم أشعر بالصيام في لندن لأن الجو هناك لم يكن حراً من ناحية ومشغولات العمل من ناحية أخري.

> إذن جاء عليك رمضان 73 (حرب أكتوبر) وأنت في الخارج؟

- لا.. كنت في القاهرة يوم العبور في إجازة نصف المدة، وحدثت الحرب وكان من المفروض أن أغادر القاهرة يوم 6 أكتوبر أي يوم الحرب.

> بالطبع جلست ولم تسافر؟

- لا.. سافرت في موعد آخر، فالحرب بدأت يومها سافرت يوم 8 أكتوبر، ولم نستطيع بالطبع السفر بالطريق العادي، فقالوا لنا سافروا عن طريق ليبيا وكنا في أيام صيام.

> وسافرت عن طريق ليبيا؟

- لا.. رفضت وأصررت علي حضور الحرب كاملة في القاهرة، لأن هذه مناسبة عظيمة، قد لا تتكرر في حياة الشعوب كثيراً، وسافرت في نهاية أكتوبر وكان معي زوجتي وابنتنا الكبري إلي لندن.

> وكيف رأيت صورة مصر بعد عودتك إلي لندن؟

- مختلفة تماماً، وشعرت بذلك من أول ما وضعت قدمي في مطار لندن، الاحترام أكثر والتقدير أكثر، وأنا من حظي أن حضرت كل الأحداث الكبري في مصر، أذكر أنني  بالصدفة ـ كنت في زيارة للقاهرة في إجازة من الهند وحدث في تلك الزيارة حادث اغتيال الرئيس السادات، وحضرته بالقاهرة، وكأنني موعوداً بحضور الأحداث الكبري، رغم أنني دبلوماسي في الخارج.

> وكيف تتجمع الجاليات للإفطار في الخارج؟

- نحن كنا في السفارة نقيم إفطارات متبادلة، وأذكر عندما كنت في الهند بعد ذلك وجاء شهر رمضان، كان سفير السودان صديقي العزيز إبراهيم طه أيوب، أصبح وزيراً للخارجية فيما بعد، يقيم إفطاراً، وكان يدعوني قبل الناس جميعاً، حيث أجلس معه ساعة أو ساعتين، نتسامر معاً، قبل وصول باقي البعثات الدبلوماسية الإسلامية والعربية، وأنا كثيراً ما أقمت عدة إفطارات في حديقة منزلي أيام ما كنت بالخارج، كنا نحاول بذلك أن نستلهم روح رمضان في الغربة.

> ومن الخارج إلي الداخل وجاء رمضان علي القاهرة مختلفاً هذا العام كيف تراه؟

- أرجو أن يكون رمضان طيباً يجمع بين الثورة والصيام وشدة الحرارة وضبابية الموقف.

> هل نحن في موقف ضبابي؟

- نحن في فترة صعبة، نرجو أن تنجلي قريباً، وأن ينصر الله ثورة 25 يناير، لأنها بالتأكيد كانت مواجهة حاسمة في تاريخ مصر، ضد الفساد والاستبداد، لذلك لابد أن نشجعها برغم كل التداعيات التي يبدو بعضها أحياناً «مقلقاً، إلا أنها في النهاية ستكون في صالح مصر والمصريين علي المدي الطويل أنا مقتنع بهذا، أدعو الله في هذا الشهر الكريم أن يكون ما جري في يناير 2011 بداية لإنقاذ هذا الوطني من كل مشاكله.

> حضرتك متفائل أليس كذلك؟

- أنا متفائل، الثورة بالتأكيد أفض للمصر، نعم قد نعاني علي المدي القصير مثل كل الثورات، مثل المريض الذي تدخله لإجراء جراحة، قد يفقد جزءاً من وزنه أو ينزف جزءاً من دمه، إنما حينما يتعافي يبدو في وضع صحي أفضل كثيراً مما كان عليه قبل إجراء الجراحة.

> إذن الثورة عملية جراحية؟

- بالضبط.. هي كذلك.

> لكن البعض في حالة «قلق» علي البلد؟

- طبعاً.. نحن قلقون، وهذا يحدث في كل الثورات فعندما يختلط الحابل بالنابل والوطنيون مع أصحاب الأجندات صورة الثورة في بدايتها كانت مبهرة للعالم، ثم طرأت عليها بعض الفتن الطائفية وبعض الاحتجاجات الفئوية وبعض الخلافات السياسية، فحاولت تشويه وجه الثورة، لكن أنا متأكد أن التيار الأغلب وهو تيار الوطنية المصرية، هو الذي سيسود في النهاية وتنتصر الثورة، نعم الثورة قامت من تجمعات علي الفيس بوك، وهو يخلق حشداً ولا يخلق قيادة وإنما علي المدي الطويل الأجور سوف تتحسن.

> ما المشكلة التي تراها الآن بعد 7 شهور علي الثورة؟

- المشكلة أن هناك تفرغاً للانتقام، أكثر من التهيئة للبناء، دعنا ننظر إلي الماضي ونقدمه إلي السلطات القضائية والأمنية، وعلي الدولة أن تبدأ الإنتاج والبناء من أجل مستقبل أفضل.

> في رأيك من الذي يحرك مثل هذه الفتن داخل البلد؟

- أنا متأكد أنها أصابع أجنبية بالدرجة الأولي.

> ما الذي يشغل تفكير د. الفقي حالياً؟

- أنا الحقيقية أكرس جهدي في بيت العائلة مع الإمام الأكبر شيخ الأزهر، وحضرت وثيقة الأزهر الجديدة، التي ستخلق له دوراً جديداً، يلحق بأدواره الجليلة عبر التاريخ، وأنا أملي في الشيخ الطيب وسعة أفقه، ورحابة صدره، وذكاء مستشاريه، ونرجو أن تكون هناك صحوة إسلامية حقيقية، بقيادة الأزهر، لتعود بوسطيته واعتداله الجاذبة للمسلمين في جميع أنحاء الأرض.

أهم الاخبار