الفقيه:القذافي ألغي دار الإفتاء.. لأنه كان يريد أن يفطر ويصوم علي مزاجه

حوارات

الجمعة, 05 أغسطس 2011 14:26
حوارات رمضانية لـ «خيري حسن»

ذات يوم في منتصف الثمانينيات، ذهب الكاتب الليبي الكبير «أحمد إبراهيم الفقيه». إلي دار الإفتاء الليبية ، حيث كانت تربطه، علاقة طيبة بـ «مفتي» الديار الليبية. وكانت هذه الزيارة - بالصدفة - ليلة رؤية هلال رمضان.

بعد دقائق جاءت المؤشرات، لتقول إن غداً هو أول شهر رمضان. واستعدت دار الإفتاء لكتابة بيان الدار، ليعلن، عن رمضان، الذي سيبدأ صيامه غداً.

في هذه اللحظة، وقبل الإعلان، جاءت رسالة من النظام أو من العقيد القذافي - بما أن النظام هو القذافي، والقذافي هو النظام - تقول: «بلاش» رمضان «بكرة»!

المفتي وقتها - كما يقول الفقيه - أصر علي موقفه، وقال من يريد أن يصوم طبقاً للرؤية الشرعية، فليصوم غداً.. ومن يريد أن يصوم طبقاً لرؤية النظام فليصوم بعد غد!

ومر رمضان وقتها، لكن في العام التالي، لم يعد في ليبيا، لا «مفتي» ولا «دار إفتاء»! واستمر الوضع علي هذا منذ ذلك التاريخ، وحتي اليوم.

وقتها خرج «الفقيه» من «دار الإفتاء» وهو يعتقد أن الأوطان التي تتغلب فيها «رؤية» الزعيم أو الأخ القائد أو الأخ العقيد أو الرئيس، علي أي «رؤية» أخري، فإنها ستنتهي بزلزال، يزلزل العرش ومن عليه.. وما اعتقده.. كان!

ذهبت إلي الكاتب «الفقيه» أحاوره، عن ذكرياته عن رمضان في البادية الليبية وطرابلس القديمة، وأصوات مدافع الثورة، أسمع صداها في أذني وهي تواجه كتائب القذافي. فكان هذا الحوار:

< رمضان الطفولة في حياتك كيف كان؟

- أنا نشأت في قرية أقرب إلي الواحة منها إلي الريف، هي مجتمع مدني تجاري، وتعد حلقة وصل ما بين البادية والعمران. وأغلب سكانها تجار. وكانت أسرتي تعمل بالتجارة، حيث كانوا أصحاب دكاكين، باعتبار القرية مركزاً تجارياً، في وسط بيئة رعوية صحراوية. ولقد استطعت أن أتواصل مع البادية والحضر في هذه القرية.

< رمضان في ليبيا.. كيف كان يأتي؟

- شاهدت رمضان طيلة فصول السنة في ليبيا، وكان أشدها قسوة في الصيف، حيث كان اليوم طويلاً، والعطش هو الشيء الذي يخاف منه الناس وهم يعملون. حيث كان يأتي رمضان - أحيانا - وقت حصاد الزرع. الحر كان شديداً جداً.

< هل كانت الناس تخاف العطش في نهار رمضان؟

- كانت تخافه جداً، فالحر كما قلت كان شديداً، وأنا رأيت الناس يوصلها العطش في نهار رمضان إلي حد «الإغماء». فالناس كانت تعمل في الصيام تحت نار الشمس.

< وهل كانت القرية الليبية مثل المدينة في شهر رمضان؟

- كما هو في المدينة هو في القرية. حيث «يكسر» إيقاع الحياة، بعد استمرارها طوال 11 شهراً، فيأتي رمضان، ليغير نمط الحياة.. في القرية الليبية ترحب بواجب الضيافة في رمضان، فكل بيت من بيوت القرية كنت تجد علي مائدة إفطاره ضيوفاً، ترمي بهم الصحراء في الغالب. البيئة رعوية بدوية صحراوية، هيأت نفسها علي أن الناس يقومون بالأدوار البديلة في أغلب الأشياء.

< كانت هذه الاستضافة التي تشبه اليوم موائد الرحمن هنا في مصر؟

- بالضبط.. الفرق أن الموائد في القرية الليبية كانت في المنازل.

< مائدة الإفطار في ليبيا - سواء في القرية أو المدينة - مما تتكون؟

< بطل هذه المائدة الرئيسي، هو «طبق» الشربة، بالإضافة إلي التمر والحليب، ثم تهتم الناس بالحلويات، والفاكهة تكون موجودة، والبطيخة في الصيف هو الرئيسي بين أنواع الفاكهة.

وكانت في قريتي مقاهي، ربما وجدت منذ الاستعمار الإيطالي، وكانت الناس تسهر علي المقهي لتسمع الأغاني ونشرات الأخبار. وكانت الفنون الشعبية تنشط في رمضان، حيث المواويل، والمزمار البلدي والمدائح النبوية والتواشيح الدينية.

< هذا عن القرية.. فماذا عن المدينة؟

- الوضع إلي حد كبير يختلف، حيث تزيد وتيرة الأنشطة الاجتماعية والثقافية والفنية في ليالي رمضان. أنا عندما انتقلت إلي «طرابلس» انضممت إلي فرقة للتمثيل - حيث كنت أهوي التمثيل في الطفولة - ووقتها جاء نوع من النشاط الفني خاص بالثورة الجزائرية، حيث تقام سرادقات، وأماكن تجمعات وتبرعات للثورة الجزائرية.

< هل شاركت فيها؟

- شاركت في المسرح وبدأنا حملات تبرعات للثورة الجزائرية التي كانت في عام 1954، وأثناء حملة التبرعات الناس كانت تقيم حفلة شعبية، وكانت فرقتي تقدم مشهداً تمثيلياً. وأذكر كانت أيامها هناك فقرة مشهورة، يقدمها واحد، يقلد فيها إذاعة «صوت العرب» وصوت أحمد سعيد بالتحديد.

< فاكر هذا المشهد التمثيلي أو الغنائي؟

- نعم.. كان الناس يطلقون عليه «نتحداك يا دالاس» - دالاس وزير خارجية أمريكا في ذلك الزمان - علي غرار خطبة لـ «أحمد سعيد» يقول فيها «نتحداك يا دلاس.. نتحداك بأساطيرك وطائراتك.. نتحداك بقوتك وجبروتك» وكان المسرح يستقبل هذا الممثل ويقول والآن نحن مع الممثل «نتحداك يا دلاس»!

< هل كان يقولها بفخر أم بـ «تريقة»؟

- لا .. «تريقة» لا. بالعكس كان يقولها بفخر، واعتزاز. وكان يقول نتحداك بالإرادة ونتحداك بالإيمان.. نتحداك يا دالاس.

< دحنا «غاويين» خطابة - كعرب - من زمان بقي؟

- طبعاً.. وأنا لفتت نظري هذه الواقعة، لدرجة أنني كتبت قصة قصيرة اسمها «نتحداك يا دلاس» وفي طرابلس القديمة تكونت فيها تقاليد رمضانية. حيث كانت تقام سرادقات رمضانية، كانت رمضانية، كالتي كانت تقام هنا لزكريا الحجاوي. حيث كانت هناك أماكن تحددها «البلدية» وتأتي بالمطربين، ليقيموا السهرات الرمضانية. وكان هذا تقليداً في المدينة القديمة.. وكانت تتفاعل أنشطة «الديوانية».

< وما هي هذه «الديوانية»؟

- الديوانية أو المريوعة وهي موجودة في كل منزل. حيث يلتقي الناس - كسهرة - في «المريوعة» بصفة دورية بالليل من أجل السهر والنقاش. بالإضافة إلي النوادي الليلية التي تقام في النقابات أو اتحاد الكتاب - حيث كنت رئيسه - في فترة من الزمن.

< هل حدث تغير في شكل الشارع الليبي بعد عام 69 الذي اعتلي فيه القذافي السلطة؟

- لا.. لا يحدث تغيير، بمناسبة وجود حكم مختلف عن حكم. المجتمع كان يسير في طريقه، بكل عاداته وتقاليده. والتغير جاء فيما بعد بحكم الواقع. وأذكر أن التليفزيون دخل ليبيا عام 68. والسلطة الجديدة جاءت عام 69. وأمسكوا بشاشة التليفزيون، ويغيب واحد، يأتي غيره، والحكام الجدد في ليبيا عام 69 احتلوا شاشة التليفزيون. وليبيا كان بها قناة تليفزيونية واحدة، علي مدي 25 سنة.

< كنا في مصر نسمع

عن أن ليبيا لن تصوم غداً، أو أنها ستصوم غدا، في الوقت الذي كان يتعارض هذا - الصوم - أو الإفطار - مع باقي الدول العربية.. لماذا؟

- سبب ذلك أن النظام كان يريد أن يتدخل في كل شيء بالنسبة للمواطن الليبي.

< حتي في الصوم أو الإفطار؟

- طبعاً.. الحاكم في ليبيا ذات يوم ألغي دار الإفتاء.. وقالوا «مفيش» دار للإفتاء.

< ومن أين كنتم تعرفون أن غداً صيام أو إفطار؟

- من الإذاعة الليبية.

< والإذاعة من أين تعرف؟

- من الحكومة.. وأذكر أننا كنا نسمع - الإذاعة تقول غداً رمضان. وفي الفجر تقول - الإذاعة «لا.. علقوا صيامكم» أو غداً إفطار ثم بعد فترة قصيرة يقولون لا.. صيام». كان هناك «لعب» غريب. وأحيانا نوع من «المشاغبة».

< مشاغبة مع من؟

- مع السعودية مثلا. السعودية قالت غداً صيام.. طيب إحنا هنقول بكره إفطار! والسبب كان باختصار هو «مزاج» الحاكم.. والله «مزاجي» الشعب الليبي يصوم غداً. يبقي يصوم. ولو كان «مزاجي» أن يفطر غداً.. يبقي يفطر.

< والمواطن الليبي ماذا كان يفعل؟

- يعاند هو الآخر مع الحكومة. إن قالت غداً صيام، تجده «يفطر» وإن قالت إفطار تجده يصوم. أو كان يأخذ كلام السعودية ويصوم ويفطر معها. أو مع مصر. وكان يترك الإذاعة الليبية تقول ما تشاء وهو يفعل ما يشاء.

< وأين دار الإفتاء الليبية؟

- دار إيه.. ما خلاص بقي! الزعيم هو كل شيء.

< ومتي ألغيت دار الإفتاء الليبية؟

- من أكثر من 20 سنة تقريباً.. وقبل إلغائها زرت الدار وقتها، وكان وقتها الشيخ «طاهر الزاوي» - رحمة الله عليه - وكان عمره فوق التسعين ومن العلماء والمجاهدين العظام في ليبيا. وكان ذلك - بالصدفة - ليلة رؤية رمضان. وتقرر وقتها الإعلان عن أن اليوم هو المتمم لشهر شعبان، وأن غداً أول أيام رمضان. وفجأة جاءت تعليمات من السلطة أن «بكرة» ليس رمضان.

< وماذا فعل المفتي وقتها؟

- رد أنه لن يعلن ما تريده الحكومة، أن الدلائل والمؤشرات لديه تقول إن «غداً» هو أول أيام رمضان. فكيف يعلن أنه إفطار؟ وأعلن الموجودين أن غداً رمضان وأنهم سيصومون، وتقول الإذاعة ما تريد أو ما يريده الزعيم وحكومته.

< وماذا فعل النظام مع دار الإفتاء بعدها؟

- تم إلغاء دار الإفتاء كلها بعد هذه الواقعة.

< متي شعرت أن النظام الليبي سينتهي إلي ما هو عليه اليوم؟

- دعنا نقول إن هذه الأنظمة العربية التي وصلت للحكم في سوريا  وليبيا وغيرهما عن طريق الانقلابات العسكرية وبعدها قررت أن يكون »انقلابهم» آخر «انقلاب».

< من هنا ورايح «مفيش انقلاب» أنا الانقلاب الأخير.

- بالضبط. في سوريا مثلاً، كانت هناك لوحات مكتوب عليها «الأسد إلي الأبد» وكان صدام، والقذافي في ليبيا وجعفر نميري في السودان وهكذا.

< وما الوسائل التي اتبعوها حتي لا يحدث ضدهم «انقلابات».

- استخدموا نظام الحكم الإرهابي.. ونظام الدولة البوليسية. ولنا صديق سوري يقول عن الدولة العربية.. إنها كانت زمان دولة ولها أمن أما الآن أصبحنا «أمن» له دولة. حيث كان الحكم بالحديد والنار. ثم دخل علي الخط مفهوم «التوريث» في بيوت الزعماء العرب. وكنت أري أن قطار التوريث سواء في مصر أو ليبيا أو اليمن أو سوريا «كارثة» وأذكر أن اتصلت بي إحدي الإذاعات في أول يوم نصب فيه بشار الأسد مكان أبيه وقلت «هذا يوم أسود علي الشعوب العربية، لأن هذا كان سيضع سابقة غير مسبوقة في التاريخ. كيف يورث الحكم الجمهوري. وكان ذلك مهانة وإهانة للشعوب العربية».

< رمضان 2011.. كيف تراه علي ليبيا؟

- للأسف ستستمر محنة الشعب الليبي في تقديم الضحايا. ولو أن «القذافي» ربنا هداه وأخذها من أولها وترك الحكم، كنا أنقذنا الدم الليبي. ولكن للأسف هذا لم يحدث، ولحظة عقل واحدة، كانت تنقذ البلاد من كل هذا الخراب. لكن يبدو أن الشعب الليبي سيدفع الدم - حتي في شهر رمضان - من أجل حريته وكرامته ومستقبله، ونرجو أن «يعتق» القذافي ليبيا في رمضان، ليعطقه الله من النار.. والثوار الليبيون يأملون أن تكون ليلة القدر 27 رمضان هي ليلة «فتح».

أهم الاخبار