رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

علي سالم:تربينا علي حكايات «ألف ليلة في ليل رمضان»

حوارات

الخميس, 04 أغسطس 2011 15:15
حوارات رمضانية: لـ خيري حسن

شهر رمضان كان يعطينا الحرية، لنلعب في أي مكان مظلم، لأنه لا توجد عفاريت مطلقة «السراح».

هكذا كان يعتقد الطفل «علي سالم» في طفولته التي قضاها في مدينة دمياط.. وكان أمر «العفاريت» هذا يشغله بعد رمضان، فمعني أن تحبس «شهراً»، فإنها ستكون مطلقة السراح باقي أيام السنة، وكبر الطفل، وكبر معه أمله، في أن «تحبس» العفاريت باقي أيام السنة، حتي لا تتحول حياة البشر الي جحيم، غير أن هذا الأمر لم يتحقق، لأن هناك من «رسل» الحرية ـ كما يقول ـ تستمتع بفتح الباب علي مصراعيه لتدخل منه جحافل التخلف المؤدية بالحتم الي «الخراب».

ذهبت للكاتب الكبير «علي سالم» لإجراء هذا الحوار، فوجدته ـ مثل كل مرة ـ محباً للحياة، ومتنائلاً وعنده أمل في «بكره»، فهو يرفض العنف والتخلف، ومُصر ـ بفكره ـ علي مطاردة «العفاريت» التي من الممكن أن تحول حياة البشر إلي جحيم.

وإلي نص الحوار:

< رمضان في الطفولة.. كيف كان؟

ـ أنا نشأت في دمياط، وطفولتي كانت فيها، وبالمناسبة «دمياط» خرج منها أغلب كتاب الدراما، بشير الديك ويسري الجندي وعلي سالم وغيرهم، وان كانت الذاكرة لا تسعفني لذكرهم جميعاً.

< وما علاقة دمياط بفن كتابة الدراما؟

ـ أعتقد السبب هو الراحل «طاهر أبوفاشا». كل هؤلاء الكتاب وغيرهم، خرجوا من تحت معطف «طاهر أبوفاشا» من دون أن يعترف أحد فينا بذلك، لكن دعني أقول ان الذي علمنا جميعاً الدراما، هو هذا الفنان والمبدع، ومسلسله الشهير «ألف ليلة وليلة» وكان هذا العمل يذاع في رمضان، وكان هذا المسلسل يكاد يكون فريضة علي المصريين.

< لهذه الدرجة؟

ـ طبعاً.. المصريون تعلقوا بهذا العمل، والذي كان يأتي كما قلت في رمضان، وكان ممتعاً وراقياً، ومن الغريب أن أحداث هذا المسلسل ليس كما يتصور الناس، أنها مستمدة من «ألف ليلة وليلة».

< هل أضاف «طاهر أبوفاشا» من خياله للعمل؟

ـ أضاف بعبقرية شديدة، لدرجة أنه كان يؤلف فيها «تيمات» أو أفكاراً درامية، بحيث تبدو أنها من «ألف ليلة وليلة نفسها». فإذا تحدثنا عن رمضان في دمياط زمان، فيجب ألا أنسي مسلسل «ألف ليلة وليلة» وصانعه ابن دمياط «طاهر أبوفاشا»، وأنا كنت زمان أقول ان دمياط تصدر «الأحذية.. وتصدر كتاب الدراما».

< وما علاقة الأحذية بكتاب الدراما؟

ـ مفيش علاقة، ولكن دمياط دائماً كانت تعيش علي التصدير، فهي تصدر الموبيليا، وتصدر الحكايات لأن «الحدوتة» أمر مهم جداً عند الدمياطي.

< هل هذا له علاقة بعملية «الصنعة» التي يتقنها الدمياطي؟

ـ ربما.. ودعني أقل لك إن الدقة في الصنعة، تعطي إحساساً بأعلي درجات الارتياح وأقل درجة من التوتر، وهذه الحالة تجعل الدمياطي، وهو في حالة صنع شيء، يكون أقرب للاحتفالية.

< تصدير كتاب الدراما معروف.. فماذا عن تصدير الأحذية؟

ـ أرجو ألا يزعل مني الزملاء كُتاب الدراما، لأنني أتحدث عن نفسي قبلهم أما تصدير الأحذية فلأن دمياط بالفعل كانت تصدر «الأحذية» لفرنسا في الأربعينيات.. ومن المشاهد التي لا أنساها، هو مشهد

مصنع عبارة عن «عنبر» ضخم جداً، وطويل جداً، ومقسم إلي «بنوك» صغيرة.. ويقف «أسطي» علي كل بنك ومعه صبيانه.

< اختفي هذا المصنع من دمياط تقريباً؟

ـ طبعاً.

< لماذا؟

ـ أنت بتسألني أنا.

< طيب أسأل مين؟

ـ اسأل الدولة المصرية، التي أصبحت تستورد علبة الكبريت من «بيشاور» في باكستان، نحن في مرحلة ستشعر بالخجل منها، وهذه المرحلة ليس لها علاقة بالثورة ولا بالفساد ولا بأي شيء، نحن معجبون بأنفسنا بدون سبب، لأنك عندما ترفع «رأسك» لمجرد أنك «مصري، فاسمح لي أقل لك أنت بتضحك علي نفسك.

< إزاي؟

ـ من غير «إزاي»! عليك أن تعرف أن هناك أسباباً أخري من أجلها ترفع الرأس.

< وما هي هذه الأسباب؟

ـ الإنجاز.. وتبادل الإنجاز مع الآخرين، وأنا سأقولها للمرة الألف «الدنيا ليست محلاً للسعادة، ولكن للإنجاز».

< وهل نحن ـ كشعب ـ لا نبحث عن الإنجاز؟

ـ لا.. نحن نبحث في الدنيا عن السعادة فقط، ونريدها بدون عمل أو انجاز.. انظر لمنظر مضحك للباحثين عن السعادة في مصر، ماذا فعلوا؟ أقاموا قصوراً، علي شاطئ البحر. وهذا لم يحدث في التاريخ في أي بلد، أنت تبني قصراً في مدينة وتكون في حاجة إليه، لكن تبني قصوراً وفيلات علي البحر، وأنت لست في حاجة لذلك.

< وما تفسيرك لذلك؟

ـ نحن ـ جميعاً ـ لدينا رغبة في التنعم مجاناً، وهذه الحالة تنطبق علي البرجوازية المصرية، فهي تريد أن تتنعم فقط، ولا تعمل الا ما ترغم عليه.

< نعود لرمضان في دمياط؟

ـ كان جميلاً جداً، وأجمل ما فيه وقتها ونحن أطفال، أنك تستطيع ان تلعب في الأماكن المظلمة في ليل رمضان، دون أن تخاف من العفاريت، لأن سيدنا سليمان ـ هكذا كنا نقول ونحن نلعب ـ يقوم بحبسهم في فترة رمضان.. وهذا جعلني أسأل وقتها، إذا كانت هناك قدرة علي حبس العفاريت في رمضان، فلماذا لا يحبسون طوال العام؟

وأسئلة كثيرة من هذا النوع.. وعندما عادت بي الذاكرة لدمياط، سألت: وأنت تفتح باب التقدم.. هل ممكن تفتح ـ في نفس الوقت ـ باب التخلف ليهجم عليك؟

< بمعني؟

ـ بمعني.. كيف تفتح باب التخلف بينما قصدك أصلاً التقدم هذا سؤال مطروح هذه الأيام. وعموماً تعال نتعود لرمضان في دمياط.. كان الدمايطة عندهم في الشهر الكريم عادة غريبة، وهي مضاعفة الكهرباء مائة مرة عما كان موجوداً، كل محل يضع إبداعاً من الكهرباء في ليل رمضان وكنا نهوي الذهاب الي «القلل» الموضوعة أمام البيوت والمحلات وبعد ان نشرب منها نضع «القلة» مقلوبة كانت حالة عدوان نستمتع بها.

< ممكن الإنسان يستمتع بالعدوان؟

ـ الكاتب جهاد الخازن مرة ذكر أنهم وهم أطفال كانوا يأتون بصخرة ويضعونها في «جورنال» بحيث لا يظهر منها شيء، ويضعونها علي الطريق، لتبدو وكأنها «جورنال».. وتأتي السيارات تصطدم بها وكانوا يستمتعون بذلك الصدام الذي يحدث ما بين الصخرة والسيارة.

< تريد أن تقول ان العدوان معنا منذ الطفولة؟

ـ موجود داخلنا بالفعل،والا ما السبب الذي يجعلنا ـ ونحن أطفال ـ «نقلب» القلل؟ وما السبب الذي يجعل الطفل جهاد الخازن يفعل ما فعله ومعه أطفال جيله.

< العدوان.. أليس كذلك؟

ـ طبعاً.. وهذا يجعلني أقول إن الطفل لم ينضج ولم يتخلص تماماً من كل مراحل الطفولة، فيكون مصدر العدوان ولا سبب للعدوان الا العدوان نفسه.

< لكن عدوان الأطفال فيه براءة تختلف عن عدوان الكبار؟

ـ ده صحيح.. لكن مع الكبر، إذا لم ينضج الشخص يتمادي معه العدوان وينتقل من الطفولة الي المراحل الثانية في حياته الشخصية.

لكن النضج في الشخصية يبعدك عن العدوان، والصيام عندما تبدو في ممارسته في الصغر، فهو يأخذك الي حالة «نضج» مثل الكبار.

< مسحراتي دمياط في ذلك الزمان.. كيف كان؟

ـ كان حالة جميلة ومختلفة.. يمر علي الشوارع، ويعلم كل أسماء الشارع، وينادي علي الأسماء بالاسم، هذه الأشكال من الطقوس اختفت هذه الأيام،و لم يعد لها شكلها «المبهج» الذي كنا نراه ونحن أطفال.

< ما سر ارتباط الدراما برمضان؟

ـ تسلية.. هذا الذي تراه في رمضان، ما هو إلا تسلية وتشبه المرحلة التي هي فيها. الكتابة غير مسئولة والإخراج غير مسئول، ووسط كل هذا نجد مسلسلاً مثل «اسمهان» أو«الملك فاروق» من ناحية الكتابة جاد جداً، أو من ناحية الإخراج جاد جداً.. والممثل المصري إذا وجد إطاراً جاداً، نجده يلتزم ويكون أكثر جدية، ويتحول الي ممثل عبقري.

< وإذا لم يجد؟

ـ يصبح تمثيله هلس، وفنه هلس.

< والمسرح والفن الشعبي والفنون الأخري أين هي؟

ـ شوف في المرحلة الماضية ـ أقصد الـ«30» سنة الأخيرة ـ لم تكن مرحلة عزة قومية وأنا عندي قاعدة، وذكرها «ويل ديورتت» قال: «يزدهر المسرح في فترات العزة القومية» أنا ـ مثلاً ـ آخر أبناء جيلي، ورغم ذلك قد لا يصدق أحد، أنه لم يقل لي تعال أعمل مسرح، لايوجد حماس للمسرح الجاد، ثم إن الدولة لم تكن تعتبر أن المسرح يتبعهم.

< إذا لم تكن الدولة مهتمة بالمسرح.. فبأي شيء تهتم؟

ـ كانت دولة مهتمة بالشركات التي ستعود عليهم بالربح، والمشاريع التي ستعود عليهم بالفائدة.. وأنا حاولت كثيراً.. طيب اغفروا لي ياسيدي أنني قلت لك في يوم من الأيام «ياجماعة نتدخل مع الدولة دي ـ يقصد إسرائيل ـ في تنافس وتعاون» لن ينفع أن تكون علي حدودك دولة تصدر أكثر منك، ولديها ديمقراطية أكثر منك، ياجماعة مش هينفع.. وبالتالي تعالوا ندخل ونشوف ده إيه، قلت ده؟ آه آسف إن شاء الله ما اتحركت أنت أو هو.. ونحن أمام تياراً يخرج مسرحاً أو سينما.. وأهم ما يميز الدراما المصرية لن تجده فيها.

< وما هو؟

ـ البهجة.. الدراما المصرية كانت «مبهجة» لكن للأسف هذه البهجة غير موجودة اليوم، كانت الدراما تناقش أعقد القضايا ببهجة.

< لكن فيه كوميديا؟

ـ لا.. هذه ليست كوميديا.. هذا «هزار» وأحياناً «قلة أدب».

< مصر في هذه اللحظة الي أين تتجه؟

ـ مطلوب منك الانتظار، ويقال ان العبقرية هو فن الانتظار الطويل، اليوم ليس في يد أحد حاجة. لا المجلس العسكري ولا الحكومة. لكن ستكون في يدنا كل حاجة عندما تبدأ الانتخابات.. وما أطلبه من الحكومة الحالية، هي أن تصل بنا الي الانتخابات، لأن الوصول اليها أمر صعب للغاية، وعند وصول مصر الي حكومة منتخبة ـ من أي نوع ـ لن يكون هناك خوف علي البلد.

أهم الاخبار