لويس جريس:أمي كانت تؤخر «الغدا» حتي مدفع الإفطار

حوارات

الثلاثاء, 02 أغسطس 2011 16:32
حوارات رمضانية: لـ خيري حسن


بعدما أغلقنا باب الأسانسير أنا وزميلي المصور، لحظة صعودنا إلي شقة الكاتب الكبير لويس جريس سألني: أليست هذه حوارات رمضانية؟ .. قلت: نعم.. قال: طيب، أصل، لكن!! ولم يكمل كلامه.. هنا فهمت ما الذي كان يقصده، غير أن حياءه منعه من الكلام.. وصلنا إلي باب الشقة.. ودخلنا، وجلسنا بعض الوقت في انتظار الأستاذ.. جال زميلي ببصره - وأنا أتابع حركته - في الشقة، توجد لوحات فنية رائعة، معظمها للفنانة الراحلة سناء جميل - زوجته - وتماثيل للسيدة العذراء والسيد المسيح وكتب ومراجع وصحف متراصة، لا تحتاج لوقت طويل حتي تصل للسقف، وفي المقبل منا أشرت عليه فنظر فوجد نتيجة حائط تحمل أسماء الله الحسني، وقبل ذلك لاحظ - ما لاحظته أنا - أكتاب الله «القرآن الكريم» في مكان بارز علي مكتب الأستاذ، ودون أن أسأله وجدته يقول: والله الواحد أتلخبط.. ثم أردف قائلاً: هو الأستاذ لويس جريس مسلم وإلا مسيحي؟.. فقلت: مصري.. فرد زميلي المصور: والله معاك حق!

دقائق وجاء الأستاذ مرتدياً بدلته ورباط عنقه ومصريته التي تظهر ملامحها علي وجهه، وابتسامته الصافية دوماً ورحب بنا وبدأنا الحوار عن رمضان وذكرياته مع كاتب وصحفي قبطي معجون بحب مصر.. وإلي نص الحوار:

> إذا ما قال الأستاذ لويس جريس «اللهم إني فاكر» فماذا يتذكر عن شهر رمضان الكريم؟

- الذكريات تعود إلي المدرسة الابتدائية وأول مرة أدرك أن فيه أقباطا ومسلمين، كان عندما دخلت مدرسة السلطان الفرغل في أبوتيج بمحافظة أسيوط.. وهو مركز أو مدينة لها تاريخ.

> لماذا؟

- أبوتيج هذا الاسم مستمر من كلمة يونانية اسمها «أبوتك» وكانت المدينة في مصر القديمة، مخزن الأدوية، حيث تقع المدينة في منتصف المسافة ما بين القاهرة وطيبة القديمة.

> لكن كيف أدركت في المدرسة ما أدركت أن هناك قبطيا ومسلما؟

- في سنة أولي ابتدائي دخل مدرس وقال: الطلبة المسيحيون يتفضلوا يخرجوا.

> واتفضلت وخرجت؟

- لا.. فضلت مكاني.. فأنا لا أعرف «مسيحي ولا مسلم»، هنا قرر المدرس أن ينادي علينا بالاسم ويخرجنا خارج الفصل.

> وإلي أين ذهبتم؟

- خرجنا وجلسنا تحت شجرة «التوت» في حوش المدرسة في الشمس، وكانت هذه حصة الدين الإسلامي ونحن جلسنا لمن يعطينا حصة الدين المسيحي.

> وهل حضر المدرس؟

- لم يحضر.. وهذا أعطاني فرصة للتأمل، وإدراك أن فيه هناك مسلما ومسيحيا والذي أكد ذلك لدي، هو أننا عندما نعود من المدرسة وهي كانت يوما كاملا من الساعة الثامنة صباحاً إلي الرابعة بعد الظهر والمدرسة كانت بحري البلد بعيدة بعض الشيء عن منزلنا أخرج من المدرسة وأعود للبيت «ميت» من الجوع.. أسأل أمي أين الأكل؟.. فترد «لسه شوية».

> ومتي كانت تضع والدتك لك «الغدا»؟

- لحظة مدفع الإفطار.


> إذن كانت تقصد تأخير وجبة «الغدا» حتي موعد الإفطار؟

- بالضبط.. وكانت تقول: «أخرت الغدا يا ولاد حتي نأكل مع المسلمين علشان مايزعلوش مننا».. هذه جملة لا أنساها.. نأكل مع المسلمين حتي لا يزعلوا مننا.. وطوال شهر رمضان كان هكذا يكون غداؤنا وأذكر أن البيوت الكبيرة في البلد كانت تأتي بكبار المقرئين العظام ليقرأوا القرآن في شهر رمضان، وكانت ليالي لا تنسي.

> ولماذا لا تنسي؟

- يعني عندما يأتي مقرئ مثل الشيخ أبوالعينين شعيشع أو الشيخ عبدالباسط عبدالصمد أو

الشيخ طه الفشني وغيرهم من كبار المقرئين ونحن كنا صغارا نذهب ونقف بجوار «الصوان» المنصوب الذي تتلي فيه القراءة والمديح والتواشيح، كانت ليالي تسعد بها سواء كنت مسيحيا أو مسلما.

> هل مثل هذه العادات والتقاليد أثرت بصورة أو بأخري في تشكيل الوجدان المصري؟

- بالتأكيد وأنا أقول: إن هذا البلد نسيج واحد لأن الوجدان المصري لا يختلف فيه المسلم عن المسيحي كلنا أبناء نسيج واحد.

> ومن السلطان الفرغل التي كانت مدرستك تحمل اسمه؟

- هو أحد السلاطين المهمين جداً، وكانت شهرته لا تقل عن شهرة السيد البدوي والمرسي أبوالعباس في الصعيد، وهو أصلاً من قرية تابعة لمدينة أبوتيج ومن هذه القرية أهلي.. وأذكر أن جاء رمضان وكنت في سن العاشرة تقريباً، وفي إحدي الليالي وجدت المريدين للسلطان الفرغل والشيخ أبوأحمد - كان مقامه بجواره - ويأتي الناس بمقام للسلطان الفرغل ويوضع علي «جمل» ويظل الناس يسيرون به من بحري البلد، حتي محطة السكة الحديد، ثم يتوقف ويتحول إلي الشارع الجديد حتي يعود مرة أخري إلي المسجد الموجود فيه السلطان الفرغل.

> وأنت كنت تسير وراء موكب المقام؟

- نعم.. وكل أطفال المدينة، لأنه طوال رحلته في الذهاب والعودة تخرج السيدات من النوافذ تلقي علي المقام «الكعك» الصغير، ونحن كأطفال نجري وراءه ونلتقط هذا الكعك.. وذات يوم عند محطة السكة الجديدة، فوجئنا بالجمل هاج.

> الجمل الذي يحمل مقام السلطان الفرغل؟

- نعم.. هاج وبدأ يضرب - كما يقال - «قلة» وأثناء هياجه، وجدنا الرجل الذي يسحب الجمل ويقوده يردد «الله أكبر.. الله أكبر» علي فكرة السلطان الفرغل لن يرجع لمقامه، لأنه يريد أن يزور حبيبه «أبومقار».

> ومن هو «أبومقار»؟

- أبومقار في كنيسة قبلي البلد في مدافن أقباط اسمها مدافن «أبومقار» وفيها كنيسة هناك وظل الجمل في حالة هياج والناس تهلل وتكبر وعاد الجمل ليعود إلي أبومقار ليزوره.

> وأنت وراءه؟

- البلد كلها زاحفة وراءه، وكنا في ليل رمضان ووصلنا إلي قرب الكنيسة وسمعنا الرجل الذي يسحب الجمل يردد «الله أكبر.. يا أبومقار حبيبك السلطان الفرغل جاء يزورك النهاردة».. هذا المشهد لا أنساه.

> وأبومقار كان صديق السلطان الفرغل قبل رحيلهما فعلاً؟

- لا أحد منا يعلم.. لكن الرسالة كلها كانت في هذا الرجل الذي يقود «الجمل» وكيف أنه بعدما «هاج» الجمل عرف أنه يريد أن يزور «أبومقار» وتوجه الموكب.

> هل في ذلك دلالة كشفت عنها الأيام فيما بعد؟

- عندما تنظر لهذا الأمر وتعيد صورة مدينة أبوتيج في ذهنك، تجد أنها لم يحدث فيها إطلاقاً فتنة طائفية، حتي اليوم والمسلم والقبطي هناك يعيشون في سلام مع بعضهم البعض، ومن أهم الأشياء هو أن مدينة أبوتيج، كانت تختلف الحياة فيها أيام رمضان.

> كيف؟

- ينصب فيها أفراد الكنافة، وأفراد القطايف، وتشعر بحالة - مازلت أشعر بها

حتي اليوم - وهي أن الحاجة الكويسة تخرج وتظهر في رمضان.. الفول يصبح غير الفول، والطعمية غير الطعمية، واللحمة غير اللحمة، الحياة كلها بتختلف، وليلة الرؤية كانت حكاية تانية خالص في بلدنا.

> إزاي؟

- في هذه الليلة كان فيه مشهد عظيم لا أنساه وهو أننا كنا نري أصحاب الحرف يخرجون في موكب يطوفون به البلد، وأمامهم فرقة «مزيكا» كانت ليلة الرؤية قمة المتعة، وكان أصحاب الحرف يقومون بالتمثيل - تعبيراً عن حرفتهم - علي عربية «كارو» في الموكب، وكان في هذا الموكب «عجل» بقري يسير في الموكب.

> لماذا؟

- حتي يراه الناس قبل ذبحه في أول يوم رمضان، وكان عجلا سمينا، والجزار يضع عليه مناديل حمراء، وصفراء، وكأنه عريس.

> كانت ليلة كرنفالية؟

- وأي كرنفال.. كانت ليلة جميلة في كل شيء.. في مظهرها وجوهرها.. ولذلك عندما أري ليلة الرؤية اليوم «أحزن» لأن جمالها في الماضي لم يعد له وجود، كانت ليلة تبهجنا، وتشعرنا أن هناك شيئا جديدا قادما، وهو شهر الصوم، هذه الأمور لم تعد موجودة، وأنا تربيت علي أشياء أيضاً في شهر رمضان مثل أن الذي يرحل في شهر رمضان فإن مكانة الجنة وأنا كنت ومازلت أحب السير في الجنازات سواء كانت جنازة لمسلم أو مسيحي.

> وكنت تسير فيها؟

- طبعاً.. أسير فيها حتي المدافن، وأقف حتي يدفن الميت، وفي رمضان كانت الجنازات مختلفة لإحساس الناس أن «الميت» مثواه الجنة.

> ثم جئت للقاهرة.. ماذا تذكر عن أيام رمضان في مجلة «صباح الخير»؟

- أذكر تلك الأيام مع الكاتب الكبير الراحل فتحي غانم وكان رئيس التحرير وأول ما يصل إلي مكتبه في نهار رمضان، يطلبني علي الفور وما إن جلس - وكنت مدير التحرير - يطلب الساعي بتاع «البوفيه» ويقول له «يا حسين هات 2 قهوة للأستاذ لويس»! كانت حكاية معروفة، فالصحفيون أو بعضهم كانوا يصومون، ولكن أثناء عملهم يشربون القهوة والسجائر.

> رمضان 1973.. كيف جاء عليك؟

- عندما تأكدنا من صدق ما سمعناه عشنا أيام من أجمل الأيام التي مرت علينا، الشعب كان ملتزماً ومتآلفاً ومتوحداً تماماً مثلما حدث في الـ 18 يوما التي سبقت تنحي مبارك أو تخليه.

> طيب.. لماذا نلتزم بعض الوقت ثم ينفرط عقد التزامنا بعض الوقت؟

- الشعب يتوحد ويلتزم، عندما يجد الأمور جادة وعندما يدرك الشعب أن الحدث الذي حدث أمراً جاداً، تجده يتحد، لكن عندما يبدأ الهزار، ينفرط عقد توحدنا، الشعب عندما اكتشف أن 23 يوليو أمر جاد توحد وسانده، وفي 25 يناير عندما وجد الجيش أن الشباب مطالبهم جادة حماهم، لكن عندما انقلب الموضوع إلي «هزار» تجد الشعب تفرق بعد 25 يناير.

> ولماذا تفرقوا؟

- لأنك بدلاً من أن تحاكم حبيب العادلي حول الجريمة الكبري وهي قتل الثوار والتنشين علي عيونهم، يصبح الموضوع هزار.

> لكنه يحاكم الآن؟

- يحاكم نعم.. لكن عن أي شيء يحاكم؟.. هو يحاكم علي بيعه قطعة أرض أو شرائه مساحة من الأرض.. وهكذا.. وبالنسبة لحسني مبارك، لا أحد يعلم هو هو مريض؟.. أم لا.. وفي شرم الشيخ أم لا؟.. لذلك الموضوع كله «هزل» في «هزل» وهذا «الهزل» يجعل الشعب «يتفرق» ولا يتوحد إلا عندما يري أن هناك أمراً جاداً.

> والحل؟

- أنا أطالب بأن نفعل مثلما فعلت ثورة يوليو.

> وماذا فعلت ثورة يوليو؟

- أن يقوم المجلس الأعلي للقوات المسلحة بفعل نفس الشيء الذي فعلوه.

> وما هو؟

- الضباط وقتها قالوا: إن الملك فاروق يخرج هو وأسرته وقدموا له التحية العسكرية ومع السلامة.. وأنا أسأل المجلس العسكري لماذا لا يفعل ذلك مع الرئيس السابق مبارك؟

> والمحاكمة؟

- طالما القوات المسلحة تري أن مبارك تاريخ عسكري ومن ثمة لا يجب محاكمته، فيقولون لنا ذلك، ويقولون له: اخرج أنت وأسرتك للمكان الذي تريده.

> وماذا سيعود علينا؟

- نتفرغ لبناء البلد وننظر للمستقبل.. وإقامة الدولة الجديدة، نحن «لخمنا» أنفسنا بفلول النظام ومبارك نحاكمه فين، ولا أحد يفكر في المستقبل وهذه مشكلة كبيرة علينا أن نلتفت لها، وعلي الأقل أننا لن نسرق مرة ثانية، بشرط أن نحسن الاختيار فيما هو قادم.

أهم الاخبار