رجائي عطية: خطر انهيار الدولة

حوارات

الاثنين, 01 أغسطس 2011 19:19
حوارات رمضانية:لـ «خيري حسن»


ذات يوم في أواخر عام 1982 كان الاستاذ «رجائي عطية» يقف في مكتبه، ويقلب في أوراق قضاياه المهنية - بصفته محامياً - ويرتب أفكاره - بصفته كاتباً - وإذ به يشعر بضيق شديد في التنفس، فسقطت من يده الأوراق، وتوارت الأفكار، وحضر بدلاً منها الطبيب.

شخص الطبيب قائلا: إنها أزمة قلبية شديدة، والمطلوب - بل المفروض - ألا يغادر سريره 60 يوما، وقد كان!

بعد الإفاقة التزم جسده السرير، وقلبه بتعليمات الأطباء، ولكن عقله رفض السكون، وأصر على الحركة، والبحث عما ينتجه، وجاءت الفكرة وهي كتابة حلقات للإذاعة بعنوان «من لباب العقول في أسباب النزول» لكن المشروع بعد إعداد 17 حلقة لم يكتمل كتابة واذاعة، واحتفظ به بين أوراقه حتي منتصف التسعينيات، في هذا الوقت طلبت مجلة «روزاليوسف» - أيام رئاسة تحرير «محمد عبد المنعم» - أربع حلقات لرمضان، هنا عاد المشروع مرة ثانية، تحت اسم «السيرة النبوية في رحاب التنزيل» ونشرت المجلة 101 حلقة، ثم توقفت - أيام رئاسة تحرير «عبدالله كمال» ليبقي رمضان ذلك العام فارقا في منهج وفكر وحاية الكاتب والمفكر الاسلامي «رجائي عطية».

ذهبت له في مكتبه بوسط البلد، حتي أعيد معه ذكريات الطفولة والصبا في رمضان.. فكان هذا الحوار؟

< في البداية «رمضان» الطفولة.. كيف تتداعى في ذهنك صوره؟

- مر بي رمضان على مدى عمري، الذي بلغ الآن 73 عاما، بمراحل مختلفة، طبيعي بعد هذا العمر، ومع الحنين الى الماضي، أن أعود الى سنوات الطفولة وكانت في اوائل الاربعينيات من القرن المنصرم، ومازلت اذكر، كيف كانت هذه الفترة مصحوبة بأشياء تتحرك لها وجداننا.

< مثل ماذا؟

- على سبيل المثال، كنا نبقي مستيقظين الى أن يأتي «المسحراتي» لينادي في «بير السلم» على السكان اسما اسما، من كبار كل عائلة، وحينما كبرنا بعض الشىء، كنا نتمني أن يتفضل «المسحراتي» - وكان جهير الصوت - بأن يذكر أسماءنا وسط أسماء الآباء.

< هذا المشهد مازلت تذكره رغم مرور كل هذه السنوات؟

- أذكره، لأنه بقى - في وجداننا - معلماً من معالم رمضان، فالمسحراتي مع «فانون» رمضان حالة خاصة كانا لدينا، ومع «المسحراتي» لم نكن نكتفي بالفرجة.

< إذن ماذا كنتم تفعلون؟

- كنا نشتري «الفانوس» ونطوف به ومن المشاهد الاخرى، وجدتني اتذكره، وهو أننا كنا ونحن «صغار» نذهب الى «الحديقة» حيث كان فيها مكان مخصص لـ «مدفعجي» المديرية، ومدفعه الضخم الثقيل، حيث كانت تخرج منه طلقة بارود لها دوي عنيف، يهز أركان المدينة.

< كان هذا «مدفع» رمضان.. أليس كذلك؟

- نعم.. وكانت هذه الطلقة متزامنة مع أذان المغرب، في ذلك الوقت لم يكن هناك «ترانزستور» ولا حتي «الراديو» لم يكن هذا متاحاً في معظم مدينة «شبين الكوم» عاصمة محافظة المنوفية حيث نشأت، الاذاعة انشئت في مايو 1943، في اوائل الاربعينيات لم تكن ظروف الناس تسمح بشراء «الراديو»، ولم تكن البيوت كلها بجوار المسجد، وبالتالي كان الحل في المدفع حتي تفطر الناس.

< وهل كان مدفع الافطار «يسمع» شبين الكوم كلها؟

- كان يفعل ذلك بالفعل.. وتسمع المدينة صوته من أقصاها إلى أقصاها، ومازلت أذكر.. كيف كانت العادات والتقاليد وقتها، حريصة على اقامة احتفالات على أبواب الأسر، تفتح فيها الأبواب على مصاريعها للعامة.

< وقت الإفطار؟

- نعم.. ويتم احتساء «قمر الدين» و«الخروب» و«الكنافة» و«القطايف» كان جواً بديعاً جداً، ومازلت أذكر أحد أقارب والدتي - رحمة الله علي الجميع - كان يقيم «ندوة» يومية كل ليلة، في منزله بصورة مبهرة.

< هذه الصورة عن رمضان في المدينة..

فماذا عن رمضان في القرية في ذلك الزمان؟

- عندما كبرت قليلاً، كنت أعشق أن أعود للقرية في مركز «تلا» بالمنوفية، حيث كنت قريب الصلة بأخوالي، وكنت أذهب و«أحل» ضيفا عليهم، ورأيت ليالي رمضان في القرية.

< وكيف كانت وقتها؟

- كانت القرية تتجمع في «الدوار»، حيث كانت عائلة «نصار» تتجمع في «الدوار» وتقف أمامه، إلى أن يؤذن للمغرب، كل أسرة من أسر العائلة تتجمع، وتوضع أمامها «صينية» بما لذ وطاب من الطعام والشراب، كل ذلك داخل «الدوار» وتجد الأب وأولاده الذكور، أما الإناث فكنَّ في المنزل مع الأمهات، وكانت هناك مباريات يتبارى فيها الجميع شعارها «الكرم» والحب وحسن الضيافة، وكنت باعتباري ضيفاً، أظل - تقريباً - 10 أيام أو 15 يوماً، أتنقل على كافة «صواني» العائلة، أفطر بما لذ وطاب.

< هذا عن طقوس الإفطار.. فماذا بعده؟

- ينتهي الإفطار، وتلم «الصواني» ويتجمع الكل مرة ثانية في «الدوار» في سمر لا ينتهي حتي «المسحراتي» وتعلمت الخطوات الأولى في المعلومات، والثقافة العامة من شيوخ العائلة في ليالي رمضان، سمعتهم يتحدثون عن «القمصان الزرقاء» و«القمصان الخضراء» ثم اسمع اسم النحاس باشا وماذا يفعل، وأحمد حسين في مصر الفتاة، وهكذا.

< كانت السياسة حاضرة؟

- حاضرة وبقوة، وفي هذه الأمسيات الرمضانية الليلة سمعت اسم «هتلر» وعرفت أخباره، وغيرها من الاتجاهات والأخبار والصور الثقافية، والحكايات الخرافية والأساطير، وكان «العجائز» من أهلنا يملأون حنينا للمعرفة بالحكي والكلام والحكايات ومازلت أذكر «ستي مبروكة» و«الست شلبية» التي كانت تأتي لتخزن «السمنة البلدي» كل عام.

< هل كانت «حكاءة» جيدة؟

- بل ممتازة في حكاياتها التي كانت تحكيها لنا ونحن مازلنا في طور التشكيل، لقد كانت حكايات «خالتي شلبية» تثير خيالي أضعاف ما تثيره حكايات «ألف ليلة وليلة»، مرت هذه المرحلة، بكل ما فيها من جمال رمضاني أثر في وعينا ثم جاءت مرحلة الجامعة، وكان لرمضان في هذه المرحلة صورة اخرى مختلفة.

< كيف؟

- وقتها كنا شلة من كلية الحقوق وأخرى من كلية الهندسة، اعتدنا أن نذهب كل يوم لنسهر في منطقة الحسين، وكان في الحسين - وقتها - مقهي اسمه «مقهي المجاذيب» وكانت معلماً من معالم الحسين وقتها، وأذكر أنه كان يمر علينا رجل أبيض «البشرة» وأحمر اللون، اسمه «المرشال» على.

< هل كان من «مجاذيب» الحسين؟

- بالضبط، ولكنه كان «مجذوباً» ظريف الشخصية، خفيف الظل، يخرج كل ليلة في موعد محدد، يرتدي «زي» مرشال، ومعه على صدره وكتفيه كم من «النياشين» مهول، وعلى رأسه «كاب» أحمر، ويستقبل بالهتافات من رواد المكان.

< هل كان يجلس معكم؟

- لا.. لكنه كان يتوقف ليتحدث ويهزر ويدخل «قافية»، مع أي مجموعة وينتصر عليها، ثم يغادر المكان سريعاً، كانت أيام كلها روحانيات، وأفراح، وسعادة، وهدوء قلب، وأحلام شباب وقتها.

هل حدث أن جاء رمضان عليك.. وكان فارقاً في حياتك؟

- حدث في التسعينيات، حيث كنت في عشاء عمل، وكان معي وقتها الأستاذ محمد عبد المنعم رئيس مجلس ادارة وتحرير مجلة روزاليوسف وقتها، وكنا على «مشارف» رمضان، وقال لي:

أريد أربع مقالات لرمضان.

< وكتبت للمجلة وقتها؟

- نعم، وجلست أفكر ماذا أكتب؟ تذكرت أنني في عام 1982 اصبت بأزمة قلبية شديدة، ألزمتني منزلي اكثر من شهرين، وفكرت أن أستثمر هذا الوقت في أن أكتب حلقات درامية للاذاعة المصرية بعنوان «من لباب العقول في أسباب النزول».

< وبماذا كنت تقصد بهذا العنوان؟

- هذا عنوان كتاب للإمام السيوطي اسمه «من لباب العقول في أسباب النزول»، فأردت أن أعالج مناسبات التنزيل «في السيرة النبوية» معالجة درامية، واستفدت وقتها من كتاب «توفيق الحكيم» عن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، واردت - بطريقة غير مباشرة - أوضح للناس أن الاسلام بسيط، ونحن الذين «نعقد» الأمور.

< وأذيعت الحلقات الإذاعية؟

- لا.. لم يحدث.

< لماذا؟

- لأن الحلقات - كتابة - لم تكتمل، حيث كتبت 17 حلقة، ثم وضعت ما كتبته في «درج» مكتبي، وظللت حتي أواخر التسعينيات، وتذكرت وقلت استخرجها وأقدم لـ

«روزاليوسف» أربع حلقات، لكن عندما «قلبت» في الأوراق، وجدت نفسي غير راض على العمل، لقد مر عليه 15 سنة، والانسان الذي ينمو لا يعجبه اليوم ما كتبه بالأمس.

< إذن أعدت الكتابة مرة ثانية؟

- نعم.. هذا ما حدث، فالمادة والمراجع موجودة، واستكملت تفسير القرآن الكريم، وجمعت - تقريباً - كل التفاسير، وعكفت على إعادة كتابة الحلقات للمجلة، ونشرت حتي وصلت الى 101 حلقة أسبوعية، وشعرت وقتها بحالة من السعادة والطمأنينة والتيسير الرباني لما أقوم به في «السيرة النبوية في رحاب التنزيل» وأنجزت هذه الحلقات، ووصلت الى سنة 10 هجرية، ولم يعد إلا أوائل سنة 11 هجرية وتنتهي السيرة بوفاة المصطفى عليه الصلاة والسلام في 12 ربيع أول عام 11 هجرية.

< ولماذا لم تكمل النشر في مجلة «روزاليوسف» وقتها؟

- حدثت تغييرات صحافية وترك الاستاذ محمد عبد المنعم مقعده وجاء غيره وشعرت باختصار، أنه ليست هناك رغبة لاستكمال الحلقات، وقامت روزاليوسف بعمل العمل في مجلد - ضمن أربعة مجلدات في تاريخ المؤسسة - باعت النسخة الواحدة أي المجلد بـ 30 جنيها.

< يبدو أن كتابة السيرة لم تعد عليك بالثواب في الأخيرة فقط، بل عادت عليك بالأموال؟

- ومن أين الأموال؟

< من البيع الذي قامت به روزاليوسف؟

- أنا لم أتقاض أجراً لا على المقال ولا على بيع المجلدات.

< ورغم ذلك أوقفوا النشر؟

- آه.. هذا ما حدث وقتها، وتوقف النشر قبل أن ينتهي، وأنا أثرت السكوت، وطبعت المجلد الخامس خارج «روزاليوسف»، وأنا حالياً أكتب في المجلد السادس والأخير، أرجو من الله - في هذه الأيام العطرة - أن أكمله على خير، وكان رمضان هو نقطة البدء لكتابة السيرة النبوية.

< أظن من هنا حدث تقارب بيتك وبين الإمام الراحل الشيخ محمد سيد طنطاوي؟

- نعم.. ولكن لم يكن بخصوص السيرة، إنما الشيخ الراحل تعرض لحملات ظالمة كثيرة وقذف في حقه، وفوجئت به في يوم ما يعرض علىَّ أن يأتي إلىَّ، وقلت له: أنت لا تأتي، بل أنا الذي آتي إليك، وذهبت إليه، وقفت بجواره، وتوطدت أواصر العلاقة بيننا، وأهديته ما كتبته، وأهداني ما كتبه، وبقيت بيننا صداقة صادقة حتي رحيل الإمام رحمة الله عليه.

< ظلم الشيخ محمد سيد طنطاوي؟

- باليقين ظلم.. وإذا اردت أن تجمعه في كلمة فهو رجل رباني، وإنه زاهد، وعفيف، ومتعفف، وعرف بعد رحيله، أنه تبرع بالملايين لإقامة معهد ديني ودور عبادة، على خلاف ما يتصور الناس، وما هاجمه به البعض.

< رمضان 2011 هل جاء مختلفاً على مصر؟

- للأسف.

< ولماذا الأسف؟

- لأن البلد اليوم تشهد فوضى عارمة، اختلط فيها الحابل بالنابل، واسقطت القيم، وهناك من يسعون للمزيد من هدم مصر، وإلى هدم القيم، بزعم أنهم يتحدثون بلسان الثورة.

< وهل ليس لهؤلاء علاقة بالثورة؟

- الثورة قامت وأنجزت في أيام واسقطت النظام، ومن نراهم اليوم على المسرح لا ينتمون للثورة، انما يريدون أن «يركبوا» على الثورة، وأن يفرضوا أنفسهم في كل - وعلى كل - شىء، حتى أصبحنا نجد - بينهم - من يريد أن يفرض علينا الوزراء حسب هواهم، مع أن اختيار الوزير ينبغي أن يخضع لمعايير موضوعية.

< وهذه المعايير مسئولية من؟

- مسئولية مصر الدولة.. وليست من عمل أصحاب الهوايات، ولا أصحاب المآرب والأغراض.

< كيف ترى الحاضر والمستقبل؟

- أخشى ما أخشاه اننا مقبلون على مرحلة بالغة الخطر، فهناك من لا يدركون - بالقصد وبغير القصد - وبالوعي - وبغير الوعي - أنهم يؤدون الى انهيار الدولة المصرية.


 

أهم الاخبار