رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

عيسي‮:‬صناع الطغاة حولو السادات لفرعون

حوارات

الجمعة, 03 يونيو 2011 16:00
حاوره‮:‬خيري‮ ‬حسن


شوف‮ ‬يا بهاء‮.. ‬أنا مش محتاج لدستور،‮ ‬أنا بعمل الدستور ده،‮ ‬علشان اللي‮ ‬جاي‮ ‬بعدي‮. ‬يرد أحمد بهاء الدين‮:‬

يا ريس سلطات رئيس الجمهورية في‮ ‬الدستور،‮ ‬واسعة جداً،‮ ‬فيرد الرئيس السادات‮: ‬يا بهاء‮.. ‬هو أنت فاكر إنني‮ ‬وعبدالناصر كنا محتاجين لدستور علشان نحكم‮.. ‬آمال إيه‮ ‬يا ريس؟‮.. ‬لا‮ ‬يا بهاء‮.. ‬دستور إيه؟ أنا وعبدالناصر آخر الفراعنة‮!.. ‬هو فيه فرعون‮ ‬يحكم بدستور؟‮! »‬ميبقاش‮« ‬فرعون‮.‬

دار هذا الحوار ما بين الرئيس السادات والكاتب الراحل أحمد بهاء الدين أثناء مناقشة تعديل دستور‮ ‬71‭.‬‮ ‬والذي‮ ‬يعيد النظر فيما ذكره السادات،‮ ‬سيجد إنه لا‮ ‬يجد حرجاً،‮ ‬في‮ ‬أن‮ ‬يوصف نفسه بالفرعون‮. ‬وكان‮ ‬يعتقد أنه سيكون الفرعون الأخير،‮ ‬غير أن‮ »‬رابطة صُناع الطغاة‮« - ‬كما‮ ‬يسميها الكاتب صلاح عيسي‮ - ‬صنعت لنا فرعوناً‮ ‬آخر هو الرئيس مبارك،‮ ‬وكانت تواصل مشوارها في‮ ‬صناعة فرعون للمستقبل القريب هو جمال مبارك،‮ ‬غير أن‮ »‬مبارك‮« ‬وبعد‮ ‬30‮ ‬سنة‮ »‬سقط‮« ‬و»جمال‮« ‬قبل أن‮ ‬يصل إلي‮ ‬كرسي‮ »‬الفرعنة‮« ‬سُجن‮!!‬

ذهبت إلي‮ ‬الكاتب الكبير صلاح عيسي‮ ‬وسألته‮: ‬هل كان السادات‮ »‬فرعون جاهز«؟ أم نحن‮ - ‬كالعادة‮ - »‬اللي‮ ‬فرعناه؟ فقال‮: ‬حتي‮ ‬يناير‮ ‬77‮ ‬كان السادات نصف فرعون،‮ ‬لكن بعد هذه الأحداث تحول إلي‮ »‬فرعون‮« ‬كامل،‮ ‬ومتكامل‮.. ‬واحنا‮ - ‬برضه‮ - ‬اللي‮ ‬فرعناه‮.‬

وإلي‮ ‬نص الحوار‮:‬

‮> ‬في‮ ‬البداية‮.. ‬هل كان السادات فرعونا أم‮ »‬إحنا اللي‮ ‬فرعناه«؟‮ ‬

‮- ‬الرئيس أنور السادات قال في‮ ‬مذكراته،‮ ‬إنه بعد قليل من قيام ثورة‮ ‬يوليو،‮ ‬كان هناك خلاف في‮ ‬مجلس القيادة‮. ‬هل تعود للثكنات وتترك الحكم أم لا؟ وانقسم المجلس إلي‮ ‬قسمين‮. ‬قسم‮ ‬يطالب بترك السلطة للمدنيين وآخر قال‮: ‬لا‮. ‬وعلي‮ ‬الثورة أن تستمر،‮ ‬وإن الثورة قامت لتغيير المجتمع وليس عزل الملك فقط‮. ‬وإن تجارب الشعوب تقول إنه لا‮ ‬يمكن بناء مجتمع دون سلطة قوية مركزية وحاكم قوي‮.‬

‮> ‬والسادات كان مع أي‮ ‬اتجاه؟

‮- ‬مع الاتجاه الثاني،‮ ‬وهو بقاء الجيش في‮ ‬الحكم وكان معجباً‮ ‬بالعسكرية الألمانية،‮ ‬ومعروف قصة العلاقة التي‮ ‬كانت بينه وبين المخابرات الألمانية،‮ ‬وكان أيضاً‮ ‬معجباً‮ ‬برجل العسكرية المصرية عزيز المصري‮. ‬وهذه الاتجاهات تكشف لك عن المناخ الثوري‮ ‬الذي‮ ‬نشأ فيه السادات‮.‬

‮> ‬إذن اتجاهات السادات كانت واضحة منذ البداية؟

‮- ‬كانت واضحة جدا،‮ ‬وعندما تعود لاجتماعات مجلس قيادة الثورة،‮ ‬في‮ ‬مراحلها الأولي،‮ ‬تجده كان مندهشاً‮ ‬من طريقة التصويت في‮ ‬مجلس القيادة،‮ ‬وذات مرة اعترض عليها،‮ ‬وامتنع عن حضورها،‮ ‬وقال إنه‮ ‬يضع صوته في‮ ‬جيب جمال عبدالناصر‮.‬

‮> ‬لماذا؟

‮- ‬لأن الفكرة التي‮ ‬كانت في‮ ‬ذهنه،‮ ‬هي‮ ‬أنه طالما اخترنا جمال عبدالناصر،‮ ‬فعلينا أن نترك له الفرصة ليقرر ما‮ ‬يشاء‮. ‬وهو ظل أيام عبدالناصر صامتاً،‮ ‬لا‮ ‬يعارض أي‮ ‬قرار،‮ ‬رغم أنه ثبت بعد ذلك،‮ ‬أن هناك الكثير من القرارات كان‮ ‬يعارضها‮.‬

‮> ‬لكن لماذا لم‮ ‬يعلن معارضته؟

‮- ‬لأنه أقر من البداية،‮ ‬أنه طالما اخترنا جمال عبدالناصر رئيساً‮ ‬لمجلس قيادة الثورة وللثورة كلها،‮ ‬فينبغي‮ ‬أن نتركه‮ ‬يعمل كما‮ ‬يريد‮. ‬وبالمثل عندما‮ ‬يأتي‮ ‬أي‮ ‬أحد منكم مكانه،‮ ‬فعلينا أن نتعامل معه بنفس الأسلوب‮. ‬ولا‮ ‬يعارضه أحد،‮ ‬وهذا ما فعله بعد‮ ‬1971‮ ‬مع بقية ورثة عبدالناصر‮. ‬

‮> ‬تقصد مراكز القوي؟

‮- ‬بالضبط‮. ‬ويومها‮ - ‬لأنهم كانوا بدأوا المعارضة له‮ - ‬قال لهم‮: ‬لماذا تعارضونني‮ ‬وأنتم لم تكونوا تعارضون عبدالناصر‮.. ‬القاعدة العامة والمتفق عليها‮ - ‬علي‮ ‬الأقل ضمنياً‮ - ‬هي‮ ‬أن من‮ ‬يتولي‮ ‬منا الرئاسة،‮ ‬لا‮ ‬يعارض‮.‬

‮> ‬وإذا عارض أحد؟

‮- ‬المعارضة في‮ ‬عقيدة‮ ‬يوليو،‮ ‬تعني‮ ‬الانسحاب‮. ‬إما أن توافق لتستمر،‮ ‬كما حدث مع السادات أيام عبدالناصر‮. ‬أو تعارض فتنسحب أو تستبعد كما حدث مع آخرين‮. ‬وهذه القاعدة طبقتها ثورة‮ ‬يوليو بشكل عام‮.‬

‮> ‬معني‮ ‬ذلك أنه كان لديه استعداد نفسي‮ ‬وفكري‮ ‬ليكون فرعونا؟

‮- ‬طبعاً‮.. ‬والسادات في‮ ‬بداية حكمه وجد معارضة من ورثة عبدالناصر الذين أطلق عليهم‮ »‬مراكز القوي‮«. ‬وسبب الخلاف،‮ ‬هو اتجاهه لحل قضية الصراع العربي‮ ‬الإسرائيلي‮ ‬عبر أشكال من الحلول السلمية،‮ ‬حيث كان متردداً‮ ‬في‮ ‬موضوع الحرب جداً،‮ ‬وكان لديه ميل لفتح صفحة جديدة من العلاقات الأمريكية‮. ‬وعندما احتكم الصراع بينهما،‮ ‬قرر اللجوء للشعب،‮ ‬وأظهرهم أمام الشعب أنهم ضد الحريات العامة والديمقراطية‮.‬

‮> ‬لكن الخلاف لم‮ ‬يكن حول الديمقراطية؟

‮- ‬نعم‮.. ‬لأنه لو قال للشعب‮ ‬غير ذلك،‮ ‬فكان سيخسر المعركة،‮ ‬والذي‮ ‬نصحه بذلك هو الأستاذ هيكل‮. ‬وقال له إن طرح الخلاف كما لو كان حول عودة العلاقات مع أمريكا أو

عدم عودتها،‮ ‬فأنت ستخسر المعركة‮.‬

‮> ‬واقترح الاستاذ هيكل علي‮ ‬السادات أن‮ ‬يلعب بورقة الديمقراطية ليقض علي‮ ‬مراكز القوي؟

‮- ‬بالضبط كده‮.. ‬لأن موضوع الديمقراطية تكسب به الشارع،‮ ‬الذي‮ ‬كان‮ ‬يعاني‮ ‬من فترة حكم الرئيس عبد الناصر وبالتالي‮ ‬الشارع هيكون معاك‮. ‬وهذه اللعبة لعبها كل ثوار‮ ‬يوليو مع بعضهم البعض علي‮ ‬حساب الديمقراطية وعلي‮ ‬حساب البلد نفسه‮.‬

‮> ‬إزاي؟

‮- ‬استخدام سلاح الديمقراطية،‮ ‬بين رجال‮ ‬يوليو،‮ ‬والصراع علي‮ ‬السلطة،‮ ‬كان تقليداً‮ ‬شائعاً‮ ‬فحين اختلف محمد نجيب مع عبد الناصر قال محمد نجيب إنهم ديكتاتوريون‮.‬

‮> ‬وهو كان ديمقراطياً؟

‮- ‬لا‮.. ‬هو لم‮ ‬يكن كذلك‮.‬

‮> ‬محمد نجيب؟

‮- ‬أيوة‮.. ‬كان نفس الموضوع‮.. ‬ولكن عند الاختلاف كانت تخرج‮ »‬الديمقراطية‮« ‬علي‮ ‬طريقة‮ »‬احنا دفنينه سوا‮«! ‬وهذا ما فعله عبد الحكيم عامر في‮ ‬اختلافه مع عبد الناصر وطبع الاستقالة،‮ ‬وكان قد سبق وتقدم بها سنة‮ ‬1962،‮ ‬ووزعها كمنشور،‮ ‬ليظهر ان سبب الهزيمة هو ديكتاتورية عبد الناصر‮. ‬وإنه ـ أي‮ ‬عبد الحكيم عامر ـ لم‮ ‬يكن موافقاً‮ ‬علي‮ ‬ما‮ ‬يفعله،‮ ‬وسبق له ان طالب بالديمقراطية‮. ‬وهذا ما فعله كمال الدين حسين وعبد اللطيف البغدادي‮ ‬عندما اختلفا مع عبد الناصر‮.‬

‮> ‬قالوا أيضاً‮ ‬ان الخلاف سببه الديمقراطية؟

‮- ‬قالا ذلك‮. ‬هم كانوا‮ ‬يشعرون من البداية ان موضوع الديمقراطية هو الموضوع الذي،‮ ‬اذا ما اختلف اي‮ ‬واحد منهم مع الاخر،‮ ‬فإنه‮ ‬يستطيع ان‮ ‬يكسب الشارع في‮ ‬به صفه‮.‬

‮> ‬وماذا فعل السادات بعدما تخلص من مراكز القوي؟

‮- »‬ساق فيها‮« ‬كان من اول القرارات التي‮ ‬اتخذها قبل هذا الصراع،‮ ‬هو وقف التنصت علي‮ ‬التليفونات والافراج عن المعتقلين السياسيين،‮ ‬وذهب الي‮ ‬فناء وزارة الداخلية،‮ ‬وأقام احتفالا كبيرا‮ ‬يومها،‮ ‬واحرق علناً‮ ‬امام الصحفيين شرائط التنصت في‮ ‬1971،‮ ‬وفي‮ ‬عام‮ ‬1975‮ ‬افرج عن المسجونين السياسيين وكان معظمهم من الاخوان المسلمين المحكوم عليهم في‮ ‬قضية‮ »‬سيد قطب‮«.‬

‮> ‬طيب‮.. ‬كل هذا‮ ‬يصب في‮ ‬اتجاه الحريات العامة؟

‮- ‬هذا صحيح‮.. ‬في‮ ‬هذه المرحلة ظهر وكأنه ادرك انه‮ ‬يكسب الشارع بالديمقراطية ويعد هذا احد انجازاته المهمة في‮ ‬الواقع،‮ ‬لانه ساهم في‮ ‬تحطيم الطابع الشمولي‮ ‬للدولة الذي‮ ‬اقامته ثورة‮ ‬23‮ ‬يوليو‮. ‬وسمح بالحرية بعض الشيء والنقد في‮ ‬الصحف‮. ‬لكن هذا الاتجاه لم‮ ‬يستمر‮.‬

‮> ‬لماذا؟

‮- ‬لأنه بعد فوزه علي‮ ‬مراكز القوي،‮ ‬بدأت رابطة صناع الطغاة ـ كما اسميها أنا ـ تظهر وهذه الرابطة تتكون من فصائل وتيارات اجتماعية معادية للنظام الذي‮ ‬سقط وتحاول ان تدفع النظام الجديد،‮ ‬في‮ ‬اتجاه ان‮ ‬يتبني‮ ‬مصالحها الاجتماعية والسياسية‮.‬

‮> ‬وهل حدث هذا مع أنور السادات؟

‮- ‬طبعاً‮.. ‬ففي‮ ‬موجة شديدة من النفاق السياسي‮ ‬قام بها الاعلام ـ وكان كله رسميا وقتها ـ السادات ـ وخرج مجموعة من المضطهدون في‮ ‬العهد الماضي‮ ‬مثل مصطفي‮ ‬امين وعلي‮ ‬امين وغيرهما من اليمين المصري‮ ‬الذي‮ ‬كان مقموعاً‮ ‬في‮ ‬عهد عبد الناصر‮. ‬خرجوا من تحت السطح،‮ ‬وبدءوا عملية النفاق وطبعت كتب عنوانها مثلاً‮ »‬مايو حبيبي‮«.‬

‮> ‬وهل كتب احد كتاباً‮ ‬بهذا الاسم؟

‮- ‬آه‮.. ‬طبعاً‮.. ‬كتبه‮ »‬انور زعلوك‮« ‬كان موجوداً‮ ‬في‮ ‬السجن في‮ ‬ذلك الحين وكتب بعض اساتذة الجامعة كتبا عنوانها‮ »‬أنور السادات رائدا للتأصيل الفكري‮«. ‬وموجة من النفاق السياسي‮ ‬العارم‮.‬

‮> ‬أستاذ صلاح‮.. ‬ألا تتفق معي‮ ‬أن شيء‮. ‬من هذا النفاق السياسي‮ ‬يحدث الآن بعد ثورة‮ ‬25‮ ‬يناير؟

‮- ‬اتفق طبعاً‮.. ‬ولو عدت بعد سقوط الملك فاروق ستري‮ ‬هذا النفاق أيضاً‮.. ‬فالصحف التي‮ ‬كانت قبل‮ ‬يوليو‮ ‬1952‮ ‬تنطق باسم الملك والسرايا،‮ ‬كيف تحولت إلي‮ ‬نشر فضائحه‮. ‬

‮> ‬كان منها في‮ ‬ذلك الوقت‮ »‬أخبار اليوم«؟

‮ - »‬أخبار اليوم‮« ‬وغيرها‮ .. ‬ونشرت هذه الصحف فضائح الملك؟ والاقتراب والالتفاف بثوار‮ ‬يوليو وقتها‮.‬

‮> ‬إذن الظاهرة متكررة في‮ ‬التاريخ؟

‮- ‬آمال أنت فاكر إيه‮.! ‬هذه ظاهرة متحركة في‮ ‬التاريخ،‮ ‬تتحول فيما بعد إلي‮ ‬ما أسميه‮ »‬رابطة صُناع الطغاة‮«. ‬وهي‮ ‬تتشكل بعد سقوط أي‮ ‬نظام‮.‬

‮> ‬وعلي‮ ‬أي‮ ‬الأسس‮ ‬يقوم فكر أصحاب هذه الرابطة؟

‮- ‬علي‮ ‬فكرة مصر لابد أن‮ ‬يحكمها فرعون‮. ‬وإننا‮ - ‬كرابطة‮ - ‬نساهم في‮ ‬تشكيل هذا الفرعون،‮ ‬لكني‮ ‬نستفيد من ورائه،‮ ‬عندما‮ ‬يستتب الأمر له وينفرد بالسلطة‮.‬

‮> ‬إذن هذه الفكرة موجودة دائماً؟

‮- ‬موجودة طوال الوقت،‮ ‬حتي‮ ‬عندما‮ ‬يكون الحاكم في‮ ‬بدايته نصف فرعون فنأتي‮ ‬نحن ونحوله إلي‮ ‬فرعون كامل‮. ‬والسادات حتي‮ ‬نهاية فترة رئاسته الأولي‮ ‬أنجز إنجازاته الأساسية‮. ‬حيث حطم الطابع الشمولي‮ ‬وحرب أكتوبر‮. ‬والانفراجة الديمقراطية الجزئية التي‮ ‬حدثت،‮ ‬ووصلت ذروتها في‮ ‬عام‮ ‬1976،‮ ‬وهي‮ ‬كانت سنة من أعجب السنوات في‮ ‬تلك الفترة‮.‬

‮> ‬لماذا؟

‮- ‬لأننا رأينا فيها ما كنا نراه خلال العامين الأخيرين من حكم مبارك،‮ ‬كل‮ ‬يوم وقفة احتجاجية أمام مجلس الوزراء ومطالب فئوية وحرية صحافة بعض الشيء،‮ ‬والجامعة تحولت لما‮ ‬يشبه ميدان التحرير اليوم،‮ ‬وفي‮ ‬مجتمع الجامعة خرجت بيانات وصحف حائط تهاجم الرئيس وزوجته ومطالبات بالإصلاح السياسي‮ ‬والدستوري‮ ‬وأنا أتذكر أننا في‮ ‬15‮ ‬نوفمبر‮ ‬1976‮ ‬خرجنا في‮ ‬مظاهرة من جامعة القاهرة إلي‮ ‬مجلس الشعب وكان فيها ما لا‮ ‬يقل عن‮ ‬12‮ ‬ألف مواطن تحركت من الجامعة وانضم إليها الناس في‮ ‬الشارع‮. ‬وكانت مطالب‮ - ‬مثل التي‮ ‬نطالب بها اليوم‮ - ‬مثل ربط الأجر بالإنتاج وإطلاق الحريات‮.‬

‮> ‬حتي‮ ‬هذه اللحظة كان السادات نصف فرعون،‮ ‬فكيف تحول إلي‮ ‬فرعون كامل؟‮!‬

‮- ‬حتي‮ ‬18‮ ‬و19‮ ‬يناير‮ ‬1977‭.‬‮ ‬قبل هذا التاريخ كان للسادات إيجابيات من الإنصاف أن نذكرها له‮. ‬ورغم محاولات ضغوط رابطة‮ »‬صناع الطغاة‮« ‬عليه،‮ ‬إلا أنه ظل متماسكاً‮. ‬وقال لي‮ ‬ذات‮ ‬يوم المرحوم محمد عبدالسلام الزيات وكان مقرباً‮ ‬للسادات،‮ ‬وكان الأمين العام لمجلس الأمة في‮ ‬الوقت الذي‮ ‬كان فيه السادات رئيساً‮ ‬لمجلس الأمة‮. ‬قال لي‮: ‬إن السادات في‮ ‬بداية حكمه،‮ ‬التقت به السيدة جيهان السادات وقالت له‮ »‬خصيمك النبي‮ ‬يا محمد‮.. ‬لو سمعت أي‮ ‬حاجة‮ ‬غلط حد بيعملها باسم الريس أو حد بيمارس فساد أو حاجة الناس بتقولها علينا تقول للريس وتقول لي،‮ ‬علشان نصلح روحنا‮. ‬احنا لا نريد أن نقع في‮ ‬الأخطاء التي‮ ‬وقع فيها من سبقنا‮«.‬

‮> ‬ولكن رغم هذا التحذير وقعوا؟

‮- ‬للأسف هذا ما حدث‮. ‬وبعد‮ ‬يناير‮ ‬1977‮ ‬هناك‮ »‬سادات‮« ‬مختلف،‮ ‬وتحول إلي‮ ‬فرعون بشكل حقيقي‮. ‬وبدأت سلسلة من الأخطاء،‮ ‬وأنا أذكر أننا كنا نحاكم بتهمة التحريض علي‮ ‬أحداث‮ ‬18‮ ‬و19‮ ‬يناير،‮ ‬وكان لا‮ ‬يكف طوال المحاكمة علي‮ ‬أن‮ ‬يخطب‮ - ‬والمحاكمة قائمة‮ - ‬ويقول سأظل وراءهم حتي‮ ‬آخر الدنيا وآخر الزمن‮.‬

‮> ‬ليضغط علي‮ ‬المحكمة؟

‮- ‬كانت حاجة مش ممكن‮. ‬وأنا الآن أترحم علي‮ ‬القاضي‮ ‬الذي‮ ‬كان‮ ‬يحاكمنا المرحوم‮ »‬حكيم منير صليب‮« ‬لأنه برغم كل هذه الهستيريا،‮ ‬لم‮ ‬يتأثر،‮ ‬ولم‮ ‬يحول المحاكمة إلي‮ ‬محاكمة سياسية‮.. ‬وقال للمحامين هذه قضية من الناحية القانونية لا‮ ‬يوجد أي‮ ‬اتهام حقيقي‮. ‬وطلب منهم أن تكون القضية قانونية وليس سياسية‮.‬

‮> ‬واستمر السادات في‮ ‬اتجاهه نحو‮ »‬الفرعنة«؟

‮- ‬استمر‮.. ‬وطلع بعد ذلك قانون‮ »‬العيب‮«. ‬وهو قانون‮ »‬مكارثية‮« ‬100٪‮. ‬ومحاولة تحويل نقابة الصحفيين إلي‮ ‬ناد،‮ ‬ومطاردة المعارضة المصرية التي‮ ‬كانت تعمل بالخارج لدرجة أنه اسقط عنهم عضوية النقابة وكان‮ ‬يريد اسقاط الجنسية عنهم،‮ ‬لكنه تراجع وأعلن وقتها قائلاً‮: ‬من دخل نقابة الصحفيين فهو آمن‮« ‬وهنا الفرعونية لديه وصلت لحالة‮ ‬غريبة،‮ ‬جعلته‮ ‬ينسب لنفسه قول للنبي‮ ‬عليه الصلاة والسلام وهو داخل مكة‮. ‬وبدأت تنتشر خطاباته السياسية التي‮ ‬ركز فيها علي‮ »‬الأنا‮«!‬

‮> ‬إزاي؟

‮- ‬يعني‮ ‬يقول‮ »‬شعبي‮« »‬جيشي‮« »‬الصحفيين بتوعي‮« »‬الجنرالات بتوعي‮« ‬كان‮ ‬يقول ذلك في‮ ‬خطاباته العلنية،‮ ‬حيث كان‮ ‬يضيف‮ »‬ياء‮« ‬الملكية لكل ما في‮ ‬البلد‮. ‬وتعبيرات من نوعية البلد بقي‮ ‬لها سعر‮.‬

‮> ‬وماذا كان‮ ‬يقصد بأن لها سعراً؟

‮- ‬هو في‮ ‬هذه الفترة كان بدأ‮ ‬يسقط في‮ ‬أيدي‮ ‬الانفتاحيين الجدد‮. ‬حيث كانوا‮ ‬يسعون إلي‮ ‬صناعة فرعون‮ ‬يدافع عن الانفتاح‮ »‬سداح مداح‮« ‬والمكاسب‮ ‬غير المشروعة التي‮ ‬كونوها من تجارة السلع الفاسدة والاتجار في‮ ‬العملة،‮ ‬وكل عمليات النهب التي‮ ‬بدأت وقتها‮ - ‬طبعاً‮ ‬نهب الأراضي‮ ‬بدأ في‮ ‬عهد مبارك‮ - ‬فهؤلاء كانوا‮ ‬يحتاجون إلي‮ ‬فرعون،‮ ‬وقد شكلوا أنور السادات الفرعون طبعاً‮ ‬لما أرادوا‮. ‬وانظر إلي‮ ‬قرار زيارته للقدس،‮ ‬بصرف النظر عن الخلاف والاتفاق عليه‮.‬

‮> ‬علي‮ ‬ماذا‮ ‬يدل هذا القرار؟

‮- ‬يدل علي‮ ‬أنك لست أمام دولة لها مؤسسات،‮ ‬إنما أنت أمام حاكم فردي‮ ‬يأخذ قراراً‮ ‬استراتيجياً‮ ‬بهذا الحجم،‮ ‬ويعلنه في‮ ‬خطبه،‮ ‬وهو أمام مجلس الشعب،‮ ‬ويفاجئ به الجميع‮. ‬وهذا‮ ‬يؤكد أن هذا هو الفرعون بعينه‮. ‬لذلك أقول إن الفترة الثانية من حكم السادات هي‮ ‬فترة حكم الفرعون‮.‬

‮> ‬لكن الرابطة‮ - ‬رابطة صُناع الطغاة‮ - ‬ساهمت في‮ ‬فرعنته أليس كذلك؟

‮- ‬طبعاً‮.. ‬شوف هو كان لديه الميل‮ »‬للفرعنة‮« ‬لكن هذا الميل‮ ‬يزيد عندما‮ ‬يجد من‮ ‬يساعده في‮ ‬التخلص من مراكز القوي‮ ‬التي‮ ‬تعارضه،‮ ‬عندما‮ ‬يجد من‮ ‬يغير له الدستور مثل السيدة‮ »‬فايدة كامل‮« ‬أو تذهب وتقول له ذلك ويتغير الدستور بما‮ ‬يسمح بـ‮ »‬مدد‮« ‬رئاسية أخري‮ ‬وليس‮ »‬مدة‮« ‬أخري‮. ‬عندما‮ ‬يجد عالم دين مثل الشيخ أحمد حسن الباقوري‮ ‬يلقي‮ ‬خطبة شهيرة،‮ ‬يتحدث فيها عن أن فقهاء المسلمين‮ ‬يحظرون علي‮ ‬المسلمين أن‮ ‬ينتقصوا من قدر بغلة السلطان‮.‬

‮> ‬لماذا؟

‮- ‬لأن الانتقاص من قدر‮ »‬البغلة‮« ‬هو أنتقاص من قدر‮ »‬السلطان‮« ‬ذاته‮.‬

‮> ‬وماذا كان‮ ‬يقصد الشيخ الباقوري‮ ‬من وراء تلك الخطبة؟

‮- ‬هو حماية رئيس الجمهورية مما كان‮ ‬يسمي‮ ‬حين ذلك‮ »‬بطول لسان طلاب الجامعة‮« ‬وقتها ومطالباً‮ ‬الرئيس السادات بأن‮ ‬يمد المدة التي‮ ‬كانت أشرفت علي‮ ‬نهايتها‮. ‬ويرشح نفسه مرة ثانية‮.‬

أهم الاخبار