رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

أستاذ الاقتصاد السياسى بجامعة الإسكندرية لـ"بوابة الوفد":

د. رفعت لقوشة: إذا لم تنهض الثورة بمصر ستخرج من التاريخ

حوارات

الأحد, 08 يوليو 2012 13:33
د. رفعت لقوشة: إذا لم تنهض الثورة بمصر ستخرج من التاريخد. رفعت لقوشة أستاذ الاقتصاد السياسى بجامعة الإسكندرية
حوار ــ ممدوح الدسوقى تصوير ــ طارق الحلبى

د. رفعت لقوشة، أستاذ الاقتصاد السياسى بجامعة الإسكندرية، عضو اللجنة التأسيسية «الثانية» للدستور، مفكر مصرى يهتم بمدنية الدولة والحفاظ على الهوية المصرية.

أكد فى حواره لـ "بوابة الوفد" أن الشعب المصرى خرج فى ثورته 25 يناير 2011 ولن يعود ويده خاوية أو يعود بمجرد وعود.. محذراً من عدم نجاح الثورة المصرية.. حيث ستعود الفتن الطائفية أقوى وأعنف مما كانت، بل سترتفع دعوات انفصال الصعيد والعودة به إلى ما قبل دولة «محمد على»، حيث لم تكن الدولة المصرية تفرض سيطرتها الكاملة عليه، وقد تخضع أجزاء من الدولة المصرية بمنطق الإدارة المشتركة وتحديداً سيناء ومع مشاكل الصحراء الغربية وعدم تعميق مفهوم المواطنة قد تدخل مصر تحت الوصاية الدولية وحينها ستخرج مصر من بوابة التاريخ.
وطالب فى حواره بضرورة اهتمام مصر بالبحث العلمى والتكنولوجى فيما سماه بالقطاع الرابع بعدما استخدمت مصر القطاعات الزراعية والصناعية والخدمية، مشدداً على أن هذا القطاع سيدخل مصر عصر الدولة القوية وليس الجمهورية الثانية لأن ما حدث فى 25 يناير أكبر بكثير من أن يدخلها مجرد جمهورية ثانية.
> كيف تقرأ المشهد السياسى بعد فوز د. محمد مرسى بمنصب رئيس الجمهورية؟
- باختصار لقد تم حصار حريق، ولكن لازالت الشرارة مشتعلة لأن الشهرين السابقين كان ترتيب الأمور بهما شىء من الصعوبة، وربما نواجه ترتيبات مضادة للاستقرار، وإما أن ننجح كما نجحنا فى حصار الحريق أو نجد أنفسنا أمام بوابة فوضى ولازال الأمر تحت السيطرة، ولكن هناك قطار أقلع ربما فى وقت متأخر وينبغى أن يصل إلى محطته.
> والمشهد الاقتصادى؟
- هو معلق بقضية الأمن، ونحن نقترب من ممر أصبح صعباً بسبب التراجع الشديد فى الاحتياطى النقدى، ولا نستطيع أن نتجنب احتمالات زيادة سعر الفائدة، فالمشهد الاقتصادى صعب وأصبح واجباً أن نخرج من بالوعة الحفاظ على سعر الجنيه بمزيد من ضخ الاحتياطى النقدى، ولا نستطيع المحافظة عليه إلا بارتفاع سعر الفائدة وهذا يجنبنا الارتفاعات فى معدلات التضخم.
> هل وصول رئيس ينتمى إلى التيار الإسلامى قد يؤثر على الاقتصاد أو خروج بعض رؤوس الأموال للخارج؟
- القضية ليست فى أن الرئيس ينتمى إلى أى تيار لكنها تكمن فى حل هندسة الدولة أصبحت واضحة ومرجعيتها الدستورية لم تتشكل بعد فى ظل حرب المعسكرات فى الداخل المصرى، أو على الأقل يوجد توافق عام حول قواعد اللعبة واحترامها فهذا هو الذى يؤثر وليس انتماء الرئيس إلى تيار بذاته، بما يؤثر فى مرتبة ثالثة أو رابعة من حيث ثقل التأثير إذا افترضنا وجود دولة مستقرة ومرجعيات دستورية نحتكم إليها فما الذى سيمنع الاستثمارات أن تتوالى؟!
> هل ترى أن مصر دخلت مرحلة الخطر الاقتصادى بتناقص الاحتياطى الأجنبى وارتفاع سعر الفائدة وعجز الميزانية؟
- نحن عند حافة الخطر، ومزيد من تواتر الوقائع على الإيقاع نفسه يأخذنا إلى ما وراء الحافة، لأن الترتيبات الأمنية خفضت نسبة الإنتاج إلى النصف وفى ظل الإشكالية الأمنية تعمقت جذور الاحتقان فى المجتمع المصرى وأشياء أخرى نستطيع استنتاجها.
> ومتى نقول إن الاقتصاد ابتعد عن حافة الهوية؟
- سياسات ترتبط بالاحتياطى النقدى وترتبط بنسبة العجز فى الموازنة.. وبالتأكيد نحن فى حاجة إلى قروض خارجية لكن بشروط أفضل وهذا ما يجب أن نسعى إليه، وتراجع نسبة العجز، وأيضاً تراجع معدلات زيادة الدين الداخلى فى زيادته وليس تراجعه كقيمة مطلقة.
> ما القضايا الرئيسية التى يجب حسمها فى منتهى السرعة للإصلاح الاقتصادى؟
- أولاً عودة الأمن وهى خطوة اقتصادية فى هذا الشأن، ثم تنشيط بعض القطاعات من بينها قطاع العقارات لأن سرعة دوران النقود فيه عالية، والقطاع التجارى الذى يضيف خدمة إنتاجية وتنشيطية يحتاج إلى بعض التضحيات ربما خفض نسبة الربح وهذا به نوع من الوعى الاقتصادى وهذا أفضل من الركود، وأيضاً توجد قيود على الائتمان فى البنوك المصرية، مع أن أحد ضمانات الابتعاد عن الحافة حتى الآن أن الجهاز المصرفى مازال قوياً، وأحياناً تبدو القيود على الائتمان تساعد على مضاعفة القوة داخل الجهاز المصرفى لأنها تحد من المخاطرة لكن إذا ازدادت القيود قد نصل إلى نقطة انقلابية ويتحول الأمان إلى خطر، وأيضاً نحن فى حاجة إلى ذكاء تسويقى فى تصريف المخزون الراكد بالبحث عن منافذ جديدة بها مستهلكون يقبلون هذه السلع.
> لكن قد تنخفض قيمة الجنيه المصرى فى الفترة المقبلة نتيجة لهذه المعطيات؟
- هذا صحيح وأتخوف من هذا.. مع أن انخفاض سعر الجنيه أمر طبيعى فى المرحلة المقبلة، ولكنه ليس من المستحب الآن ضخ احتياطى نقدى للمحافظة على مستواه، لكن رفع سعر الفائدة هو الخيار السيئ لكنه ليس الخيار الأسوأ، والتخوف يأتى من ضغوط قد يمارسها البعض للدفع فى اتجاه خفض الجنيه المصرى بدعوى أنه سيزيد من حجم الصادرات المصرية، وهذا لن يزيد الصادرات ولكنه سيترك آثاراً تضخمية خطيرة، والثقة فى الاقتصاد هى رأس المال وبالتالى قد نكون فى حاجة إلى تصنيف جيد من المؤسسات الاقتصادية الدولية ولكن علينا أن نؤسس على حقيقة وليس بالادعاء.
> كيف نستطيع أن نسوق الثقة فى الاقتصاد المصرى خارج حدودنا؟
- نستطيع أن نجد أصدقاء لنا فى هذه المرحلة ونجدهم فى آسيا، وكل ما هنالك أن نبحث عن وسيلة ما لنستعيد ولو جزءاً من الثقة فى الاقتصاد المصرى وهذا سيكون تأثيره جيداً جداً.
> هل ترى أن الموازنة العامة 2012: 2013 تلبى أهداف الثورة؟
- فى الثورات هناك قاعدة تقول: عندما يخرج الشعب فى ثورة لا يعود ويده خاوية، فلابد أن يعود وفى يده شىء بغض النظر إن كان هذا الشىء كبيراً أم لا.. المهم ألا يكون وعوداً.. وإذا استطاعت الموازنة أن تقدم للشعب شيئاً فى يده قد تكون خطت خطوة على طريق مطالب الثورة، وليست كل المطالب، لأن الثورات لا تحقق مطالبها فى عام ولكن يكفى أن يحصل الشعب على شىء فى يده.
> يوجد تخوف من الفجوة التمويلية التى وصلت إلى 228 مليار جنيه؟
- هذا التخوف فى حالة العجز هى موقف اقتصادى سليم ليس فى ذلك أدنى شك لأننا بسبب هذا العجز الذى وصل إلى 228 مليار جنيه قد نذهب إلى الخيار الأسوأ، وهو طبع البنكنوت الذى يصل بنا إلى التضخم الجامح والخيار الآن بين السيئ وهو الاقتراض وبين الأسوأ طبع البنكنوت وهو الكارثة الكبرى على الاقتصاد.. مع أننا لا نستطيع أن نتعامل مع القروض إلى ما لا نهاية.
> نسبة الـ15٪ علاوة والتى أقرها السيد الرئيس لم تحدد لها مصادر تمويل ورفعت باب الأجور إلى 140 مليار جنيه من أين سيتم توفير غطاء نقدى؟
- مصادر التمويل فى العلاوة قد يغطيها وعود بقروض أو مساعدات أو منح وقد نغطيها بالأسوأ بزيادة الدين الداخلى، أو طبع البنكنوت، فليست لدينا مصادر تمويل مطمئنة بدون شك، وأرى أن نسبة الـ15٪ هى معدل التضخم الحقيقى فى الاقتصاد المصرى، وبالتالى سنتعامل فى الاستثمار بسعر الفائدة السلبى بأن يكون معدل التضخم أعلى من فائدة البنك، واستمرار هذا الوضع يدفع إلى نوع من المراهنات والمضاربات لا يحتملها الاقتصاد المصرى.. وقد تتم مصادر التمويل بصورة أو بأخرى لمدة عام، ولكن بعد العام الأمر سيختلف، وقد نذهب إلى الأسوأ وهو التضخم الجامح.
> والتضخم الجامح سيزيد العبء على الحكومة القادمة لأنها ستحاول تفادى آثاره مع قلة الاستثمارات؟
- بالطبع لأن هذا معناه هروب الأموال من مصر، لأن طبع البنكنوت بنسبة 1٪ يزيد التضخم بنسبة أعلى فهى حلقة حلزونية لو دخلناها لن نخرج منها، وبالتالى الحكومة القادمة لابد أن تكون

حكومة تضم عقليات شديدة القوة فى حساب الحركة، وتمتلك موهبة رجل الدولة الذى يستطيع أن يخاطب الشعب بالحقائق فى ظل وعى أن الشعب لا يريد وعوداً ولكنه يريد شيئاً آخر ملموساً، وهو من يطرح له الرؤية والحوار ويمكن أن نذهب إلى خطة تقشف ويقبلها الشعب هذا إذا اقتنع بها ومنحوا الحكومة الثقة فى الفترة المقبلة.
> لك مقولة الخروج من مأزق الإخوان.. هل ترى أن مصر فى مأزق؟
- كان الحديث عن الخروج الآن من مأزق الإخوان مرتبطاً باقتراحى بالقوائم غير المشروطة كنظام انتخابات البرلمان لأن البعض كان يتخوف من حصول الإخوان المسلمين على أغلبية كاسحة، وبالتالى كانت هناك تدافعات فى الاتجاه المضاد وبعد 25 يناير أصبح واضحاً أن الإخوان المسلمين لا أحد يستطيع أن يقصيهم وكان الأمر بالنسبة للواقع المصرى وبعض القوى السياسية رأوا أن الإخوان فى مأزق وليست لديهم إجابات نهائية عن كيف يمكن دمج الإخوان فى المجتمع المصرى ففكرت فى القوائم المشروطة.
> وماذا عن هذا التوقيت؟
- الموقف الآن لا يمثل مأزقاً، والمشهد به رئيس تم انتخابه ومن قبله برلمان لم تحصل الإخوان فيه على أغلبية مطلقة وفروق الانتخابات الرئاسية ليست كبيرة، إذن مجمل النتائج ليس بها ما يمكن وصفه بالمأزق، لأن الإخوان لم يمنحوا أغلبية كاسحة.
> لكن يوجد مأزق سياسى، الإخوان وغيرهم طرف فيه؟
- هذا صحيح وحقيقى ولكن البعض يريد تضخيمه بأن يجعله أزمة لا يمكن تجاوزها، ونقطة الأزمة كل الأطراف شركاء فيها، مع أن نقطة ارتكازها ليست من صنع الإخوان المسلمين، فالذى رأى تقسيم مصر إلى معسكرين دينى ومدنى كان شريكاً فاعلاً فى الأزمة والتعديلات الدستورية نلاحظ أنها فيما هو إسلامى لم تتحدث إلا عن المبادئ للشريعة الإسلامية هى المصدر الرئيسى للتشريع وهذا يمثل توافقاً عاماً حتى لدى المسيحيين، إذن هى رؤية سياسية لم يشكلها الإخوان بل شكلها آخرون كانت فى موقع سلطة وهى نخبة مدنية!!
> كيف وأزمة التعديلات الدستورية قادها التيار الدينى بما فيه الإخوان المسلمين؟
- اللجنة التى شكلت للتعديلات لم تشكلها الإخوان ولم تشكلها قوى سياسية أخرى ولا المجلس العسكرى لأنه أصدر بها قراراً فقط!! والذى شكلها هو من تقدم بالأسماء للمجلس العسكرى.. ثم جرى تعديل بعض المواد ولم يذكر فى حينه أن هذا مقدمة لعودة دستور 1971، وظهرت نتائج الانتخابات فبدأ الحديث عن فك القيد عن دستور 1971، ولو عاد دستور 1971 كان لابد من إجراء الانتخابات البرلمانية وتسليم السلطة التنفيذية أيضاً إلى رئيس مجلس الشعب وفى هذا التوقيت تحديداً كان يمكن لقوى منظمة تنتمى إلى النظام القديم أن تحقق نتائج على الأرض إذا كانت هى المستفيد الأول من هذه التعديلات التى وضعت.
> من الذى وضع هذه الترتيبات؟
- أحد العناصر التى تنتمى للنظام القديم وكان لها صديق فى السلطة فى هذا التوقيت، ولذلك أقول إن الإعلان الدستورى الأول الذى أصدره المجلس الأعلى للقوات المسلحة حمى الثورة المصرية لأنه منع فى هذا التوقيت مجلس شعب ربما كان فيه فرصة لبعض رجال مبارك أن يتصدروا المشهد.
> وماذا عن الإعلان الدستورى المكمل الثانى الذى ترفضه بعض القوى الثورية والرئيس أيضاً؟
- لم يكن أحد يعلم فى الشعب المصرى ما اختصاصات رئيس الجمهورية الذى كان سينتخبه مع أن من حق الشعب أن يعلم ما هى اختصاصات الرئيس حتى لا يبدو الأمر وكأنه عقد إذعان وهذا المصطلح غير موجود فى قاموس الثورات ولكن كل الذين رفعوا الشعارات الثورية كانوا يقبلون بهذا وقبل الانتخابات الرئاسية بدأ البعض يتحدث عن عودة دستور 1971، وهذا كان السبب الحقيقى الذى دفع الإخوان المسلمين لتقديم مرشح رئاسى لهم، لأنه كان قد تم تقسيم المجتمع المصرى إلى معسكرين بفعل فاعل، وبدأ المعسكران يتبادلان هواجس الخوف فيما بينهما، إذا أجريت انتخابات رئاسية على صلاحيات دستور 1971 قد يأتى رئيس من المعسكر الأول فيقوم بتصفية المعسكر الآخر.. وقبل انتخابات الإعادة لم يكن أحد يعرف صلاحيات الرئيس ولابد من نجاح أحد المرشحين وفى عدم وجود إعلان دستورى مكمل كان سيطالب فوراً بكل صلاحيات دستور 1971، ومن بينها توقيع الاتفاقيات الدولية وكيف كان يمكن توقيع اتفاقيات دولية بينما لا يوجد دستور جديد للثورة، إذن كانت هناك ضرورة للإعلان الدستورى المكمل حتى تحدد صلاحيات الرئيس التى لا تصلح أن تكون بدستور 1971 بعد قيام ثورة 2011 التى قامت عليه، وعلى القوى الثورية التى ترفض الإعلان الدستورى المكمل أن تحدد لنا ما هى صلاحيات الرئيس.. وهناك فرق بين رفض الإعلان الدستورى المكمل وبين السعى لإسقاطه.
> بعضويتك فى اللجنة التأسيسية للدستور هل تختلف عن اللجنة الأولى التى أطلها القضاء؟
- تختلف لأنه تأكد لأعضائها أنهم فى مهمة لا تقبل التأجيل ولهذا فاللجنة قائمة بأعمالها طالما لم يصدر القضاء حكماً ببطلانها، وتمارس جهدها فيما أوكل إليها من مهام.
> هل وضعتم فترة زمنية لإنجاز مهمتكم؟
- أعتقد شهرين لأن المهمة من الصعب تأجيلها، وإذا حدث قد ينتهى الأمر إلى أن المجلس الأعلى للقوات المسلحة ووفقاً للإعلان الدستورى المكمل أن يشكل لجنة لإعداد الدستور.
> هل ستضع اللجنة دستوراً يلبى مطالب الثورة؟
- الدستور عمل إبداعى سيقوم به عدد محدود من الأفراد بنوع من التوزيعات فى العمل وفقاً لشكل من أشكال انتقاء القدرة، لتكون قادرة على ما يمكن وصفه بأفكار مسودة الدستور.. واللجنة التأسيسة ستناقش هذه الأفكار بالكلمة، وبند بند، لتضيف أو تحذف وتتساءل كما تشاء، لكن الأصل أن تكون مسودة الدستور قائمة حتى تستطيع اللجنة أن تقوم بعملها.. ولدينا (5) أو (6) إشكاليات تحتاج إلى شكل إبداعى ويحنها سنجد دستوراً يلبى مطالب الثورة ويحقق أهدافها.
> بالطبع مفهوم الدولة المدنية أهم هذه الإشكاليات؟
- دارت المعارك حول الدولة المدنية ولم يفهم الشعب شىء لأن الذين طرحوا تنظير الدولة المدنية لم يكونوا يسيطرون عليها وطرحوها على أنها معكوس الدول الدينية وتم إدارتها بأنها حرب معسكرات، واهتموا بالهجوم على الدولة الدينية أكثر من اهتمامهم بالدولة المدنية، ولم يوضحوا للشعب مفاهيمها، والمفترض عند الدفاع عن مصطلح لابد من تقديمه للناس قائماً بذاته وليس نفياً لشىء آخر، وبالطبع سوف تنتهى اللجنة أن هناك دولة مدنية وهى الدولة التى تفى بالتزاماتها تجاه مواطنيها، بل تكون مساءلة بالوفاء بهذه الالتزامات.. وهذه الدولة ليست مقطوعة الصلة بالدين طالما تنظر إلى الدين بنظرة أكبر بأنه يؤثم الخطيئة الاجتماعية مثل الفقر والفساد والتمييز.. إلخ، وعندما تطرح الدولة المدنية على هذا النحو فمن يعترض من أى تيار؟! وهذا سيظهر فى الدستور
بل ستكون مادته محصنة دستورياً.
> هل يوجد فى اللجنة محاولة هيمنة من التيار الدينى؟
- لا.. لأن فكرة وجود تيار دينى ما يرغب فى فرض إرادته على الآخرين لم تحدث.. لأن طرح المفاهيم فى السابق استخدمت كذخيرة سلاح فى حرب المعسكرات ولم تطرح مفاهيم معمقة الجذور كى نضعها بحيثياتها أمام الجميع إذا رغب أى فصيل أن يسيطر ويهيمن.
> لكن يوجد تخوف على مدنية الدولة والمحافظة على الهوية المصرية؟
- إذا اتفقنا الآن على مدنية الدولة نستطيع أن نتقدم فيها خطوات.. وأيضاً نستطيع أن نخص هوية الدولة دستورياً.. ولن يأتى فى الدستور أية مواد ضد هوية الدولة ومدنيتها، بل هناك ضمانة دستورية وإن لم تتوفر فلنخف على هوية الدولة المصرية، وتحديداً من مصطلح الجماعة الوطنية.
> لماذا؟
- لأنه عندما تقرر استخدام مصطلح الجماعة الوطنية بديلاً عن مقولة الشعب المصرى، وهذا بدأ فى السبعينيات كان ينبغى لنا الخوف على هوية الدولة المصرية، لأنه لا مكان داخل مواد الدستور لأى مصطلح عن الجماعة الوطنية بل يوجد مصطلح وحيد اسمه الشعب المصرى.
> قمت بدراسة الجانب الاقتصادى للخطة الاستراتيجية الإسرائيلية التى ستنقلها إلى مصاف الدول العشر الكبرى لعام 2028 هل لهذه الخطة تأثير على مصر؟
- هذه الخطة لن تحقق كل أغراضها ولن يستطيعوا المحافظة على معدل النمو السنوى الذى وضعوه.. إذن الهدف الكبير بتفاصيله مشكوك فى تحقيقه، ورقم الإنفاق العسكرى ونسبته التى أعلنت فى الخطة أقل من الحقيقة، ولكنها ستحقق نجاحاً نسبياً وهذا بسبب العلاقة الخاصة بين إسرائيل وأمريكا وتأثيرها على مصر سيكون لها ترتيبات أخرى فى المنطقة.
> وما هذه الترتيبات؟
- أولاً ستجعل المسافة بينها وبين مصر غير منظورة وهذا سيحرم مصر من استحقاقات القوة الإقليمية الكبرى، وإسرائيل ستسوق هذه الخطة كنموذج لدول المنطقة وهذا سيجعلها تضع قدم تأثير فى عدد من دول العالم العربى، وهذا سيحرم مصر من تأثير تراكم لديها عبر قرنين من الزمان وهذا خطر على مصر وعلى هويتها التى لن تتأكد إلا بمقولة الشعب، وهذه الخطة أكدت بالفعل أن «مبارك» كان كنزاً استراتيجياً لإسرائيل لأنها خطة شديدة الحساسية للغاز وتأمين الطاقة لإسرائيل من ضمان هذه الخطة ومن شروطها المسبقة، وهى خطة شرهة للطاقة، وإذا سيطرت إسرائيل على مصادر الطاقة ستسعى للسيطرة على مصادر القرار، وكل مساحة نفوذ تستطيع إسرائيل استقطاعها ستكون مخصومة من النفوذ المصرى، ولا أحد يعرف إلى أى مدى يستطيع النفوذ المصرى أن يتراجع ذلك مكمن الخطورة.
> وما الحل لمواجهة هذه التحديات؟
- هذه إجابات استراتيجية ولا تكون على المدى القصير، لأنه يوجد مصطلحات تخيفنى مثل الجمهورية الثانية، مع أن ما حدث فى 25 يناير شىء آخر يتجاوز الحديث عن الجمهورية الثانية، لأنه ليس من قبيل الصدفة قلت عام 2006 أن «مبارك» آخر حكام دولة محمد على، وأن ما حدث فى 2011 يتعلق بلحظة تاريخية عرفتها مصر منذ مائتى عام عندما جرى تأسيس دولة «محمد على» وهى نفس اللحظة التاريخية التى تتكرر الآن، فمصر أمام بوابة تاريخ تنشئ فيها دولة جديدة وليس جمهورية ثانية لأن الثوابت اختلفت ولم تعد كما كانت.
> ثوابت الموارد أهم السياسات؟
- ثوابت الموارد، فمنذ محمد على وحتى يناير 2011 ومصر تعتمد على موارد المكان مثل القناطر الخيرية، والترع والسد العالى، وقناة السويس، وفى الأواخر كان التوسع فى الصحراء مثل المدن الجديدة، ولكن فى المائة عام القادمة لن نستطيع الرهان على موارد المكان، وتوقيت الثورة العبقرى هو توقيت حاسم فى التاريخ المصرى، ولهذا لا يمكن أن نراهن على الموارد التى راهنا عليها طوال قرنين من الزمان.
> على ماذا نراهن إذن؟
- نراهن على البحث العلمى والمعرفة وهذا هو موردنا الجديد لمائة عام قادمة، وربما يمنحنا الحظ والتوفيق موارد جديدة، ولكننا لن ننتظر الحظ إذن ليست جمهورية ثانية لأنه لن يعود الصعيد ملحق فى الدولة بل سيكون إقليماً فى الدولة، ولن تكون الديمقراطية قيمة ثانوية بل قيمة أصيلة فى المكان، ونتابع بعد ذلك كل ثوابت ومفردات الدولة الجديدة وتلك قصة تاريخية مختلفة، لأن مصر بعدما عرفت 3 قطاعات فى الاقتصاد: القطاع الزراعى والقطاع الصناعى وقطاع الخدمات فلابد فى الدولة الجديدة أن تعرف القطاع الرابع، وهو قطاع إنتاج الأفكار والتكنولوجيا وخطة إسرائيل الاستراتيجية لعام 2028 تعتمد على الرابع الذى لابد أن نسعى إليه.
> وكيف ستدور الحرب الباردة مع إسرائيل فى هذا الشأن؟
- سنتعامل مع إسرائيل ونرد عليها بالدولة الجديدة وليس بالجمهورية الجديدة، والدولة القادرة على أن يكون القطاع الرابع هو المورد الجديد للمعرفة، ثم نبدأ مسيرتها لبناء مصر كقوة إقليمية كبرى فى القرن الجديد، وهذه هى الإجابة التاريخية ولتحقيق هذا نحن فى حاجة إلى نخبة جديدة لأن النخبة التى كانت موجودة قبل يناير 2011 لم تقم بدورها وانتهى عمرها الافتراضى.
> لديك معلومات عن قناة السويس تؤكد بيعها أو رهنها من قبل النظام السابق؟
- نعم كان هناك اتجاه لخصخصة قناة السويس وكانت آخر ما يتم خصخصته فى مصر الآن خصخصتها كان سيوفر تداعى نسب مؤسسة الفساد قبل 25 يناير 2011 والتى كانت تسيطر على 25٪ من الناتج القومى المصرى وهذه أحد الأسباب التى أثارت تساؤلاً وخلفت وراءه إجابة حائرة، لماذا وصل معدل النمو إلى 6٪ ولم يشعر به الشعب؟ وهذا بسبب نسبة الـ25٪ التى كانت تحصل عليها مؤسسة الفساد والـ75٪ الباقية توزع على باقى الشعب بمن فيهم الفاسدون أيضاً وهذا كان بالنسبة لهم مثل الريع لأن معدلات نمو مؤسسة الفساد فى مصر كانت 10٪ سنوياً، ولو واصلت هذه المؤسسة نفس معدلات نمو مؤسسة الفساد لسنوات قادمة ما بعد 2011 فمن أين لها بتمويل نمو الفساد.. فكان من أساب تمويل الفساد خصخصة قناة السويس ولهذا كان هناك حديث حول البيع أو الرهن بدأ فى عام 2004.
> لكن هذا تهديد للأمن القومى المصرى؟
- نعم ولهذا ارتبط بمقايضة الأرض ما بين مصر وإسرائيل وغزة على أرض سيناء، وخصخصة القناة يخرجها من السيادة المصرية وستصبح خطاً فى الداخل المصرى بواسطته يستطيع آخرون أن يضيئوا عليه إشارات حمراء تمنع اختراق الأمن القومى فى سيناء.
> كيف؟
- لأن بخصخصة القناة لن تستطيع مصر أن تعلن إغلاقها ولا حتى نقل قواتها المسلحة إلى سيناء فى حالة حدوث أخطار، وستصبح قناة السويس حدود الأن القومى بعد مقاصة الأراضى وما ينتهى إليه الأمر، وهناك أحاديث شارك فيها البعض حسب ما قيل أن جزءاً من سيناء سينضم إلى غزة الكبرى، ومصر تحصل على جزء بديل فى النقب، وهذه ستكون الحدود الجغرافية لكن قناة السويس ستصبح حدود الأمن القومى لأننا لن نستطيع عبورها بحثاً عن أمن مصر القومى أو تأمينه فتستطيع إسرائيل أن تفرض مقاصة الأراضى ولهذا خصخصة قناة السويس خط أحمر وبعد 2011 أصبحت خطاً أحمر كثيف الظلال.
> ولكن بعد 25 يناير دار الحديث أيضاً عن إمكان بيع قناة السويس إلى قطر؟
- أياً من كان فى مصر لا يمكنه التحدث بشأن التفريط فى قناة السويس بغض النظر من هو الطرف الذى يتحدث بشأنه.
> ما السيناريو القادم إذا لم تنهض مصر بثورتها؟
- فوضى بلا عودة وستخرج مصر من بوابة التاريخ ويتم التتابع بهذا الشأن وتختفى مقولة الشعب تماماً من مصر، مع أنها من الجمل السحرية، وجمل الشفرة فى التاريخ المصرى، لأن لحظة الانتفاء تعنى غياب الوعى بالوطن وحينها يمكن أن نتصور سيناريوهات لهذه المنطقة.
> شكل هذه السيناريوهات؟
- سوف تعود المشكلة الطائفية أقوى وأعنف مما كانت عليه، وسوف ترتفع دعوات الانفصال بالصعيد ولا أقصد انفصالاً لدولة قبطية بل يعود الصعيد إلى وضع ما قبل «محمد على»، حيث لم يكن تحت السيطرة الكاملة للدولة المصرية، وبعض أجزاء الدولة المصرية ستخضع لمنطق الإدارة المشتركة وتحديداً سيناء، وأيضاً لا نستطيع تجاهل أن الصحراء الغربية تم ضمها لمصر أول مرة عام 1824 ولم يتعمق فيها مفهوم المواطنة وفى ظل مشاريع تجزئة ليبيا والصحراء الغربية هى الامتداد الطبيعى للشرق الليبى، إذن سوف نجد مصر تحت الوصاية الإقليمية والدولية بشكل مباشر أو غير مباشر.
> تقصد تقسيم مصر إلى طوائف؟
- نعم وهذا ما قاله اللورد كرومر عندما أرسل إلى وزارة الخارجية البريطانية يصف الوضع فى مصر فقال: أهالى مصر هم طوائف ووصفها وعددها وأكمل حتى يصبحوا أمة فإن هذا لم يحدث ولن نراه فى المدى القريب ولكن فجأة اندلعت ثورة 1919، وكانت من أهم الثورات فى تاريخ مصر لأنها نفت مقولة «كرومر» الذى توقع عدم وجود شعب، وهذا ما حدث فى 25 يناير، لأن كل ما حدث من تفسخات طائفية على الأرض وتقسيم مصر إلى معسكرين كان محاولة لاغتيال مفهوم الشعب، وإذا تم هذا الاغتيال فسنعود إلى مقولة «كرومر» وإلى القرن التاسع عشر.
> يوجد تشابه بين ثورتى 1919 ويناير 2011؟
- إذا قارنا بين الثورتين نجد مفارقة مدهشة مثلاً قبل ثورة 1919 كان يوجد من يقول: لا يوجد شعب مصرى، فظهر الشعب المصرى فى ثورة 1919، وفى 25 يناير كان يوجد شعب صنع ثورة ولكنه اختفى بعدها، والهدف هو تقسيم مصر إلى معسكرين والأطراف السياسية ربما لعبت أدواراً لكن من الذى وضع الخطة؟ لأنه بالطبع لم يكونوا هؤلاء الأطراف.
> هذا يقلق؟
- نعم لأنه لو فشلت الثورة فيعنى سقوط مفهوم ومصطلح الشعب، والارتداء الفئوى والطائفى للشعب المصرى وخروج مصر من التاريخ.

أهم الاخبار