رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

الجوادى: قلب مصر يحتاج إلى "منظم"

حوارات

الثلاثاء, 29 مايو 2012 15:13
الجوادى: قلب مصر يحتاج إلى منظم
أجرت الحوار: ميرفت السيد

ونحن على أبواب الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية، نحاول قراءة بعض الملفات المهمة لتصحيح المسار القادم، فقد أكد الدكتور محمد الجوادى المفكر والمحلل السياسى

كيف أن القوات المسلحة كانت خطاً أحمر قبل ثورة يناير، وأن الخلاف الظاهر بينها وبين بعض الفئات نتيجة لأنهم لم يتدربوا للتعامل مع الشعب!، وكيف أنها لجأت للإخوان كقوة كبرى، لكن الآخرين لم يتعودوا على الحياة بعد على سطح الأرض، بل حياتهم منظمة أكثر تحت الأرض، وعن قانون دور العبادة الموحد، أكد أنه قانون هلامى وضع ليثير المسلمين والأقباط فى عهد مبارك، وعن الصناديق الخاصة أكد أنها صنعت من أجل أصحاب النفوس وهى سياسة التنتيش من المواطن البسيط.
آراء أخرى جريئة وأفكار عن ملفات مغلقة نفتحها من خلال هذا الحوار مع المفكر والأديب وطبيب القلب الدكتور محمد الجوادى.
< من هو الدكتور محمد الجوادى؟
- أستاذ طب وأديب مصرى، أستاذ أمراض القلب، تنوعت كتاباتى ما بين كبار القادة العسكريين إلى بعض الكتابات الإسلامية الأدبية والسياسية، أيضاً أنا عضو مجلس إدارة المكتب العربى للشباب والبيئة، حصلت على مجموعة جوائز، جائزة مجمع اللغة العربية والدولة التشجيعية عن كتاب «مشرفة بين الذرة والذروة»، «كيف ترى مصر فى الوضع النووى الآمن»، «الاستخدام الآمن للذرة»، أيضاً كتب «مايسترو العبور»، «المشير أحمد إسماعيل»، «سماء العسكرية الشهيد عبدالمنعم رياض»، «الدكتور على باشا إبراهيم.. إيد من حديد»، «رحلات شباب مصر»، وغيرها.
< بصفتك طبيب قلب.. كيف ينبض قلب الشعب المصرى الآن وهو مقبل على أول تجربة انتخابية رئاسية؟
- قلب الشعب المصرى الآن يعانى من كثير من الاضطرابات النظمية بمعنى أنه لا ينبض نبضاً طبيعياً، وإنما يعانى من ضربات زائدة فى بعض الأحيان، وضربات ناقصة فى بعض الأحيان، وضربات شاذة فى بعض الأحيان، بما يسمى الوتيرة غير الطبيعية، ذلك لأنه حدثت أحداث متعاقبة، لم تكن فى توقع أحد أن تحدث على هذا النحو، وحين كانت القوات المسلحة قبل ثورة يناير بمثابة الخط الأحمر لا يجرؤ أحد على المساس بها، أصبحت بعد شهرين من هذه الثورة مثار أخذ ورد من الجميع، وتحول اسمها من القوات المسلحة إلى «العسكر»، كما تحول اسم المجلس الأعلى للقوات المسلحة إلى «المجلس العسكري» أو «إسكاف»، وكثيرون يتحدثون عما يتوقعونه، وكان ما يتوقعونه أكثر من إمكانيات المجلس العسكرى وإمكانيات دولة لكنهم تصوروا أن الدولة لابد أن تكون على مستوى الثورة، كما أن الثورة قد حققت المستحيل، فلابد للدولة أو للجهاز الذى يتولى شئون الدولة بعد الثورة أن يحقق المستحيل أيضاً، وهنا ثارت بعض الأكاذيب التى قدمت للشعب على أنها حقائق من قبيل أن ثورة 52 استطاعت بعد فترة وجيزة أن تنجز قانون الإصلاح الزراعي، لأن قانون الإصلاح الزراعى حوَّل كل المعدمين إلى ملاك، بينما كانت المسألة رمزية إلى حد كبير، لدرجة أن الذين وزعت عليهم الأملاك فى الإصلاح الزراعى وزعت عليهم العقود فى حفلة واحدة، لكن الضجيج الذى صادف عهد ثورة 52، وصور إنجاز رمزى من إنجازاتها على أنه إنجاز كبير، فرض على الشعب المصرى أن يتصورها أنها حققت المعجزات، ومن ثم كان الناس يتخيلون أنه لابد من معجزات جديدة، ومع وجود الإعلام وسطوته وتعدد وسائله، كان من الصعب أن تمرر أكاذيب جديدة، أو أن يسكت أحد عن الأخطاء، ولهذا فإننا قبل أن يمضى شهر على ثورة يناير، بدأنا نسمع عن انتقادات واضحة ومحددة ومهيكلة موجهة ضد المجلس العسكري، ونحن الذين نحسن الظن بأداء القوات المسلحة لا نكاد نصدق أن يتم مثل هذه التجاوزات، ولكن ثبت أن التدريب على الانضباط أهم من الانضباط نفسه، وهذا ما حدث للقوات المسلحة كانت منضبطة فى داخلها، فلما خرجت إلى الشارع والحياة السياسية، لم تستطع أن تصحب معها الانضباط الذى كان يلازمها فى الوقت الذى كانت فيه بالمعسكرات، ولم تستطع أن توفر لنفسها فرصة التدريب، بحيث تدرب من سيتعامل مع الشعب، قبل أن يتعامل مع الشعب، وهكذا وجدنا قادة متعددين من القوات المسلحة، وكل منهم يظن نفسه قادراً على أن ينهى حالة الفوضى الأمنية والانفلات الأمنى أو حالة الاعتصامات، بمجرد الخروج بقوته إلى الشارع، حدث هذا مع قائد الشرطة العسكرية، ومع قائد المنطقة المركزية، وقائد المظلات، ومع قائد الجيش الثانى، وأثبتت التجارب أن هذا الأسلوب لا يصلح للشارع على الإطلاق، وأنه يسبب من المتاعب أكثر مما يسبب من ضبط للأمور، ومن ثم فقد أصبح على القوات المسلحة أن تعيد النظر فى أمورها، فلما لجأت إلى القوة الكبيرة فى الشارع من الإخوان المسلمين، وجد أن الإخوان المسلمين، لم يتعودوا بعد الحياة على سطح الأرض وإنما هم قد تعودوا الحياة المنظمة تحت سطح الأرض، ومن ثم أصبحنا أمام طوائف متعددة، كل طائفة تحاول أن تضبط الأداء، تجد أنفسها غير مهيأة لهذا الأداء.
جاء السلفيون وجاءت معهم فكرتهم عن ترك الأمور على طبيعتها المجردة، وكأنهم يتصورون أن الحياة يمكن أن تعود إلى البساطة التى عاشوها فى حياتهم وإلى الابتعاد عن التعقيد، بينما الحياة معقدة إلى أبعد حد لا يكاد يستقيم فهمها باستقامة، إنما هى دوائر متراكمة فوق بعضها، من ثم أصبح القوات التى تحارب بعضها البعض من السلفيين والليبراليين والإخوان المسلمين والعسكريين وفلول النظام القديم لا تجد منهجاً للتعامل فى داخلها ولا منهجاً للتعامل مع الآخرين به، ومن ثم اضطرب النظم القلبى ولم تعد هناك ما يسمى فى علم القلب بصانع الألعاب، بفقدان صانع الألعاب هذا يقتضينا للبحث عن جهاز منظم لضربات القلب وهو ما تحتاجه مصر الآن.
< وزارتا العدل والإسكان توافقان على إصدار قانون دور العبادة الموحد؟ ما تعليقكم على ذلك؟
- فى حقيقة الأمر أن دور العبادة الموحد ليس إلا تعبيراً هلامياً من التعبيرات التى صيغت فى فترة الرئيس مبارك، ليثير المسلمين والمسيحيين معاً بطريقة تجعلهم يثورون فى داخلهم ولا يستطيعون أن يعبروا عن هذه الثورة، لأنهم إذا عبروا عن هذه الثورة وهزأوا بهذا المسمى وهزأوا بهذه الفكرة أصبحوا من أعداء الوحدة الوطنية ومن أنصار الفتنة الطائفية، لكن لا يعرف العالم كله أسلوباً للتعامل مع دور العبادة على أنها شيء واحد، وإذا طبقنا هذا الأسلوب سيكون فيه من الظلم لإخواننا المسيحيين والأقباط أكثر مما

يتحملون، لأننا إذا حسبنا مساحات الأديرة التى تشغلها الأديرة على مستوى الجمهورية لوجدنا أن دور العبادة المسيحية تفوق فى مساحتها ما خصص لدور العبادة الإسلامية، فهناك دير لوحده يماثل مجموع الجوامع فى مصر، ولو أننا حسبنا هذه المساحات، وقلنا للأقباط إنكم تتمتعون الآن بأكثر مما يتمتع به المسلمون، فاصبروا حتى يصل المسلمون إلى المعدل الذي وصلتم إليه، وكان بناء الكنائس أبراجاً كثيرة خرسانة كثيرة وشبابيك صغيرة وهذا لحماية الكنيسة مما يتصور أن تتعرض لعدوان، بعد أن تطورت الحياة في الأربعين عاماً الماضية، وكانت النتيجة أن أصبحت هذه عبارة عن سجون، لأنها شديدة الحرارة بالداخل وشبابيكها صغيرة للغاية، ولو انقطعت الكهرباء لأدت لاختناقهم، وقد حدث وقلتها مرة علي الهواء «بعد إحدي حوادث إمبابة حادثة كنيسة» وإذا الدولة ما لحقتش وخرجت الناس فإن الذين يموتون من الاختناق أكثر من الأحداث.
كان المسلمون يتسامحون مع هذا ولا يزالون يتسامحون مع هذا لكن زيادة الاستقطاب الذي خلفته أجهزة الدولة بين هؤلاء وهؤلاء من أجل تطبيق سياسة «فرق تسد» هو الذي جعل الأقباط ينظرون إلي الأمر علي أنه لابد أن يكون لهم، هذا المبني في كل شارع وكل حارة، علي سبيل المثال بينما هذه المباني تكلفهم من الطاقة والصيانة والحراسة وهم لا يلجأون إليها إلا يوماً في الأسبوع، علي عكس المساجد التي تفتح خمس مرات ولهذا في العالم كله، وعلي سبيل المثال في أمريكا، ليس غريباً أن تجدي كنائس تباع من آن لآخر وتخصص بعد ذلك لمستشفي أو مسجد أو لمتحف أو أي شيء من ذلك لأنهم إناس عمليون، يعرفون أنهم يحتاجون الكنيسة يوماً واحداً في الأسبوع يؤدون فيها الصلوات ويحتاجونها من آن لآخر في تشييع الجنازات أو إقامة صلاة الوداع للموتي، أما في مصر فقد تحولت الفتنة الطائفية إلي أن تجعل الكنيسة مجتمعاً آخر، وقد كنا نقدر المسيحيين في هذا لأنه في بعض الطوائف المسيحية قليلة العدد وليست هناك فرصة للمعرفة للشبان والفتيات، من أجل تنمية علاقات حقيقية تنتهي بهم إلي علاقة مشروعة وهي الزواج إلا من خلال وحدات الكنيسة لكنها في وسط مجتمعات كبيرة يعيش فيها الناس مثل شبرا وعين شمس، لا ينبغي لنا أن نحصرهم في كيان كبير، لأنهم في الكيان الكبير يأخذون مكانهم الطبيعي، أما في الطوائف الصغيرة فإننا نستطيع أن نتصور ضرورة أن يكون لهم مجتمعهم كالأرض وغيرهم.
< ما رأيكم حول قرار مجلس الشعب بضم الصناديق الخاصة إلي الموازنة العامة وقيمتها 150 مليار جنيه، كيف يعود ذلك بالخير علي الشعب كله؟
- الأفضل ألا تؤخذ من الشعب المصري منذ البداية لأن الصندوق الخاص علي سبيل المثال صندوق في كلية الطب يأخذ من السيدات اللواتي يتوجهن لقسم النساء لعمل تحاليل، فإذا تشارك في الفلوس التي تدفعها، يأخذ منه أستاذ النساء وأستاذ التحاليل وعميد كلية طب وعميد كلية علوم ورئيس الجامعة، وإذا أجرت السيدة التحليل من البداية مجاناً فلن توزع هذه الصناديق وتكون الأموال متوفرة للشعب بالفعل، لكن كل الصناديق الخاصة أقيمت أصلاً لتكون موارد للناس أصحاب النفوذ أن يأخذوا مكافآت خارج الإطار الطبيعي، فتلغي كل هذه الصناديق ومثلاً من ضمن الصناديق الخاصة، فمثلاً تجد السائق يقف ليدفع «كارتة»، إذن الاتجاه العالمي أن تدفع الرسوم فتعود إلي الناس بطريقة أفضل أما أن تضم إلي موازنة الدولة.. فإن الناس تسرق بعضها بهذه السرقات وتقنن ذلك من خلال صناديق خاصة وتوزع المكافآت التي تدفع راتب رئيس الجامعة مثلاً من 10 آلاف جنيه إلي أضعاف ذلك، لأنه يأخذ من السبعين صندوقاً، ونستطيع أن نقول إن الصناديق الخاصة هي فلسفة «التنتيش» «أنك تنتش من الناس أموالاً علي جنب ثم تقسمها»، فمثلاً: لو قمت بزيارة لمريض «ولم أدفع التذكرة» فهذا يزال عن عامل «التنتيش» أو الدفع المجبر، والذي يحول لأموال توزع علي جيوب العاملين كل حسب درجته، وفي النهاية المواطن الغلبان هو الذي يتحمل ذلك، فلماذا لا نرفع ذلك عن كاهله قبل أن نفكر أن نعيد إليه أمواله من خلال الصناديق وفكرة ضمها للموازنة وسبق أن دفعها المواطن البسيط، ويجب إلغاؤها نهائياً لأن كلها ليست لها قيمة حقيقية غير أنها تحقق موارد للناس علي حساب آخرين، لبعض الناس، ولذلك قصة الصناديق لايريد أحد أن يأخذ بها قرار فهي عبارة عن سياسة «تنتيش»، سياسة أخذ أموال بالتجزئة في ظروف قاسية علي البشر من أجل إعادة توزيعها في ظروف ميسرة للآخرين.
< لا يزال قانون العزل السياسي حائراً بين الدستورية وفي أدراج المحاكم، ما بين الموافقة والإلغاء تارة وإعادة المناقشة تارة أخري، لمصلحة من؟
- قانون العزل السياسي.. هو قانون مضبوط جداً ومطلوب تطبيقه بالفعل، معني قانون الغدر أنه شيء لم يكن مؤثماً بالقانون الموجود ولكن بعد أن ثبت من ائتمنته يسرقك، فهذا غدر.. إذن الغدر هو عقوبة لإجرام جاء من إنسان لا يتوقع منه أن يغدر، ولذلك تطبق بأثر رجعي.. إذن نحن نبني أنظمتنا في الحياة علي توقعات وعلي إمكانيات وتأملات سابقة، فإذا جاءت لحظة وجاء الغادر بأنه يعرف إمكانياتنا والغدر في النطاق الضيق يمكن حصره، لكن الغدر في النطاق الكبير لا يمكن حصره، ومن ثم كانت هذه القوانين تطبق بصفة شخصية بل ينبغي لها أن تصدر بتحديد الاسم، وحدث هذا في نهاية عهد الرئيس نيكسون، الذي تم حمايته لكن تم محاكمة كل من حوله بمن فيهم
النائب العام لأنه لم يبلغ عن جريمة نيكسون وقتها، ويعتبر أنه غدر.
< هناك أحداث عديدة من خسائر فادحة في موارد البلاد الرئيسية مثل حرائق بميناء السويس وبورسعيد.. وما إلي ذلك من هدم مقصود للاقتصاد المصري؟
- من الواضح أنها ثورة مضادة وإن اختلفت صور طبيعة الثورة وأدوات التنفيذ، لكنها ثورة مضادة في بدايتها ونهايتها، وإن اختلفت أدواتها وطرق التنفيذ، والأهداف التي يصوبون تجاهها الخسائر، في محاولة لوأد الثورة.
< هل هناك موارد اقتصادية أخري موازية لقناة السويس؟
- نعم، لدينا العديد من المجالات التي يمكن أن تسهم في زيادة الدخل مثل المجالات الخاصة في الصحة وفي التأمين العلاجي والصحي، ليس للمصريين وإنما للمصريين المقيمين في الخارج والعرب، بل أكثر من هذا أن سياحة الشتاء هي المصدر الأول الذي يمكن أن تغطي الدخل الذي تقدمه قناة السويس بمراحل.. وأؤكد أننا لا نزال نعيش علي إنجازات الخديو إسماعيل.
< نتابع جميعاً المعارك الانتخابية الدائرة.. والأساليب غير اللائقة أحياناً في ردود المرشحين التي تنم عن بعض الشخصيات الضعيفة؟
- عندما قرأت برنامج المرشحين واستمعت إليهم وحضرت مناظرة وعلقت علي ما دار فيها، قلت إن برامج المرشحين جميعاً تنبئنا بأنه إذا كان ترتيب مصر في المرتبة الـ 124 مثلاً في تقرير التنمية البشرية، لهذا العام فإنها في ظل هؤلاء الرؤساء لن تتعدى هذا الرقم ولن تتقدم، ذلك أنه ليس هناك خيال ولا تصور ولا ابداع ولا تفكير في ادخار أو تنمية، نحن إذا أردنا أن نغير سكننا فإننا نوفر من قوتنا وقوت يومنا ولا نلبس الجديد حتى نكمل المبلغ الذي سندفعه ثمناً لشقة جديدة، نحن إذا أردنا أن نغير السيارة فإننا نضغط على أنفسنا في نفقاتنا، هذا بدون ادخار، بمعدل لا يقل عن 30٪ لا يمكن لمجتمع أن يحقق أي مقدار من التنمية ومن المؤسف أن جميع المرشحين لا يعرفون هذه الحقيقة بل إنهم لا يعرفون قصة الادخار من أولها، هم يبحثون عن ديون عن طرق المرشح أحمد شفيق، أو عن معونات عن طريق المرشح عمرو موسى أو عن شراكات مع الأستاذ محمد مرسي، لكنهم لا يطالبون الشعب بالادخار ولا يطالبون الشعب بأن يدخر لنفسه ولا يطالبون الشعب بأن يرتفع بمستوى معيشته او يطالبون الشعب بأن يفكر كل انسان فيه أو أن يستمتع بوقته في الصيف في أوروبا كما يستمتع بالعمرة والحج، ولكن انهم يريدون للناس أن يظلوا يعيشون عشر سنوات في الخليج من اجل أن يحققوا ما يمتلكون به شقة، وبعد السنوات العشر وجدوا الشقة قد ارتفع ثمنها فيعودون مرة اخرى الى الخليج، فيضيع عمرهم كله في بناء شقة، هى في النهاية مجموعة من الزلط والطوب والحديد! يكسب فيها المقاول الذي انشأها اكثر من عشر أضعاف سعرها، ولا يجد المصري منفذاً لانفاق أمواله أو الحفاظ على قيمتها الا في تضييع هذه القيمة في الثروة العقارية وقد قلت مراراً وتكراراً، إن المساكن التي بنيت في عهد مبارك في الثلاثين عاماً الماضية، تفوق أي انجاز تحقق في أي دولة اخرى، بل على مستوى العالم ومدى التاريخ كله منذ أن خلق الله الأرض وما عليها وقد بنى في هذا العهد، عهد مبارك من الوحدات السكنية، ما يوازي عدد سكان مصر لكنها أغلبها إما مغلقة وإما من يمتلك عشر واحدت، ومن يمتلك مدناً كاملة وعمارات لم تسكن وإما مغلقة بسبب القانون القديم، كما لو أن البركة نزعت من حياتنا وأودعت في الرمل والزلط والحديد والخرسانة.
< ارتفاع معدل البطالة من 7٪ الى 14٪ وتراجع الاستثمار الحكومي والقطاع الخاص؟
- من المؤسف أن برامج المرشحين للرئاسة تركز على فكرة أن يكون المصري سلعة يتاجر بها في الخارج، مع أنني أعتقد أن واجب الرئيس القادم أو بعد القادم، هو أن يجعل المصري في وضع لا يقبل معه العمل في الخارج إلا إذا خرج في مهمة خبير بدرجة وزير: أما ما عدا ذلك فأولى به بلده، سواء في ذلك كان مزارعاً أو فلاحا أو عاملاً، ذلك أن المصريين يبحثون عن العمل بالخارج لأن الأجور بالداخل متدنية، ليس لأن الدخل القومي ضعيف ولكن لأن السرقة به كبيرة، ويكفي أن مصر هى ثالث الدول العربية من حيث دخلها القومي بينما هي الدولة قبل الأخيرة من عشرين دولة من حيث متوسط دخل الفرد، وهذا ليس نتيجة لكثرة عدد سكانها وإنما لكثرة عدد السارقين والمنفقين والمبذرين فيها، ترين صحفاً تصدر وإذاعات ومحطات فضائية تنفق أموالاً بينما لا أحد يقرأ أو يشاهدها، وهى تزعم أنها مقروءة ومشاهدة تصدر كل وزارة من الوزارات مجلات متعددة تذهب فوراً الى بائع الفول السوداني وتنفق عليها أموالاً طائلة ولا يحدث هذا في أي دولة من دول العالم، كل هذا لأن القرارات والندوات، كلها انفاق بلا رقيب  يستنزف ويظن بعض الناس أنهم ينفقون لأنهم يحققون بذلك مكسباً بينما هم يسرقون جهد انفسهم وجهد الآخرين ولا يحققون قيمة مضافة الى مصر.
< الاستشاري يدعو العسكري لمنع تدخل البرلمان في القوانين الدستورية؟
- كلها سياسات عابثة، أن الذين ساعدوا العسكري منذ البداية في وضع الدستور أصحاب غرض ومن ثم فقد اتضحت أغراضهم مع الوقت، وتمخضت أفعالهم عن نصوص قانونية غير سليمة.
< لماذا تكون أزمة مصر في مواردها البشرية؟!
- هناك كثيرون يظنون أن نبوغهم في شىء بسيط كفيل لهم أن يكونوا رؤوس الموضوعات، ومن ثم فإنهم يلجأون إلى الفجر والعبث والالتفاف والتملق من أجل أن يصلوا الى أشياء سيصلون إليها لو عملوا لها بجد على مدى تاريخهم، أما ان يتصور الانسان أنه لابد له من سلم ووصولية وانتهازية فذلك لا ينتهي بالمجتمع الا الى حالة الضياع ولهذا تحرص المجتمعات جميعاً على أن تكرم الرائد الحقيقي والمفكر الحقيقي والعالم الحقيقي والاقدم الحقيقي! وأن تجعل من كل عميل في تخصصه مدرسة للناس وقبله حتى يتعلم الناس أن يصلوا لما وصل اليه، لكن أن تأتي بمهندس ترتيبه بين المهندسين رقم 100 ألف وتجعله هو الوزير المسئول أو تأتي بشاب ليس له علاقة بالنجاح وتجعله الوزير المختص وذلك مما يهز قدره النفسي وتجعله يندفع الى الانتهازية وينظرون الى الانسان المثالي نظرتهم الى «الأهبل» أو العبيط أو الذي لا يعرف طريق النجاح.
< كيف يمكن أن نحقق الرخاء للمواطن البسيط ونطبق الفكر التنموي الذي نادت به كل خطب المرشحين؟
- زمان كان الجنيه المصري يساوي «جنيه ذهب» أو أكثر لأن الجنيه الذهب كان 97.5 قرش، معنى هذا أن الموظف الذي كان يتقاضى جنيهين كان مرتبه يساوي ما قيمته 15 ألف جنيه ولهذا كان قادراً على أن يدخر من مرتبه ما يشتري به أرضاً زراعية فدادين أو قراريط أو يبنى به بيتا يعود عليه ايجار شهري، والآن لا يمكن الحديث عن تنمية مستقبلية دون حديث عن سياسات إدخار كل مواطن في العالم المتقدم، وفي مصر أيضاً على المستوي الشخصي يدرك ضرورة الادخار من أجل تحسين حالته لكن برامج الرئاسة لا تتحدث عن الادخار باعتباره وسيلة مصر الأولى نحو تنمية حقيقية وكأننا سوف نعيش على المعونات والمنح.
< أين تقف مصر الآن بين الدولة الدينية والدولة العسكرية؟
- الدولة الدينية هي أحد الوجهين المعروفين للدولة المدنية والوجه الآخر هو الدولة العلمانية اما الدولة العسكرية فهي النقيض التام للدولة المدنية بوجهيها المدني والديني، ومعظم الذين يتحدثون عن الدولة المدنية يستهدفون تفريغ مشاعر قديمة في اتجاه التقرب الى السلطة حين كان مثل هذا الحديث يجلب المغانم خوفاً من تطبيق الاسلام، والوضع اختلف الآن ولم يطور هؤلاء حديثهم وبهذا أصبحوا في مأزق معادة الاغلبية وهم يتغلبون على هذا المأزق بأن يسبوا الجماهير مهتمين أهلهم بالجهل والفقر الذي يجعلهم يقبلون كيلو سكر وكيلو زيت ولم يسألوا أنفسهم ماذا فعلوا من أجل هؤلاء الأهل.
 

أهم الاخبار