زيدان : مهمة العسكر الدفاع عن الوطن لا الحكم

حوارات

الأحد, 06 مايو 2012 18:00
 زيدان : مهمة العسكر الدفاع عن الوطن لا الحكم
حوار - ممدوح دسوقي:

د. يوسف زيدان روائى فيلسوف إسلامى باحث ومتخصص فى التراث العربى والمخطوط وعلومه.. حصل على الدكتوراه فى الفلسفة الإسلامية 1989، ثم درجة الأستاذية فى الفلسفة وتاريخ العلوم 1999.

ناقد روائى وأدبى له العديد من المؤلفات فى التراث العربي، بالإضافة إلى مؤلفاته الروائية.
فازت رواية «عزازيل» بأهم جائزة أدبية فى الشرق الأوسط وفى العالم العربى وهى «الجائزة العالمية للرواية العربية».. أكدت «الجارديان» أن «عزازيل» هى أهم عمل صدر فى الغرب خلال هذا العام.
صاحب موسوعة «الشامل فى الصناعة الطبية» عمل مستشاراً لعدد من المنظمات المهمة ومنها مكتبة الإسكندرية.
< كيف ترى المشهد المصرى الآن؟
- المشهد المصرى مضطرب وسيظل على هذا النحو لفترة طويلة قادمة ولا يعلم أحد متى سينتهى، أو ما هى نتيجة هذا الاضطراب لأن كل الاحتمالات مطروحة سواء الجيدة أو السيئة.
< من الذى صنع هذا الاضطراب؟
- الستون عاماً التى حكمنا فيهم حكم الضباط لمصر منذ انقلاب يوليو 1952 وحتى قيام ثورة يناير 2011 لأن العسكر يصلحون للدفاع عن الأوطان وليس للحكم والسلطان.
< بعد سقوط مبارك ونظامه تستطيع القول بانتهاء الجمهورية العسكرية فى مصر؟
- لا توجد جمهورية عسكرية، بل توجد ملكيات عسكرية لأن العسكريين دائماً يورثون كراسى السلطة إلى عسكر آخرين، ورأينا ذلك فى تاريخ الدولة البيزنطية، وفى التاريخ المصرى القديم فكان يحرص الأب الحاكم عسكرياً على أن ينشئ ابنه عسكرياً حتى يرث الحكم أو يرثه أحد القواد الآخرين، ولكننا لم نر جمهورية تحققت فى ظل وجود العسكر.
< قيل «نعم» فى الاستفتاء للاستقرار.. فهل شهدنا الاستقرار؟
- الاستفتاء تم بنعم لاتخاذ خطوة للأمام وللاستقرار، ولكن لم يحدث هذا الاستقرار وأعتقد أنه لن يتم قريباً طالما أن مسلسل الإلهاء مستمر ومادامت هذه الحلقات المتتالية منه تظهر فى عرض مستمر، ومادامت الحرائق تندلع فى كل حين بدون أسباب واضحة، والحوادث الكبرى تقع ولا يتم القطع والبت فيها.. ومادامت هذه المبانى وأنا أحدثك وهى تطل شوهاء لتشوه القاهرة والإسكندرية ولا يتخذ حيالها أى إجراء، فهذه صناعة موت ومقصلة للمصريين سوف يموتون تحتها عند أول زلزال على درجة (3) ريختر تمر به أى قرية صغيرة وليست بلد عظيم.. وماذا سنفعل بعد عام أو عامين مع هذه المبانى الهائلة التى بنيت بالمخالفة، وأين الأمر العسكرى الذى كان موجوداً والمتعلق بالمبانى المخالفة؟ فهل عندما يحكم العسكر يتعطل الأمر العسكرى؟!.. ولهذا إذا غاب المنطق عن حياة جماعة فلا تأمل خيراً.
< ترى أن القاهرة شاخت؟
- أرى أن القاهرة تدهورت مثلها مثل كل مصر والمشكلة أن التقدم نسبى ونحن متقدمون أو متخلفون قياساً على الآخرين من العالم سواء الغريب منا أو العالم الغربى البعيد، كلاهما يعمل ويتقدم ونحن كل يوم نقع فى مطب سياسى جديد، أو فى حلقة جديدة من حلقات الإلهاء، والعالم لن ينتظر حتى نلحق به ولذلك سنظل دائماً فى ذيل القائمة الدولية.
< لكن قامت ثورة أبهرت العالم.. فما الذى جعلها تصاب بالانتكاسات؟
- الثورة موجات والموجة الأولى نجحت وحققت ما كانت تريده فى الإنهاء على التوريث، ولإسقاط رأس النظام وقد تم هذا.. ولكن كان لابد للثورة فى موجتها التالية أن تطور من رؤيتها ومن طبيعة حركتها، لأن الثورة لا يمكن اختصار جوهرها فى الخروج للميادين والتظاهر فى الشوارع فهذا شكل من أشكالها.
< ماذا تقصد؟
- أقصد أن الثورة عمل مبتكر وطريقة تفكير جديدة والخروج من الظلم ومن حالة الظلام التى يعيش فيها الناس.. ورأينا صوراً كثيرة للثورات، فى الأرجنتين اتخذت الأمهات اللاتى كن يقطن فى ميدان «بيونس ايرس» وفى أيديهن الشموع، ورأينا ثورة الطلاب فى فرنسا هذا البلد المهذب، فإذا به ينقلب إلى شتائم وصخب.. ورأينا ثورة الضباط الأحرار جداً لأنهم يفعلون ما يريدون دون حسيب أو رقيب تتم فى غمضة عين بدون أى مواجهات ورأينا ثورة ليبيا يموت فيها عشرات الآلاف ويتم الانتقام الشديد من الحاكم، ورأينا ثورة اليمن تقوم وتتعثر ولكنها شكل من أشكال الثورات، وبالتالى لا يوجد شكل محدد من أشكال الثورة.
< وماذا عن ثورة يناير 2011؟
- ثوار 25 يناير هم شعب مصر بالكامل من وجهة نظري.. حتى إن كان الشباب يتقدم خطوة عليهم وهذا بسبب طبيعة المرحلة العمرية، إلا أن الثورة المصرية صنعها المصريون جميعاً، صنعتها الأمهات اللواتى كن يجلسن خلف الجدران وقلوبهن معلقة بما يجرى فى الشارع أو بادرن بالخروج إليها، وتقريباً كان نصف عدد المتظاهرين من النساء والفتيات، أين هؤلاء وأين ذهبن الآن؟ وأرى أن أكثر من استفادوا من الثورة المصرية هم الشهداء لأنهم ماتوا وهم يحلمون وهم مصدقون وينتظرون الفجر القادم، ورحمهم الزمان بهذا الموت المجيد على أن يبقوا حتى تلحق بهم الحسرة التى لحقت بنا من كثرة اللعب السياسي.
< وما الذى أفسد هذه الثورة؟
- الذى أفسدها هو مديح الشباب الثائر، عندما وصفوه بالرائع، فهذه الكلمة قيلت آلاف المرات خلال الثورة، وأين هؤلاء الشباب الذين امتدحهم المادحون، ونحن نرى كبار السن مرة أخرى يعودون ويجلسون ومازالوا يجلسون ويتصدرون المشهد السياسى حتى إنهم عادوا فى المرشحين للرئاسة.
< هل هذا يعود إلى المجتمع الأبوى الراسخ فى العادات والتقاليد المصرية كما حدث مع اللواء محمد نجيب؟
- هذا المجتمع البطريركي، لأن السياسة لا تعرف المجتمع الأبوي، و«البطريركي» استناداً إلى المعنى الأصلى للكلمة «أبو الآباء» وليس المعنى المسيحي، والمفترض أن كل ثورة هى بالضرورة ثورة على البطريركية لأنه لو اعترف المجتمع بهذه السلطة البطريركية «الأبوية»، لما قامت الثورة، لأن الآباء عادة يقمعون الأجيال «الأحفاد» وثورة يناير فى موجتها الأولى اندلعت ضد البطريركية، ولكن فى مصر لعب سياسى كبير وعدم خبرة أو براءة فى الجموع التى ثارت وبالتالى تم خداعها بسهولة.
< ما مرجعية ثورة 25 يناير؟
- قمت بتحليل هذا الأمر من خلال صالون ساقية الصاوى على عدة أشهر وبينت فيها أنه كانت هناك مقدمات ضرورية كانت تحتم اندلاع الثورة المصرية منها ما هو ثقافى واقتصادى واجتماعي، ولو نظرت إلى الحالة الثقافية المصرية خلال الـ (6) سنوات السابقة على الثورة سنجد شيئاً مختلفاً عما كان المصريون يقرأونه وفجأة تسارعت معدلات القراءة، وما كان المثقف منذ 1952 وحتى التسعينيات يستطيع أن يأخذ موقفاً حتى لو أراد، لأنه

كان يتم استبعاد المثقف عندما يقول رأيه أو يتخذ موقفاً، فيطرد كما حدث مع «حسن حنفي» الذى ذهب إلى اليابان و«أحمد عبدالمعطى حجازي» ذهب إلى فرنسا، ود. نصر حامد أبو زيد» أبعد إلى هولندا بسبب قضية سخيفة وهذا ما كان يتم، أو الاعتقال الذى كان يحدث فى الستينيات، تلك الفترة التى يتغنى بها المغنون باعتبارها عصراً ذهبياً للثقافة وساء ما يحكمون.
وحدثت تغيرات فى العالم كنتاج ثورة المعلومات ومن عناصر كبيرة داخلية وخارجية، وحدثت مواقف اتخذها المثقفون.
< تقصد ظهور المثقف العضوى الفاعل؟
- نعم وهذا ما رأيناه فى د. عبدالوهاب المسيرى الذى يقضى عمره أستاذاً للأدب الإنجليزى ثم مهتماً بالتراث اليهودى ومؤلفا فيه، ثم رئيساً لحركة كفاية وتفاعله مع الشارع.. وأيضاً رأينا المصريين الذين حققوا إنجازات كبيرة فى الغرب يعودون مرة أخرى إلى مصر للقيام بدور سياسى صريح مثلما حدث مع «البرادعي» أو بدور علمى وتعليمى كما حدث مع «أحمد زويل» و«مجدى يعقوب» ورأينا مصريين داخل مصر يقومون بأعمال لافتة لأنظار العالم مثل الذى يقوم به د. «محمد غنيم» فى المنصورة إذا حدث تغير فى طبيعة دور المثقف، وفى الحالة الثقافية العامة، وطبعاً كانت الجامعات الأجنبية الكثيرة بدأت تخرج طلاباً آخرين يختلفون عن خريجى جامعات الحكومة المتخلفة فى مصر، فأصبح لدينا واقع ثقافى جديد، وهذه كلها مقدمات ثقافية.
< وماذا عن المقدمات الاقتصادية؟
- الذين ينهبون البلاد نسوا أنهم ينهبون(!!) لأن الناهب يحرص دائماً على استبقاء الكيان المنهوب قائماً، وأصبح كل همهم الاستيلاء أو الموت الزؤام، كما لو كانت مهمة قومية أن يتم تجريد هذه البلاد من كل قواها، فتاجروا فى البشر والأرض وكل شيء كان يباع ويشترى فى مصر بعدما توارت الكرامة والعيب فأى اقتصاد هذا الذى كان سيستمر وهو اقتصاد مخوخ، مجوف، فارغ، مما أنتج مجتمعات عمرانية ترفيهية تمتد فى الساحل الشمالى فى مقابل عشوائيات مقيتة تحيط بالمدن.
< هذا يصلنا إلى المقدمات الاجتماعية؟
- نعم.. لأن معنى العشوائية مركز للدعارة والمخدرات والإجرام وبؤر قابلة للانفجار فى أى وقت مع واقع سياسى بحجة الاستقرار أصبح المسئولون يدخلون الوزارة حتى الوفاة أو حتى إشعار آخر.
ولواءات الجيش ينتهون من خدمتهم العسكرية ليرأسوا الشركات أو ليصبحوا محافظين، فأى سياسة هذه، فضاع جيل الوسط فى مصر ما بين هؤلاء الذين كانوا فى السبعين عاماً وبين الشباب الجدد الذين هم فوق العشرين، فتم إهدار سلسلة التواصل بين الأجيال، ولم تكن الحكومة المصرية تسمح بسطوع أى نجم مصرى فى أى مجال لأنهم كانوا يكرهون ذلك، فإذا كانت المقدمات كلها تنذر بما جرى فلماذا يندهش البعض من الثورة المصرية بعد هذه المقدمات الطبيعية لها.
< ربما الاندهاش أنها كانت ثورة حضارية ولم تكن ثورة جياع؟
- هذا التعبير الذى استخدمته الحكومة بمجرد اندلاع الثورة، وأراه أشد التعبيرات سفالة ورددت عليه فى مقالة قبل سقوط «مبارك» وأيضاً رددت على مقولة أنها ثورة شباب لأنها ثورة مصريين، بل هى حدث نادر فى تاريخ مصر لأننا لم نر مثيلاً لها، ولا كان يجب علينا أن نلعب بها هذا اللعب الذى أدى إلى نتائج عكس المقدمات.
< ما تأثير ما حدث مع عادل إمام على المناخ الثقافى والإبداعي؟
- لا يجوز قانوناً التحدث عن أحكام القضاء، ولهذا لن أتحدث عن هذه الواقعة تفصيلاً، وأنا أراها فى سياق عام، حيث رأينا فى الأشهر الماضية أحكاماً قاسية وصارمة جداً على أفعال كان المفترض قانوناً أن تكون العقوبة أخف ثم رأينا أكثر من عشرة آلاف معتقل سياسى وهذا العدد أكبر مما كان خلال حكم «مبارك» إذاً العدد بالإضافة وليس بالخصم.. وبالتالى لم يعد المصريون بقادرين على التنبؤ بأى حكم قضائى، وهذا معناه أن الضبط القانونى فى المجتمع يصبح لا معنى له، طالما أن الفرد سيفعل فعلاً وهو لا يعلم إن كانت نتيجته ستكون قاسية أو مخففة.. ومعنى أن يتم الآن المحاسبة على كلمة قيلت قبل سنوات طويلة فهذا يعنى من جديد ظهور مسلسل الإلهاء العام عبر حلقات متتالية، وهذا هو الخطر، لأننا لو سلمنا بمسألة ازدراء الأديان مع أن الأديان ليست فى خطر فى مصر، بل بالعكس، المصريون متدينون ولا أظن أن الحالة الدينية المصرية لا تحتاج علاجاً، ولكن فى المقابل أن الجرائم الاقتصادية لا يتم البت فيها، ونسارع فى إصدار الأحكام للدفاع عن الله، مع أن الله قال فى قرآنه: إنه يدافع عن الذين آمنوا ولم يقل إن الذين آمنوا يدافعون عن الله وحجة الدفاع عن الدين حجة سخيفة جداً لأن الدين فى القلوب.. ولم يؤثر الهجوم الطارئ من أعداء الإسلام والمسيحية خلال قرون طويلة فيهما.. إذاً فلا معنى لهذه التهمة أصلاً.
< هل تم اتهامك بهذه التهمة أيضاً؟
- اتهمت بها وحوكمت عليها وعلى تهم أسخف من سنوات بعد 25 ألف صفحة نشرتها عن التراث العربي، وقفت أمام القضاء المصرى لأحاكم على الاعتداء على التراث لأننى قلت فى كتاب (كذا) كلمة (كذا) والحمد لله أن القاضى كان رشيداً فى حكمه، وقال بعد سنوات من المعاناة فى ساحات القضاء إنه لا توجد قضية أصلاً، ورغم تبرئتى لكن تم شغلى زمناً طويلاً بهذا الأمر لأنه لعب وهذا اللعب يفقد الفرد والمجموع ما هو أغلى من المال وما هو أغلى من الرغبة فى التطور ومحاولة الإنجاز لأنه يهدر الوقت ويبقى الفرد أو المجموع فى حالة انشغال بسبب قضايا قانونية أو ملاحقات
دستورية وأحكام غير متوافقة وهذا كان يتم قبل الثورة والآن يتم بعدها، فالأمور مازالت تجرى على النسق ذاته.
< كيف تنقل هذه الصورة عن مصر فى الخارج؟
- فى أواخر إبريل سعدت عندما كتب كاتب كبير بمناسبة صدور الترجمة الإنجليزية لرواية «عزازيل» وفى يومين متتاليين نشرت «الجارديان» عن «عزازيل» بأنها أهم عمل صدر فى الغرب خلال عام على الأقل وإذا فى الوقت ذاته تنشر «الديلى نيوز» مقالاً قبيحاً بأن المصريين سيصير لديهم الحق القانونى فى نكاح الميتات(!!) ولم يتحرك أحد من المسئولين وكان لابد أن يصدر فوراً من مجلس الشعب تكذيب رسمي وأن يهدد الجريدة بتكذيب الخبر أو اتخاذ الموقف القانونى ضدها ولكن مجلس الشعب قال: (مش لاعب) لأنه زعلان من المجلس العسكرى وهذا تهريج لأنه ليس فى حل أن يفعل ذلك، فهو ليس إمبراطوراً ليمنح ويمنع بل هو خادم للشعب وليس سيده وبالتالى ليس من حقه أن يغلق الملفات هكذا ويترك صورتنا فى العالم تنهار بهذا الشكل الموضوع قد يكون كذباً وزوراً، ولكن لم يكذبه أحد فيصبح واقعاً، ومن الطبيعى أن يروج الكارهون مثل هذه الأخبار.. فهل خلا الفقه الإسلامى والواقع المصرى المعاصر من القضايا حتى نقف عند نكاح الميتة؟!! وإذا كان تجرأ أحد على نشر مثل هذا عن مجتمعنا فليحاسب ولكننا لا نتخذ موقفاً رشيداً فى الداخل ولا فى الخارج، وبالتالى كلما أضاءت شمعة فى هذا المناخ جاءت الريح الخبيثة وهى رياح الطمع السياسى واللعب على المصالح وأطفأت هذه الشموع وعدنا إلى الظلام من جديد.
< إذن اللعب للمصالح أصبح على المكشوف؟
- اللعب السياسى بدون غموض بل أصبح ساخراً من السياسيين والجماعات الدينية سواء المسلمون أو المسيحيون وذلك باسم الدين ولكنه بغرض سياسى وهذا معلن وصريح وواضح البطلان لأن الديانتين الإسلامية والمسيحية كلتيهما دعوتا المؤمنين بهما للابتعاد عن الصخب السياسي، ونص الإنجيل قال: «أعطِ ما لقيصر لقيصر وما لله لله» وفى الإسلام لا يولى الإمارة من يطلبها بل يتم الاختيار للمنصب وعندما جاء رجلان للنبى وقال أحدهما: ولنى يا رسول الله وقال الآخر بل ولنى أنا، فقال النبى: «نحن لا نولى هذا من يطلبه».. ولكن باسم الإسلام يتم اعتلاء المنصات والكراسى والطمع فى الجلوس عليها مستندين فى ذلك على قاعدة إسلامية، وهذا لعب بالدين فى السياسة.
< فى هذا المناخ، هل من الممكن أن نرى نهضة حضارية؟
- كل شيء ممكن، وقد يتدهور الواقع أو قد تحدث طفرات، ولكن لا شيء يتم بالصدفة، والفعل الحضارى فعل بطىء وتراكمى ودأب الحضارة أو التطور المجتمعى لا يحدث فجأة أو بالنوايا الطيبة، بل من خلال عمل له شروط بأن يكون رجل الدين فى دار العبادة وليس فى البرلمان ورجل السياسة لا يستمد سلطته من الكرسى الذى يعتليه بل من الناخب الذى أعطاه صوته, والرجل العسكرى يعرف أنه يتقاضى راتبه الشهرى من الضرائب التى يدفعها الشعب إذا فهو ليس العاطى الوهاب لأنه يعمل فى إطار هذه الأمة وهو ليس سيدها، وبالتالى لابد من توفير هذه الشروط الممهدة إلى التقدم وإلا يصبح ما تقوم به نوعاً من العبث.
< ما خطورة خلط الدين بالسياسة؟
- السياسة لا تنفصل عن الدين وهذه الدعوة العلمانية أراها لا معنى لها هناك دائماً ارتباط بين السياسة والدين.. ولكن التحدث عن الأدوار أى رجل الدين دوره فى دور العبادة وليس فى كرسى الرئاسة أو البرلمان أو الإدارة المحلية.. لأن حدوثه كارثة والسلطة السياسية المستندة على قاعدة دينية تؤدى إلى كوارث كما فعل القرامطة قديماً وطالبان حديثاً وتدميرها لتماثيل «بوذا» فى (بامبان) وكأن الذين عاشوا (14) قرناً فى الإسلام لم يكونوا مسلمين مثل الدولة الخوارزمية، وغيرها كثير ولكن الفعل الشنيع الذى فعله رجال طالبان ألحق بالمسلمين العار.. وبالتالى لو تركنا أمثالهم يتصدرون المشهد السياسى ويملكون السلاح ستكون كارثة.. ولكن على كل حال العسكريون لن يأتمروا بأمر غيرهم(!!).
< هذا أمر جدلى وقد يتصدرون المشهد ويصلون إلى السلطة؟
- هذا ما يسعون إليه وإذا حدث، فما رأيناه حدث فى تماثيل بوذا سنراه فى معبد الكرنك لأنها نفس العقلية.. وقد سمعنا أحدهم يقول على الملأ عندما يصبح رئيساً للجمهورية وبلغه أن سائحة أجنبية تعوم فى شرم الشيخ وترتدى المايوه سيرسل فوراً من يقبض عليها، ولم يسأل من أى جنسية أو أى دين؟ لأن هذا هو الإسلام الذى يفهمه وحكمه نافذ فى العالمين.
< لهم دعاوى بتطبيق الشريعة وتجد صدى لدى الكثيرين وهذه ديمقراطية؟
- هل هؤلاء الذين يضحكون على العامة بمسألة تطبيق الشريعة أكثر تديناً من «عمر بن الخطاب» وهو من هو.. فقد عطل «عمر» حكم القرآن فى سماحه لقبيلة «تغلب» حتى لا تدخل الإسلام ولا تدفع الجزية مع أن الآية القرآنية صريحة بدفع الجزية وهم صاغرون.. وهذه القبيلة أقوى من قريش بكثير وتصدت للجيوش الإسلامية بقيادة «خالد بن الوليد» فى حربه فى غزو «المدائن» لأنها كانت بينهما فى العراق حالياً.. والحرب أنهكت الطرفين وكان يعز عليها أن ترضخ لحكم الجزية، فوافق «عمر» بشرط ألا ينهروا أبناءهم ويتركوهم يختارون بأنفسهم وكان هذا فى خير الإسلام وعزته ووقت الفتوحات، ومع حاكم لا يمكن أن تثار حوله أى شكوك فأوقف حكماً قرآنياً.. ونحن الآن فى حالة تخلف كبيرة فيصبح الشغل الشاغل للرئيس سائحة تعوم بالمايوه، أو أن النساء لا يغطين رؤوسهن فهذا كذب وزور وغير إسلامي.
< دعاوى الإصلاح قديمة فى المجتمع المصري.. فما الذى عطلها؟
- حركة الإصلاح المصرية من قبل مجىء الحملة الفرنسية وتوجد شواهد كثيرة عليها مثلاً الشيخ «أحمد الدمنهوري» كان شيخ الأزهر وهو منصب دينى ولننظر إلى قائمة مؤلفاته مع أنها للأسف مخطوطة ولا يعلم الناس عنها شيئاً.. القول الصريح فى علم التشريح ويبيح فيه ممارسة التشريح للأطباء، والكلام اليسير فى علاج المقعدة والبواسير.. وشرح رسالة «إيتارودى» فى المنطق، هذا ما كان يكتبه شيخ الأزهر.. وأيضاً كان الشيخ «حسن الجبرتي» والد «عبدالرحمن الجبرتى» يضع الوسائل والمؤلفات فى الميكانيكا والكيمياء.. وكان القس «عيسى بترو» يكتب مخطوطة بعنوان «رسالة فى العلوم الحديثة» ليقدم دائرة معارف مصورة، لذلك كل هذه القوى الفاعلة عملت فى المجتمع بشكل جيد فتطورت البلاد بسرعة وهو ما نسب فضله إلى «محمد علي» الذى كان يسعى إلى سلطانه الخاص وليس إلى خير البلاد، فهو لم يعرف هذه البلاد ولم يتكلم لغتها ولا أبناؤه قرابة المائة عام التى كانوا فيها يحكمون ولا يشعرون بما يشعر به الناس. لكن هذه القوى المجتمعية التى مثلها «أحمد الدمنهورى» ثم «رفاعة الطهطاوي» ثم تلامذته «على مبارك» وكثيرون عملوا بالفكر والأدب والسياسة، مما أدى إلى أن تتحرك مصر خلال المائتين سنة حركة جميلة جداً وصلت ذروتها فى منتصف القرن العشرين بما سميت بالفترة الانتقالية.
< كيف كانت تلك الفترة حيث البعض يصفها بالعصر البائد؟
- هذه الفترة كى يتم تعويضها تحتاج زمناً أطول، حيث إنها الفترة التى نفتخر بها، حيث كانت شديدة الثراء والتنوع فى الأدب والسياسة والفكر والتعليم والفن.. مثلاً جامعة القاهرة كانت على نفس المستوى العلمى لجامعات أوروبا وسمعت هذا من أساتذة كثيرين فى العالم من ذوى أصول مصرية.. حيث أكملوا تعليمهم فى أوروبا دون الحصول على أى شهادات معادلة ثم كانت لدينا حياة سياسية حقيقية ونشطة وبها مواقف محددة ما بين حزب الوفد وبين الأحزاب السياسية الأخرى، فأصبح لدينا هذا البرلمان وهل يوجد مصرى واحد الآن يفتخر بهذا البرلمان؟ وكان لدينا «محمود مختار» المثال العظيم الذى نحت تمثال نهضة مصر وأصبح شعاراً للدولة كلها والآن نتحدث عن تكسير التماثيل أو تغطيتها، وفى الإسكندرية ظهر الإخوان «وانلى» و«كارل أورف» عزف «كارمينا بورانا» فى القاهرة.. هذا غير المستشرقين الكبار الذين كانوا يعيشون هنا مثل «ماكسمان هوف» هذه هى الفترة الليبرالية إلى أن جاء العسكر وأوقفوا كل هذا.

شاهد الفيديو:

http://www.youtube.com/watch?v=5Uh02Jf41Sc

 

أهم الاخبار