رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

د. محمد عبد الوهاب : الأمن فى حاجة لـ «زكى بدر» جديد

حوارات

الاثنين, 30 أبريل 2012 15:17
د. محمد عبد الوهاب : الأمن فى حاجة لـ «زكى بدر» جديد
أجرى الحوار: مصطفى عبيد

يقول توماس فولر «إننا لا ندرك قيمة الماء، إلا عندما تجف البئر» والبئر فى وضعنا الحالى هو الاقتصاد المصرى، والماء هو الاستثمار الأجنبى. فمنذ قامت ثورة يناير

ونحن نواجه فقرا مقصودا، وإفقارا متعمدا بسبب الانفلات الأمني والاعتصامات العمالية وحالة اللا استقرار المخططة.
لا تنبت الأزهار فى مذابل العشوائية، ولا تولد البسمات فى مآتم ولا ينمو الاستثمار فى ظل الاضطرابات العمالية.
كانت وجهة نظر الدكتور محمد عبدالوهاب وزير الصناعة الأسبق صادمة فيما يخص تحسين بيئة الاستثمار. فاجأنى الرجل الذى يعتبر نفسه فى الوقت الحالى من حزب «الكنبة» بأن الحالة الأمنية تحتاج لرجل حازم حاسم مثل زكى بدر. كما فاجأنى أيضا وهو الذى شهد بدايات برنامج الخصخصة برأيه أن مصر أخطأت مرتين الأولى عندما أمم عبدالناصر شركات الأفراد، والثانية عندما بعنا ما لدى الدولة للأفراد.
إنه قلق للغاية بشأن مستقبل الاقتصاد، ويعتقد أن الاستثمار يحتاج لحزمة شاملة من الإصلاحات، والاستفادة بخبرات وتجارب الدول التى حققت نموا فى ذلك المجال. إننا لا نخترع العجلة ولكننا نستعيرها للعبور إلى مصاف الدول الكبرى. هكذا رأى الرجل الذى قضى ستة عقود كاملة فى العمل الصناعى داخل وخارج مصر.
عمل الدكتور محمد عبدالوهاب وزيرا للصناعة خلفا للدكتور فؤاد أبو زغلة وتحديدا منذ 1984 واستمر حتى نهاية 1993 وهى فترة شهدت بداية التحول الفعلى نحو اقتصاد السوق الحر، وبداية برنامج الخصخصة.
< ما الذى يقلقك فى المشهد الاقتصادى الآنى؟
- يقلقنى بشدة عدم تحقيق الاستثمار لأى نمو خلال العام التالى للثورة. لم تدخل مصر أى استثمارات خارجية وتقلصت فرص التوسع فى كثير من المشروعات وهو ما يحمل تأثيراً سلبياً كبيراً على معدلات الإنتاج والتوظيف.
< هل كنت متفائلا بقدوم الدكتور كمال الجنزورى رئيسا للوزراء؟
- كنت متفائلا بشدة. وكنت أعتقد أن الدكتور عصام شرف لا يصلح لوضع حلول للأزمات الاقتصادية التى نعانى منها عقب الثورة، ولأن الجنزورى رجل تخطيط فقد كان الأجدر على إصلاح منظومة الاستثمار، لكن من الواضح أن هناك كثيراً من الأمور الخارجة عن إمكانيات الوزارة خاصة ما يتعلق بالوضع الأمنى.
< وكيف نواجه حالة التردى الأمنى من وجهة نظرك؟
- أتصور أن مصر فى حاجة لرجل حاسم وحازم مثل زكى بدر وزير الداخلية الأسبق.
< لكنه كان يمثل وجها سلبيا لوزراء الداخلية، وكثيرا ما كانت وزارة الداخلية فى عهده تخرق القانون؟
- صحيح، لكن فى بعض الأحيان، لا يمكن فرض الأمن والاستقرار إلا بكثير من الشدة والقسوة. إننى أتذكر جيدا حادثة كفر الدوار فى أغسطس 1952 ولقد كنت حزيناً جداً لقيام حكومة الثورة بإعدام خميس والبقرى العاملين، اللذين كانا بلا شك قد تعرضا للظلم، لكننى بعد ذلك أيقنت أن الثورة لم تكن لتستقر إلا ببعض الإجراءات القاسية التى قد تبدو خروجا عن القانون.
< لكن، لا أتصور أن ذلك يمكن قبوله شعبيا فى الوقت الحالى، فأى خرق للقانون أو اعتداء على الحريات لن يغفره الشعب المصرى مهما كانت المبررات.
- أنا مع الشدة والحزم فى تطبيق القانون، ولا أتصور أن مصر يمكن أن تجذب استثمارات جديدة فى ظل اعتصامات متكررة ومظاهرات شبه يومية.
< وكيف يمكن إنعاش الاستثمار المصرى فى الوقت الحالى؟
- بالطبع لابد من تحقيق الأمن، وبعد ذلك نبحث عن المزايا الاستثمارية الجاذبة ونقرها. نحن لا نخترع العجلة، ولكننا نستعيرها لتحقيق أهدافنا الاقتصادية. أنا لا أتحدث عن إعفاءات ضريبية ولكن هناك نماذج جيدة تم تطبيقها فى كثير من الدول ولاقت نجاحا كبيرا. ومن بين تلك الأدوات هناك فكرة الاستثمار المعاد دفعه «investment repaid» وقد اقترحتها على الدكتور أسامة الباز مستشار الرئيس مبارك عام

1993 ليقنع بها الرئيس لكنها للأسف لم تر الواقع. وهى ببساطة تتمثل فى إعادة دفع 20 % من رأس مال المشروع إذا عمل ووظف عدداً معيناً من العاملين وقد طبقتها بلجيكا بنجاح.
< وما الذى حال دون تطبيقها فى ذلك الوقت؟
- المشكلة أن المرحومين الدكتور عاطف صدقى رئيس الوزراء، والدكتور محمد  الرزاز وزير المالية لم يقتنعا، وكانا يرفضان أى مقترح لزيادة المصروفات ويرون أن تخفيض عجز الموازنة هو المكسب الأكبر. وكانت وجهة نظرى أن زيادة معدلات الإنتاج كفيلة بالحد من عجز الموازنة، وهذا ما أراه فى الوقت الحالى.
< لكن ما المكسب من دفع نسبة من رأس مال مشروع لصاحبه؟
- هذا الاسلوب يجعل الدولة قادرة على توجيه الاستثمار. وهذه هى مهمة الحكومة فى الدول المتقدمة، فهى تعمل على «سفلتة» الشوارع للمشروعات الجديدة. لكن للأسف الحكومة الحالية غير مؤهلة لسفلتة الشوارع ولكنها تعمل فقط على إطفاء الحرائق.
وبشكل عام أتصور أن تكلفة الاستثمار فى مصر فى حاجة الى خفض شديد. لا يصح أن تبقى تلك التكلفة أعلى من دولة مثل قبرص. نحن لدينا كثير من الرسوم التى تدفع دون فائدة فعلية للخدمات وخطابات الضمان.
< وما أبرز القطاعات المرشحة لجذب الاستثمار الاجنبى؟
- الصناعة. أتصور أنها الأجدر على جذب استثمارات جديدة. لكن ينبغى التركيز بشكل كبير فى التدريب. نحن نعانى من عدم وجود عمالة مؤهلة ومدربة للعمل فى كثير من المصانع.
< وكيف يمكن النهوض بمنظومة التدريب؟
- هناك تجربة جيدة يتم تطبيقها فى انجلترا وهى منظومة «التلمذة الصناعية»، وفيها يتم تدريب العمال عمليا وأكاديمياً واجتماعياً وثقافياً لمدة ثلاث سنوات ويتخرج بعد ذلك للعمل فى مختلف المصانع.
كذلك فإن أى شركة صناعية يجب أن يكون لديها إدارة للتدريب. نحن لا ننفق على التدريب والتطوير، وفى النهاية تضطر مصانع النسيج فى مصر إلى الاستعانة بعمال من بنجلاديش للعمل فى مصانعهم لأنه لا يوجد عمال مدربون فى مصر. لقد شاع بين الصناعيين مثلا شعبيا كريها هو «شراء العبد ولا تربيته» وهو خطأ كبير يجعلنا دائما نعتمد على الآخرين، رغم أننا كنا فى الماضى دولة منتجة للعمالة المؤهلة.
< كيف تقيم الصناعة المصرية فى الوقت الحالى؟
- مازلنا دولة مستوردة للتكنولوجيا، ومازلنا نعتمد على الآخرين ولم نحز أى سبق فى أى قطاع من القطاعات الصناعية. يكفينا أن أقول لك إنه لو غرقت مصر فلن يخسر العالم إلا آثارها بمعنى أنهم لن يحرموا من تكنولوجيا متطورة فى أى قطاع من القطاعات. الصناعة فى مصر ينقصها التطوير والتدريب والابتكار ولابد أن يكون ذلك إجباريا. إننى أذكر فى بداية التسعينيات من القرن الماضى أننى نظمت بعثة للاطلاع على تجارب دول الآسيان «كوريا الجنوبية، سنغافورة، ماليزيا وأندونيسيا» وسافرنا بالفعل ودرسنا تلك التجارب وتحولاتها، لكن ما قدمناه من توصيات لم يؤخذ بها.
< ألا يقلقك سيل الدعاوى القضائية المرفوعة على مشروعات استثمارية أجنبية ومحلية؟ وكيف يمكن مواجهة تلك الدعاوى؟
- أتصور أنه يجب عدم إلزام أى مستثمر بأخطاء أو مخالفات لحكومات سابقة. لا توجد دولة تحبس المستثمرين، وأعتقد أن كثيراً من المستثمرين الذين تم سحب المشروعات
منهم لو لجأوا للتحكيم فإنهم سيكبدون الحكومة المصرية غرامات هائلة. إننى أتعجب بشدة أن يتم فى الوقت الحالى إعادة تقييم سعر أرض منحت لمستثمرين عندما كانت صحراء. وفى رأيى فإن أفضل توجه بالنسبة للمشروعات التى توجد عليها بعض الشبهات أن نعيد التفاوض بشكل هادئ مع المستثمرين بما يحقق مصلحة الطرفين.
< ما رأيك فى برنامج الخصخصة؟ وهل تم تطبيقه بشكل رشيد؟
- لا أنا كان لدى وجهة نظر أن ننمى القطاع الخاص دون أن نصفى القطاع العام. وأتصور أننا أخطأنا مرتين الأولى فى عهد عبدالناصر عندما قام بتأميم كل شركات الأفراد واستولت الدولة على مصانع وشركات لا حصر لها، والثانية عندما تم تصفية شركات قطاع الأعمال وبيعها دون إعادة استثمار حقيقى للأصول المباعة وتحويل الشركات الخاسرة إلى رابحة. لقد كنت وما أزال منحازا للقطاع الخاص، لكننى أرى أن نشجعه وننميه دون تصفية القطاع العام.
< لكن القطاع العام كان فاشلاً وأصابه الترهل ولحقته الخسائر الضخمة؟
- كان يمكن إصلاحه من خلال تغيير الإدارة. لقد كنت أقول ذلك فى أوج التحول وكان مسئولو صندوق النقد يعتبروننى من الشياطين لأن رأيى كان إصلاح قطاع الأعمال العام وليس بيعه. وكنت قد وضعت قانون قطاع الأعمال العام وسمحت فيه للشركات ببيع بعض أصولها لإعادة استثمارها وتطوير الأداء، لكن ذلك لم يتم.
< لماذا؟
- لقد خرجت من الوزارة بعدها بشهور قليلة.
< ما رأيك الشخصى فى الرئيس السابق مبارك وقد عملت معه تسع سنوات؟
- أتصور أنه فى البداية كان مهتما بالشأن العام ومصلحة البلاد وكان دقيقا وتفصيليا فى متابعة الأمور الداخلية، وتحليلى أن مصر كانت فى خصومة مع معظم الدول العربية، وبعد أن عادت العلاقات مع العالم العربى أصبح الرئيس مبارك يركز الاهتمام فى الشأن السياسى وفى العلاقات الخارجية وترك ما يخص الشأن الداخلى لمساعديه ومستشاريه، وفى تصورى أن سيطرة بعض رجال الأعمال فى السنوات الأخيرة أفسد كل شىء، وقاده إلى تلك النهاية الدرامية.
< هل كان يستمع لمقترحاتكم ويناقشكم فيها؟
- نعم بشكل تفصيلى. أتذكر جيدا عندما أقررت ما يعرف بالمادة 6 فى قانون الجمارك والتى تمنح شركات السيارات إعفاءات لو حققوا 40 % مكونا محليا، وقتها سألنى وشرحت له بشكل تفصيلى حتى اقتنع بالقانون، لكن فيما بعد كان صبره ينفد سريعا ولم يعد يستمع لشىء. وفى اعتقادى أن أحمد عز وسيطرته على نظام الحكم كان سببا فى تدهور كثير من الأمور.
< ما رأيك فى وضع حد أقصى للأجور؟
- أعتقد أن الحد الاقصى للأجور ضرورة فى مصر فى مرحلة البناء والتطوير. لا يمكن أن يكون الفارق بين أعلى راتب وأدنى راتب فى مؤسسة واحدة خمسين ضعفا. إننى أذكر أن الرئيس الأمريكى أوباما راجع حسابات شركات السيارات وهى شركات خاصة وقت الأزمة المالية وهاله أن يجد بعض رؤساء الشركات يحصلون على رواتب بملايين الجنيهات، وقد أجبرهم أن يردوا تلك الرواتب بأثر رجعى.
لقد عملت فى إحدى المؤسسات بعد خروجى من الوزارة وفوجئت بهم يعرضون على راتب خيالى فرفضته وأصررت أن أحصل على راتب معقول لم يتجاوز 15 ألف جنيه، لأنه لا يصح أن أحصل على راتب يزيد على مائة ضعف ساعى المكتب الخاص بى. وبشكل عام أعتقد أن الأجور الخيالية التى نسمع عنها لا تجب أن تدفع فى دولة نامية مثل مصر.
< لكننا لا يمكننا تحديد حد أقصى للأجور فى القطاع الخاص؟
- الحل فى مثل هذه الحالة هو الضرائب. علينا أن نفرض ضرائب تصاعدية على الرواتب والأجور الكبيرة وليس سرا أن مثل تلك الضرائب موجودة فى الدول المتقدمة وتستخدم حصيلتها فى الإنفاق على الفئات الدنيا والعاطلين عن العمل.
< لو طلبنا منك أن تكتب روشتة مختصرة لعلاج مشاكلنا الاقتصادية.. ماذا تكتب؟
- أولا: تحقيق الأمن، ثانيا: تقديم مزايا نسبية للمستثمرين سواء أجانب أو محليين، ثالثا: تمليك الأراضى الصناعية غير المملكة لأصحاب المشروعات الصناعية القائمة عليها، رابعا: تعديل التشريعات الحاكمة للاقتصاد والاستثمار واحترام التعاقدات السابقة. وكذلك إلغاء خطابات الضمان فى المشروعات الجديدة.
أما بالنسبة للوضع الاقتصادى فأتصور أننا فى حاجة للحد من عجز الميزان التجارى، وما يصيبنا بالاستفزاز أن هناك قائمة كبيرة من السلع الاستفزازية تدخل مصر وتمثل ضغطا على الدولار مثل الكافيار والاستاكوزار ونوعيات لا حصر لها من الأجبان والأغذية ومستحضرات التجميل.
< هل تتوقع أن تضطر الحكومة المصرية الى تخفيض عملتها؟
- فى ظل وجود حكومة الجنزورى. لا. أتصور أن مثل ذلك القرار له كثير من الآثار الخطيرة ولا يمكن اتخاذه بسهولة. 
 

أهم الاخبار