رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

مليونيات بلا هدف.. باب مفتوح على الفوضى!

حوارات وملفات

السبت, 17 سبتمبر 2011 16:25
كتب: خليل العوامى ورامى المنشاوى وولاء نعمة الله وصلاح شرابي

رغم  العديد من التطورات السلبية التي تمر بها مصر على صعيد حالة عدم الاستقرار منذ ثورة يناير،

إلا أن ما حدث خلال جمعة تصحيح المسار من محاولة اعتداء على السفارة الإسرائيلية وما صاحب ذلك من أحداث شملت الاعتداء على مديرية أمن الجيزة ومبنى وزارة الداخلية أثار العديد من التساؤلات حول مستقبل الفوضى في مصر والإشارة إلى أنها لم تعد فوضى خلاقة!
وقد فتح ذلك الباب واسعا أمام الحديث عن الفوضى، الأمر الذي فرضه في الوقت ذاته تجديد العمل بقانون الطوارئ، وسط كل ذلك يتساءل الكثيرون عن الأسباب التي أدت الى تفاقم الأمور على هذا النحو في مصر بشكل قد يشوه الثورة التي بدت رائعة في نظر العالم أجمع؟ وكيف يمكن لنا أن نخرج من هذه الحالة إلى وضع يعبر بمصر إلى بر الأمان في ضوء حقيقة تربص أطراف كثيرة داخلية وخارجية تستهدف النيل من البلاد وإغراقها في حالة من الفوضى.
ورغم الاتهامات التي تطال فلول النظام السابق، وهي صحيحة، ودورها في إشعال الموقف، إلا أن الأمر يبقى في يد المصريين فبيدهم وحدهم تفويت الفرصة على هؤلاء، فكيف نواجه الفوضى، وإلى أي حد أسهمت حالة السيولة ما بعد الثورة خاصة فيما يتعلق بتنظيم المليونيات في إحداثها وكيف يمكن لجهاز الشرطة أن يلعب دوره في حماية أمن الوطن وإنقاذه من التردي في قاع سحيق من عدم الاستقرار .. هذا ما نناقشه في هذه السطور.

المظاهرات الفئوية .. تهدد الثورة بالفشل
مظالم زرعها نظام مبارك .. تحصد «مرحلة ما بعد يناير» ثمرتها المرة  



يؤكد الواقع والتاريخ معا أن ثورة حدثت فى مصر يوم 25 يناير 2011، استطاعت أن تسقط خلال 18 يوما نظاما ظل جاثما على مقدرات البلاد ثلاثة عقود كاملة، تمكن خلالها ليس فقط من إذلال المصريين ونهب مقدراتهم وإنما أيضا تدمير ما كانوا يملكونه من مؤسسات دولة على رأسها قطاعات التعليم والصحة والنقل والقضاء والتصنيع والزراعة والإدارة بصورها المختلفة، هذه المؤسسات التي وضع حجر الأساس فيها محمد على باشا فى بدايات القرن التاسع عشر وأكمل عليها المصريون من جهدهم ودمائهم وأرزاقهم .
وبعيد عن الكلام النظري حول كيفية تخريب هذه المؤسسات وفنيات إصلاحها، فإن التخريب وضح للعيان فى صورة المظاهرات الفئوية التى تجتاح البلاد طولا وعرضا، فقد بدأت هذه المظاهرات الفئوية على استحياء قبل عام 2005 ، ومع انقضاء هذا العام باتت وعلى مدار السنوات التى تلته جزءا من المشهد اليومى لمصر، وخلال تلك السنوات وباستثناء الوزراء ورجال الأعمال المقربين من النظام البائد لا توجد فئة فى مصر لم تتظاهر ابتداء من القضاة والاطباء والمحامين والصحفيين وصولا الى عمال النظافة والتجميل وعمال اليومية والزبالين.
والحقيقة ان المشهد لم يتغير بعد الثورة ، فقد انتهى نظام مبارك السياسي، ولكن لم تنتهي المشكلات التى تسبب فيها طوال سنوات حكمه نتيجة انتشار الفساد والمحسوبية واهدار المال العام وغياب الرؤية والارادة السياسية للتغيير والتنمية.
فبعد اسابيع قليلة على تنحى مبارك تفجرت موجة واسعة من المظاهرات الفئوية حتى انها زادت فى حدتها وقاعدتها عما كانت عليه قبل الثورة نتيجة انهيار فزاعة امن الدولة والارهاب الوظيفى من زبانية الحزب الوطنى لموظفى الشركات وعمال المصانع. وقد تصاعدت هذه المظاهرات حتى وصل عددها فى اليوم ، وفقا لتصريح الدكتور عصام شرف رئيس الوزراء ، الى 180 مظاهرة.

مظاهرات مختلف القطاعات
فقد خرجت فئات عديدة من المجتمع المصرى، فى معظم محافظات الجمهورية وليس بالعاصمة فقط ، مطالبة بحقوق هى فى معظمها اقتصادية، وعلى رأس هولاء نجد موظفو البنوك وشركات الكهرباء والطيران وعمال مئات من مصانع الغزل والنسيج ومصانع العاشر من رمضان و6 اكتوبر ومدينة السادات والعبور، فضلا عن تظاهرات العاملين فى البورصة وشركات السياحة وتداول الاوراق المالية والمحليات وشركات المياه والصرف الصحى، والمصرية للاتصالات والمصل واللقاح والهيئة العامة للتأمين الصحى، وهيئة البريد، وهيئة النظافة والتجميل، والجهاز القومي للرياضة، والسكة الحديد، وسائقو السرفيس، واهالى الواحات البحرية وشباب الخريجين، واوائل كليات الحقوق وغيرها، وطلاب طب بيطرى جامعة المنصورة وطلاب ومدرسي جامعة النيل، وموظفي وزارات الأوقاف والكهرباء والرى والزراعة والبترول والطيران والمالية والاثار ومجلس الوزراء ايضا.
كما تظاهر أيضا أساتذة المركز القومي للبحوث وأهالي النوبة، وطلاب الجامعات بما فى ذلك طلبة الجامعة الامريكية والحقيقة انه حتى حديقة الحيوان لم تسلم من المظاهرات الفئوية، كما لم يفوت التلاميذ فرصة كرنڤال التظاهرات وخرج تلاميذ احدى المدارس فى مظاهرة ضد القائمين على «كنتين» المدرسة الذى يبيعهم الحلوى بأسعار مبالغ فيها.
وبرغم أهمية كل هذه المظاهرات والاحتجاجات، وبرغم مشروعية مطالب اصحابها، وكذلك برغم كل ما يمكن ان يثار من جدل حول مدى احقيتهم فى التظاهر مقابل مدى اهمية العمل والانتاج، وبرغم ايضا ما شاب المئات من هذه المظاهرات من تعطيل للطرق وقطع لها احيانا، وتعطيل حركة القطارات وانتاج المصانع وغير ذلك من اشكال التصعيد الاحتجاجى، برغم كل هذا، فإن هناك ما هو صعب وأكثر أهمية، وهو تهديد المدرسين وسائقي وموظفي النقل العام بالاضراب عن العمل مع بداية العام الدراسي الذي بدأ عمليا أمس، وكذلك تهديد اعضاء هيئات التدريس بالجامعات بالاضراب عن العمل الاسبوع المقبل، واذا وضعنا الى جانب هذا اضراب الأطباء فمن المؤكد أن الأمر جد خطير.

العامل الاقتصادي هو الأساس
والمتتبع لمطالب الفئات المتظاهرة المختلفة يجد تباينا وتنوعا فيها إلا أن ذلك لا يمنع انها جميعا يجمع بينها العامل الاقتصادى وحلم تحسن الدخل ، فأغلب المطالب تتعلق فعلا إما برفع الرواتب الاساسية او زيادة الحوافز والمكافآت او زيادة بدل المعيشة او بدل المخاطر او تأخر صرف احد هذه البنود ،او وضع حد ادنى للأجور كنوع من الكادر الخاص كما يطالب الاطباء مثلا، بالاضافة الى مطالب بالتثبيت او التعيين او تخفيض عدد ساعات العمل وتحسين ظروفه، كما تتعلق بعضها ايضا بالتأمين الصحى و التأمين الاجتماعى او تقنين اوضاع اراض او تخفيض مصروفات الجامعة.
وبجانب المطالب الاقتصادية نجد بعض الفئات لها مطالب اخرى كالمدرسين مثلا الذين يطالبون بتطوير العملية التعليمية كلها وتطوير المناهج وتوحيدها وتخفيض عدد التلاميذ واعادة الاحترام للتعليم الحكومى واخيرا منهم من يطالب بإقالة وزير التربية والتعليم احمد جمال الدين.
كما نجد اعضاء هيئات التدريس ينضم لهم طلاب الجامعات يرفضون قواعد انتخاب القيادات الجامعية المقرر لها 24 من الشهر الجارى، كما يطالبون بالاهتمام بالبحث العلمى وزيادة ميزانيته، بالإضافة لتحقيق مطلب استقلال الجامعة. وهنا ايضا نجد مطالب اساتذة المركز القومى للبحوث بانتخاب لقيادات وتطوير المجتمع البحثى، وكذلك مطالب الاطباء بحماية المستشفيات من البلطجة وتطهير وزارة الصحة من الفساد. كما حدد متظاهرو حركة «بيطريون بلا حدود» مطالبهم فى وقف تمرير قانونى «هيئة سلامة الغذاء، والطب البيطري». وفى نفس الوقت تظاهر المهندسون لتنفيذ حكم القضاء برفع الحراسة عن نقابتهم وتشكيل لجنة لاستلامها من الحارس القضائى بعد 15 سنة فى الاسر.

رؤية للحل
هناك عدة حقائق تتعلق بالمظاهرت الفئوية اولاها خاصة بأصحاب المطالب انفسهم، وباقيها تتعلق  بالحكومة والمجلس العسكرى وطريقة تعاملهما مع المشكلة:
اولا: فيما يتعلق بأصحاب المطالب الفئوية فهم لا يتوقفون عن مطالبهم ليل نهار وبرغم ان بعضا من مطالبهم ملح جدا، إلا أن بعضها الآخر يمكن التمهل فيه حتى تضع له الحكومة حلا على المستوى المتوسط او حتى البعيد، الا ان هذا لم يحدث فالكل يريد تحقيق مطالبه وفورا ، هذا إلى جانب أن بعضهم يخرج عن النص ويصعد من احتجاجه مرة وحدة ويقوم بتعطيل الطريق او حركة القطارات وما شابه ذلك من عمال التصعيد.
ثانيا: لم تخرج علينا الحكومة او المجلس العسكرى حتى الآن بخطة واضحة لحل مشكلات المجتمع المتعلقة بتحسين الاوضاع المالية بصورة مرضية، او تحسين اوضاع العمالة وانهاء ازمات غير المعينين، كما انهما، المجلس والحكومة، فى الحقيقة لم يطرحا حتى الآن رؤية واضحة للإصلاح وتحسين الأوضاع العامة، ناهيك عن التباطؤ الشديد

فى تطهير مؤسسات الدولة من الفاسدين وبواقى النظام السابق الذين وصولوا لمقاعدهم بالمحسوبية.
ثالثا: رغم ان رئيس الوزراء كلف وزيرى المالية والعمل بفتح حوار مشترك مع كل اصحاب المطالب ووضع خطط لتحقيقها، فإننا لم نعرف حتى الان نتيجة ذلك، ورغم انه تحدث فى خطابين له فى  18 ابريل و25 مايو الماضيين عن المظاهرات الفئوية واعرب عن تفهمه لأصحابها واعدا بحلها إلا أنه من جانب لم يطرح فى الخطابين خطته للوفاء بوعده ومن جانب آخر فقد اتسم حديثه فى الخطاب الثانى بلغة التخوين واستخدم الفاظا من نوعية «القلة» التى تستغل الموقف لإشاعة الفوضى.
رابعا: مرة تلو الاخرى تكشر حكومة الثورة عن انيابها للمتظاهرين فئويا، وتلوح بسلاح المنع والتجريم فمع اشتعال المظاهرات الفئوية عقب نجاح الثورة أصدرت الحكومة مرسوما بقانون بمنع التظاهر والاعتصام، وقالت ان المقصود الاعتصام الذى يعطل العمل، وفى 9 سبتمبر الجارى وبعد اجتماع مشترك بين المجلس العسكرى ومجلس الوزراء اعلن الاخير قرار بمنع التفاوض مع المعتصمين فى اى مكان قبل ان يفضوا اعتصامهم، وبعد ذلك بيومين فقط اعلن المجلس العسكرى التوسع فى تطبيق الطوارئ ليشمل الاعتداء على حرية العمل وتخريب المنشآت وتعطيل المواصلات العامة، وهنا نسأل: هل يقع تهديد سائقي النقل العام بالاضراب تحت طائلة الطوارئ؟ وماذا عن اضراب الاطباء والمدرسين واعضاء هيئات التدريس؟
وآخر ما يقال ان المظاهرات الفئوية ستبقى الى ان تنتفى اسبابها.. فهل سيظل اصحاب المطالب يصرون على تحقيقها كلها فورا؟ وهل ستظل الحكومة تضع حلولا عقابية ومنعية كم كنت الحكومات السابقة عليها ام ستعمل على ايجاد حلول حقيقية؟ 


حالة فوضوية .. أم ضريبة الحرية والتغيير؟
تكرار الفكرة يعزز مسألة عدم الاعتراف بالسلطة والنظام في أي مجال



خرج المواطن المصري بالعديد من الاستنتاجات إزاء متابعته لمشهد اقتحام السفارة الإسرائيلية بالقاهرة، وقد انقسمت مواقف المصريين ما بين مؤيد لهذا العمل ومعارض له، وبالطبع فقد كان لكل أسبابه التي تدفعه إلى تأييد الموقف أو استنكاره. غير أن هذه الاستنتاجات على تنوعاتها، اتفقت كلها على مصطلح واحد هو أن الفوضى تعم أرجاء الوطن المصري.
وبدراية وبدون دراية راح الكل يتحدث عن حالة الفوضى دون أن يعي ماذا يحمل هذا المصطلح من معني او مدلول تاريخي, وانقسمت الآراء حول الفئة التى حاولت اقتحام هاجمت السفارة ومدلول ذلك.
رأت طائفة من المجتمع المصري أن الفئة التى هاجمت السفارة فئة تنتمي لفصيل الثوار المصريين وان قيامهم بحالة التعدي هو رد شرف شعبي عقب استشهاد ابناء الشعب المصري على حدود سيناء, وأن الرد الشعبي له دلالة بالغة على غياب الموقف الرسمي لأولى امر البلاد والعباد, في حين رأت طائفة أخرى أن من اعتدوا على السفارة الإسرائيلية هم قلة مندسة تنتمي لفصيل الفلول ونظام المخلوع مبارك وتبنت هذه الطائفة نظرية المؤامرة على الثورة واستشهدت في زعمها بالبيانات التي تبرأت فيها الأحزاب والحركات السياسية من مشاهد الاعتداء.

موقف الكتلة الصامتة
وفئة أخيرة ثالثة يطلق عليها في المصطلح السياسي اسم «الكتلة الصامتة « تلك التي تشمل الغالبية من أبناء الوطن, جنحت هذه الفئة إلى رأى ثالث حيث ارتأت أنه بغض النظر عن هوية من اقتحموا السفارة سواء كانوا ثوارا أو تابعين للفلول فإن المشهد  تعبير عن حالة الفوضى التى تعم البلاد وتنتشر بها, ومن هنا شاع مصطلح الفوضي مجددا ولكن بشكل أقرب إلى تبني المصطلح والفكرة عن وعي وعن لا وعي. «البلد عايشة في حالة فوضي»، ستسمع هذه الكلمة من سائق التاكسي الذي يقلك ومن بائع الخضراوات الذي تشتري منه ومن زميلك في العمل, لذا لنا أن نتوقف أمام مصطلح الفوضى لمعرفة ماذا يعني هذا المصطلح وماذا يقصد أبناء الوطن في استشهادهم بهذا المصطلح.
ثلاثة عقود زمانية استطاع فيها المخلوع مبارك غرس قيمة الثبات والجمود لدي الشخصية المصرية, واستشهد هنا بلقاء جمعني بالكاتب والباحث الدكتور عمار على حسن قال خلاله جملة بالغة الدلالة مؤداها: إن نظام مبارك استطاع غرس قيمة الجمود في الشخصية المصرية, وبدل حالة الاستقرار النفسي التى تجنح اليها شخصية المصري إلى حالة من الموات, أصبح المصري يخشي من أي تغيير يحدث مخافة أن يفقد لقمة الخبز الذي يستطيع أن يحصل عليها بالكاد ,ومن الطبيعي أن تنتشر جمل وأمثال شعبية من قبيل «اللى نعرفه احسن من اللى ما نعرفوش «وباتت هناك خاصية مشتركة بين المصريين تجعلهم صابرين على الظلم بحجة التخوف من التغيير».
ولنا هنا أن نقتطع من مشهد قديم جمع مبارك بالإعلامي عماد الدين أديب حيث قال وكرر الجملة اكثر من مرة: «أخاف على مصر من الفوضى», كررها المخلوع بأكثر من طريقة، في محاولة للعب على مخاوف المصريين ملوحا لهم بالعصا والجزرة, باختصار لعب على ما غرسه نظام الثالوث الحاكم «الأب والابن والام»: بطشي وتنكيلي وقمعي أحب اليكم وافضل من تغيير يحدث فوضي تذهب بأرزاق الغلابة من هذا الوطن وهم كثر.
وعودة إلى معني الفوضي, وتوقيت ظهوره تاريخيا فقد ظهر المصطلح في اول استخداماته أثناء الحرب الأهلية بانجلترا عام 1647م, عقب انهيار نظام الدولة وظهور العديد من الآراء التى تنادي بالإصلاح ولكن بأيديولوجيات وتوجهات مختلفة ,ولكن ماذا يعني هذا المصطلح؟
يوضح القاموس الانجليزي اوكسفورد أن الفوضى تعني عدم وجود حكومة أو سلطة حاكمة بشكل يقنع الجماهير وغياب الحكومة، حالة من الفوضى بسبب غياب أو عدم فعالية السلطة العليا؛ فتنتج  الفوضى السياسية, والفوضى تعني الحرية المطلقة دون إثارة اضطرابات وتعريف اخر بنفس القاموس يقول: إن الفوضى تعني «عدم وجود أو عدم الاعتراف بالسلطة والنظام في أي مجال».

الفوضى وطبيعة المصريين
ولكن من يسبب الفوضى وما تفسير حالة الفوضى التي تسود مصر؟ قد يكون من الضروري هنا استعادة ما قرره جمال حمدان في موسوعته «شخصية مصر» من أن الشعب المصري يميل بحسب التكوين الجغرافي وطبيعة النيل الانسيابية إلى فكرة الاستقرار ,بمعني انه شعب مسالم، لكنه أيضا في حالة الفيضان يغرق الأخضر واليابس ثم يعود مرة اخرى إلى حالة الوداعة في مجراه. ومن منظور مجال الاجتماع السياسي فقد راح كثيرون يؤكدون أن المصري يميل إلى وجدانه في الحكم على الأشياء, والوجدان هنا يعني الإيمان والتيقن من الشيء, ونستطيع عبر ربط بسيط بين كل ما ذكرناه الخروج بجملة مفيدة وموجزة مفادها الآتي: «إن ما ينقص الشعب المصري للخروج من ازمة ما بعد المخاض هو القناعة والإيمان بالمؤسسة والأفراد الذين يديرون أموره فليس معقولا أن يخرج شعب في ثورة شعبية ضريبتها فلذة أكبادنا لتكون النتيجة ديمقراطية مبتورة او عدالة اجتماعية معوقة او لقمة خبز ممرغة بالتراب, ينقص المصريون أن يؤمنوا بمن يحكمونهم فتتولد الثقة وتنعدم حالة الفوضى والغياب.
إن ما ذكره الفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو بشأن مخاطر الديمقراطية والتغيير يبرز في تعدد الائتلافات والحركات والأحزاب مما يولد الصراع السياسي والفكري الذي يهدد سلم المجتمع، إضافة إلى سرعة

تغيير وتبديل الحكومات والمسئولين ,وهذا ما يشهده الواقع المصري حاليا, لكن جان جاك روسو اعلن صرخته الشهيرة: «انني افضل الديمقراطية مع الخطر عن العبودية مع السلم». وخرج المفكر المصري خالد محمد خالد بجملة أكثر جمالا في رائعته الفكرية: «الديمقراطية أبدا» حين ذكر, أن الديمقراطية قادرة على تصحيح نفسها وتعديل مسارها, فاليابان خرجت بعد الحرب لتعلن تشكيل أكثر من 500 حزب سياسي، وكذا بريطانيا التى توالدت فيها الأحزاب السياسية بشكل مخيف ,لكن في النهاية أسفرت التجربة الديمقراطية عن «فلترة» كل هؤلاء وبقاء ثلاثة أحزاب على الأكثر قوية تعبر عن نبض الشارع الانجليزي.

مواجهة الانفلات.. بين قانون الطوارئ والأحكام العرفية
الاستياء الشعبي من القوانين الاستثنائية يجعلها سيئة السمعة
دور المجلس العسكري كحامٍ للثورة يفرض عليه العمل بالقوانين الطبيعية

 

مابين تطبيق حالة الطوارئ وتلويح البعض بإمكانية لجوء المجلس العسكري إلى فرض الأحكام العرفية.. تفرض حالة الفوضى غير الخلاقة نفسها على المشهد العام في بلادنا.. الأيام تتوالى والأحداث المؤسفة التي تشهدها الميادين في مصر تتلاحق.. ولا احد يعرف ما هو الحل لكبح جماح هذه الحالة التي قد تطول بما يمكن أن يستتبعها من العديد من الكوارث.
التساؤل الذي يرد على الأذهان عقب إعلان المجلس العسكري مد العمل بحالة الطوارئ ,هو ما هو الفارق بين هذا الشبح الذي تنفر منه جميع القوى السياسية في مصر وبين الأحكام العرفية التي تراها الحركات السياسية الشبابية قيدا جديدا على الحريات؟
حقيقة الأمر أن بين كليهما خيطا رفيعا أساسه إيجاد وسيلة لردع المخالفين وضبط النفس.. وإذا كانت الأحكام العرفية تخول حق إطلاق النار على اى شخص خارج عن القانون، فان فرض الطوارئ يعتبر الوجه الآخر للأحكام العرفية, حيث يحق للمجلس العسكري إصدار قرارات لها قوة القانون، بدا تطبيق قانون الطوارئ منذ نحو 30 عاما, لم تشهد فيها مصر سوى أوقات قصيرة طبق فيها العمل بهذا القانون.. ففي عهد الرئيس الراحل أنور السادات تم إلغاء العمل به فى عام 1981.

القانون سيئ السمعة
لكنه عاد مرة أخري بعد عملية اغتيال الرئيس السادات.. ومنذ ذلك الحين استمر العمل به رغم المطالب الشعبية بإلغائه ووصفه «بالقانون المشبوه»، واستندوا فى ذلك إلى أن هذا القانون يعمل به فى أوقات طارئة، وفي 12 مايو 2010، وافق البرلمان المصري على تمديد العمل بالقانون لمدة عامين آخرين, ووقتها أكدت حكومة النظام السابق أن العمل بالقانون لن يتم بعد الانتهاء من إعداد مشروع قانون الإرهاب. وتفرض حالة الطوارئ العمل بالأحكام المدنية.. وهى على عكس الأحكام العرفية التي تلغى العمل بالقضاء المدني أو الأحكام المدنية ويتم خلالها الالتجاء الى المحاكمات العسكرية.. وكما هو معلوم ، فإن هذا النظام تلجأ اليه الدولة إذا ما استلم العسكريون الحكم وأوقفوا العمل بالقوانين المدنية أو أخضعوها لسيطرتهم.. وهو نظام استثنائي تلجأ إليه الدول في حالة الأزمات الطارئة واختلال الأمن وتقرر فيه حالة الطوارئ ومنع التجول حتى يزول الخطر عن البلاد وتمنح فيه السلطة التنفيذية سلطات واسعة حتى يعود الأمن والاستقرار للدولة.. وتتضمن أحكامها فرض الرقابة على الصحف والمطبوعات الدورية قبل نشرها، ووفق نشرها وتداولها، والأمر بمنع صدور أي جريدة أو مجلة، وإغلاق أي مطبعة وضبط المطبوعات والنشرات والإعلانات والرسومات التي من شأنها إثارة الخواطر أو الحض على الفتنة أو الإخلال بالنظام أو الأمن العام.
ولمجلس الوزراء الحق في التضييق من دائرة الصلاحيات المتقدمة للسلطة القائمة على إجراء الأحكام العرفية، كما يجوز له أن يأذن باتخاذ أي تدبير تقتضيه ظروف الأمن والنظام العام في كل أو بعض الجهات التي تجري فيها الأحكام العرفية، ويعاقب من يخالف الأوامر والنواهي الصادرة من السلطة القائمة على إجراء الأحكام العرفية بالعقوبات المنصوص عليها فيها، ولا يجوز أن تزيد هذه العقوبات على الحبس لمدة سنتين، ولا على غرامة مقدارها 500 جنيه. وذلك بغير إخلال بتوقيع عقوبة أشد يقضي بها قانون الجزاء أو أي قانون آخر نافذ المفعول في البلاد، وبمقتضى الأحكام العرفية يجوز إلقاء القبض على المخالفين في الحال، وللمحكمة التي تنظر المخالفة أن تصدر قرارها بالإفراج المؤقت عنهم، بشرط تصديق السلطة القائمة على إجراء الأحكام العرفية على هذا الإفراج، بالنسبة إلى الجرائم المتعلقة بأمن الدولة وسلامتها.

لغة الحوار
ويرى الخبراء انه من الصعب لجوء المجلس العسكري إلى تطبيق الأحكام العرفية وذلك لعدة أسباب أولها انه سيظل الحامي الحقيقي للثورة المصرية وسط محاولات الشغب والفتن التى يصنعها البعض وثانيها ان تطبيق الأحكام العرفية يعنى شللا تاما للحياة السياسية فى مصر.. وهو بعيد عن منهج المجلس العسكري الذي ارتضى منذ تحمله مسئولية البلاد إيجاد لغة للحوار بين أطياف القوى السياسية فى مصر.. لكن هذا لا ينفى حالة الاستياء العام التى تظهر من مد العمل بحالة الطوارئ.
ترى هل سيظل العمل بهذا القانون هو امتداد لعصر سابق وعهد جديد يحلم فيه الشعب المصري بحرية حقيقية وديمقراطيه قوامها العدالة ورجاحة الفكر وتغليب المصلحة العامة على المصالح الخاصة.

 


موضة «المليونيات».. ودورها في تعزيز حالة عدم الاستقرار
انحراف «تصحيح المسار» عن هدفها أثار التساؤلات حول فكرة المليونية


فتحت ثورة 25 يناير باب الحرية للمصريين وأعادت لهم بريقهم وأكدت لهم أن الشعب المصري قادر علي تغيير مجريات الأمور في أقل وقت عندما يفيض به الكيل خاصة بعد صمت استمر لمدة 30 عاما هي مدة حكم الرئيس المخلوع حسني مبارك ونظامه البائد.
وبدأت الثورة عن طريق الدعوة إلي المظاهرات الحاشدة يوم 25 يناير لتواصل اشتعال أوزارها في ميادين وربوع مصر لتفرض رأيها وتجبر الرئيس المخلوع علي ترك الحكم وبالتالي كانت الدعوة إلي المظاهرات المليونية هي طريق المصريين للتعبير عن موقفهم وتوضيح رؤيتهم بشكل سلمي تحدث عنه العالم.
وتميزت المليونيات خاصة في ميدان التحرير بتوحد مطلبها وهو تنحي الرئيس وتجمع المصريين من كل حدب وصوب حول هذا المطلب، إلا أنه سرعان ما تغيرت المطالب وتنوعت بن الحين والآخر ووصل الأمر إلي المشاركة فيها لعرض المطالب الفئوية.
من هنا كانت القوي الوطنية والأحزاب السياسية والحركات الاحتجاجية علي موعد فاصل وحاسم من المشاركة في هذه الدعوات واختلفت الاستجابة للمشاركة من عدمها حسب الأحداث الجارية وطبيعة الموقف ومدي تأثيره علي الشارع والمواطن المصري الذي يأمل في تحقيق الاستقرار والشعور بالأمن.

تعدد الدعوات للمليونيات
ولعب الموقع الاجتماعي «الفيس بوك» دورا خطيرا وكان عاملا أساسيا في تحريك المصريين لكونه وسيلة اتصال سريعة خاصة بين فئة الشباب المتواصل عبر هذه الشبكة، واستخدم أيضا لبث روح الوقيعة أحيانا ونشر أخبار لا تهدف سوي للإثارة فقط.
وقد كان السبب الرئيسي في تعدد الدعوات للمليونيات عدم شعور المواطن المصري بنجاح الثورة أو وجود مؤشرات لديه تؤكد له وتضع له جدولا زمنيا لانتهاء المرحلة الانتقالية التي يديرها المجلس العسكري وتسليم البلاد للسلطة المدنية وانتخاب مجلسي الشعب والشورى بطريقة يرتضيها ويوافق عليها غالبية الشعب. ربما كانت هذه الأسباب دافعا أساسيا لخروج الناس في المظاهرات كل يوم جمعة في ميدان التحرير،في الوقت الذي رفض فيه غالبية القوي والأحزاب السياسية المشاركة في أغلبها ومنح الفرصة للمجلس لتحقيق مزيد من الاستقرار.
لكن المليونيات وخاصة التي سميت بـجمعة «تصحيح المسار» كانت نقطة فارقة لدي المصريين خاصة المحافظين علي المشاركة والمواظبة علي الحضور للميدان كل يوم جمعة بعد الفوضى التي شهدتها شوارع القاهرة واقتحام مقر السفارة الإسرائيلية وأعمال التخريب التي شهدتها مديرية أمن الجيزة وبعض أقسام الشرطة.
كان من الطبيعي أن يخرج الشباب للتظاهر عند السفارة وفي قلب ميدان التحرير للتعبير عن رفضه بعد الأحداث التي شهدتها الحدود مؤخرا والتي نتج عنها مقتل بعض الجنود والضباط المصريين علي أيدي القوات الإسرائيلية، لكن لم يكن من المقبول أن تتحول هذه المظاهرات إلي فوضي ترتكب خلالها الأعمال الإجرامية واقتحام مؤسسات الدولة بل وهز صورتها وضياع هيبتها وهو مالا يسمح به المصريون أنفسهم قبل القيادات والجهات التنفيذية وسلطة الحكم.

فوضي تصحيح المسار
البعض كان يري أن مليونية تصحيح المسار رغم أنها لن ترضي أحدا إلا أنها لن تخلو من تحقيق المكاسب من بينها أن السلطة في مصر كان عليها أن تعرف أن هناك قوي أخري في الشارع غير التيارات الدينية التي تعتقد أنها الوحيدة علي الساحة بل كانت تنتظر فشلها لعرض عضلاتها وإيهام الناس بأنهم القوي الوحيدة.
بل إن القوي التي خرجت يوم تصحيح المسار لجأ بعضها إلى استخدام العنف، وفق العديد من الروايات، الأمر الذي حول المظاهرات إلي فوضي أعادت للأذهان انسحاب الشرطة إبان المظاهرات وعدم الشعور بالأمن ومن هنا كان اللجوء إلى تطبيق وتفعيل قانون الطوارئ الذي دُعي إلي مليونية أخري لرفضه. ولعل ذلك يفسر رفض الكثير من الأحزاب والتيارات للمشاركة في المليونيات مجهولة الهوية وسط خوف من أن يفقد ميدان التحرير قيمته وتفقد المليونيات تأثيرها.
والسؤال الذي يطرح نفسه الآن هو هل تتحول المليونيات إلي فوضي تسعي لتخريب مؤسسات الدولة وربما تمولها قوي عدائية لا تريد خيرا لهذا الوطن، وبالتالي تستغل في الداخل لفرض قوانين تكون بمثابة إجراء تمهيدي لاستمرار النظام الحاكم؟!.
من المؤكد أن الدعوة لأي مظاهرات بدءا من اليوم فصاعدا ستكون لها مسئولياتها الكاملة تجاه الوطن، خاصة إذا شهدت أعمالا تخريبية في الوقت الذي يعلن فيه المجلس العسكري عدم تأمينه للمظاهرات خوفا من بث الوقيعة بين الجيش والشعب وبالتالي تفتح المظاهرات مصراعيها للقوي التخريبية والبلطجية.
وستعمل الأحزاب السياسية والقوي الوطنية علي توخي الحذر بصورة أكبر خلال الفترة المقبلة قبل أن تعلن رفضها أو قبولها المشاركة لكونها كيانات عليها واجب وطني تجاه الوطن وضرورة الحفاظ علي استقراره وتتحمل مسئولية تعرضه للمخاطر. وستكون فئات الشعب المصرية غير منتمية لأحزاب أو كيانات خاصة الطبقة العاملة أكثر حرصا بل وتخوفا من المشاركة أيضا ووقوعها فريسة في الأحداث الفوضوية.
فهل ستنحرف المظاهرات عن مسارها الطبيعي وشكلها وتنظيمها الرائع منذ الطليعة الأولي لها في بداية الثورة أم ستتحول إلي طريق للفوضي وتخريب الوطن؟!

أهم الاخبار