رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

مكرم محمد أحمد: التحقت بالإخوان 6 سنوات

حوارات وملفات

الخميس, 18 أغسطس 2011 20:52
حوارات رمضانية لـ خيري حسن وعدسة: مجدي شوقي

ذات صباح في مدرسة «المساعي المشكورة» بمنوف محافظة المنوفية وقف الطالب - حينئذ - مكرم محمد أحمد يفكر في العمل السياسي، الوفد علي الساحة بقوة، كان هذا عام 47 أو قبلها بقليل، ومصر الفتاة موجود والإخوان المسلمين في عصرها الذهبي ومجدها السياسي وشبابها المفم بالأمل للبلد، وعند كلمة الشباب توقف الشاب مكرم وحسم أمره «يبقي الإخوان» وانضم لمدة 6 سنوات - حسب قوله - ولم يتركها إلا عندما قيل له من بعضهم: «يا مكرم السينما حرام»!!

سنوات مرت ومازالت هذه الصور لا تفارق مخيلة نقيب الصحفيين الذي استقال قبل أن تبدأ - أي النقابة - مرحلة التفتيت المنظم تحت مسميات «نقابة» و«نقابة مستقلة». وكأن حال النقابة من حال البلد، إن استقر استقرت وإن عمت «البلد فوضي» - كما هو حاصل الآن - نجد من يخرج علينا بـ«نقابة للصحفيين تسمي مستقلة» وهي لا نقابة، ولا لصحفيين ولا مستقلة.

موعدنا معه كان في اتحاد الصحفيين العرب بوسط البلد، المقر بالدور العاشر، عامل الأمن قال: الأسانسير عطلان.. اتصلت بالأستاذ مكرم، قال: خليك مكانك أنا في الطريق.. بعد دقائق جاء، وصعدنا معا في «أسانسير» خاص. كان قد أنشأه إبراهيم نافع.. ثواني ووصلنا الاتحاد.. وبدأنا الحوار عن رمضان زمان والإخوان والوطن الذي كان في مجده الليبرالي.

< رمضان في الصبا والطفولة في حياتك.. كيف كان؟

- أنا نشأت في مدينة منوف بالمنوفية وكانت مدينة من أهم مراكز المنوفية.

< ومن أين جاءت أهميتها؟

- أهم ما كان يميزها - وباقي مدن المنوفية - هو انتشار التعليم، نتيجة الفقر، وضيق مساحة المحافظة، وضيق الرقعة الزراعية، كان يجعل الأهالي دائما يحاولون الهروب من الفقر.

< والتعليم كان الملاذ لهم؟

- بالضبط.. كنت تجد البيوت فقيرة، والناس غلابة ولكن كل الأولاد لابد أن تذهب الي المدرسة.

< وكنت أنت من بين هؤلاء الأولاد؟

- نعم.. أنا من أسرة متوسطة ونشأت في هذه الأجواء وظللت فيها الي أن حصلت علي الثانوية العامة من مدرسة منوف الثانوية.

< رمضان في منوف كيف كان يأتي؟

- كان في المدينة «مدفع» ونحن كنا نلتف حوله ونحن صغار، وكان الرجل يلف قطعة من «الخيش» وينظف ماسورة المدفع قبل عملية الإطلاق، وكانت هذه أجمل لحظة في طفولتنا ثم نبدأ الجري علي بيوتنا،. وعند التاسعة من العمر، كان مفروضا علينا الصيام، أيام متقطعة وإن استمر الطفل منا يكون أمرا جيدا.

< وهل كان هذا الفرض بقسوة من أولياء الأمور؟

- لا.. كان بالهدوء واللين، فعندما كانت الأسرة تشعر أن طفلها غير قادر علي مواصلة الصيام كانت تسمح له بالإفطار، وكنا نذهب ونحن أطفال الي سوق المدينة نجمع «الحلوان» بتاع رمضان.

< وما هذه «الحلوان»؟

- هي عبارة عن تبرعات كان يعطيها لنا - ونحن أطفال - أصحاب المحلات الكبيرة، نجمعها ونذهب لن تري بها فوانيس وطيارات ورقية وكانت في هذه الفترة - التي كبرنا فيها بعض الشيء - تنشط بيننا جماعة الإخوان المسلمين.

< كان هذا في عام 47 تقريبا.. أليس كذلك؟

- تقريبا لأنني في عام 1952 كنت في التوجيهية «الثانوية العامة اليوم» في مدرسة المساعي المشكورة، وكانت مدرسة من أفضل المدارس في مصر كلها، وكانت تتبع المدرسة جمعية المساعي المشكورة التي تعد واحدة من أعظم جمعيات المجتمع الأهلي، وكان يرأسها عبدالعزيز باشا فهمي أحد أبطال ثورة 1919.

< وعلي ماذا كانت تركز الجمعية نشاطها؟

- علي التعليم وأنشئت في كل مدينة في المنوفية مدرسة ابتدائية وثانوية والمدارس كانت مقامة علي أفضل الأماكن، كانت المساعي المشكورة في

وسط المدينة، وبها حديقة كبيرة، كل الفصول تطل عليها وهناك حجرة رسم جميلة وقسم للموسيقي وللرياضة، كانت مدرسة بحق.

< نعود لجماعة الإخوان المسلمين - حسب كلامك - كانت تنشط بينكم في ذلك الزمان؟

- آه كانوا يحاولون جذب الفتيان وكان لها شعبية في المدينة ومن سن 12 سنة كنا نلتحق بها ونتعلم الصلاة والصيام ونحفظ بعض أجزاء من القرآن الكريم.

< تقول نلتحق؟

- نعم أنا التحقت بالجماعة وظللت بها حتي سنة ثانية ثانوي لكنني بعد ذلك لم أستطع مواصلة المشوار معهم.

< لماذا؟

- لم أتمكن من التآلف معهم بسب قيد الحرية حيث وجدتهم يقولون إن دخول السينما حرام!!

< وهل كانت في منوف سينما؟

- كانت دخلت منذ سنة أو سنتين، وافتتحت دار سينما واحدة في المدينة وكنا عندما نذهب نجدهم يسلطون أولادا يلقون علينا الطوب.

< في السينما؟

- آه، أصلها حرام بقي! من هنا تركت الجماعة ليس بالطبع من أجل السينما ولكن لأن هذا كان مؤشرا بالنسبة لي.

< كم سنة قضيتها في جماعة الإخوان المسلمين؟

- لا يقل عن 6 سنوات، وكانوا يعلموننا الأنشطة الرياضية خاصة نشاط كمال الأجسام وكانوا يهتمون بنشاط الجوالة والكشافة، الإخوان «شُطّار» في غرس أفكارهم في النشء وهم مازالوا أطفالا.

< نعود لرمضان وليله في منوف كيف كان يأتي؟

- كنا نسهر حتي الفجر، وأحيانا للصباح، حيث كانت الأسرة «تفك» قيودها الصارمة علي أولادها وتعطيهم بعضا من الحرية وأيضا في رمضان كنا نتسابق علي الذهاب الي مقابر المدينة.

< ولماذا المقابر؟

- كنا نجرب شجاعتنا بالذهاب الي هذا المكان الموحش الذي كنا نخاف من الذهاب اليه في الأيام العادية، نذهب في رمضان لأن «العفاريت» مقيدة.

< وما سر ارتباط «العفاريت» بالمقابر؟

- لا أعرف! لكن في الحكاوي المصرية دائما مرتبطة «العفاريت» بالمقابر، وكان الذهاب للمقابر ليلا عملية نقوم بها ونحن لا نخاف, رمضان زمان كان فقيرافي مظهره، لكنه كان غنيا في علاقته الاجتماعية وفيه تلاحم أسري شديد وحميم.

< نعود من رمضان الماضي الي رمضان الحاضر.. هذا العام 2011 كيف جاء علي مصر؟

- جاء للأسف ونبدو وكأننا في متاهة مستمرة نمشي فيها معصوبي العينين، لا نعرف أين المخرج مما كنا فيه، نختلق مشكلات ونلوك حوارات مملة ومعادة وبلا قيمة، ونصنع خلافات تزيد تقسيمنا، وتفكيكنا أكثر وأكثر.

< وصلت للتقسيم والتفكيك؟

- انت شايف إيه؟

< لا أنا فقط أسأل؟

- طبعا.. للأسف الحادث الجميل الذي حدث في 25 يناير الذي انتهي بسقوط هذا النظام وانتهي بعزل - أو تنحي - مبارك عن الحكم وتوحد الثورة خلال أيامها الأولي حول مبادئ واضحة وبسيطة وكانت عظمة ميدان التحرير كانت في هذه الأيام الشعب كله متوحد حول ثلاثة مبادئ أساسية: اقتلاع الفساد، إعادة الكرامة للإنسان المصري، العدالة الاجتماعية.. هذه المبادئ التي التف حولها الجميع.

< لكن البعض يري أن هناك مطالب أخري؟

- أهلا وسهلا بها.. لكنها تفريعات من هذه المبادئ الثلاثة، ممكن نختلف حول تفصيلها، لكن للأسف إن هذا الخلاف حول التفاصيل «جرنا» الي 130 ائتلافا، وكل ائتلاف يتكون من 10 شبان وكل ائتلاف

له عنوان وشعار، وله متحدثون باسمه وله نجوم تخرج علينا من الفضائيات كل ليلة.

< وما نتيجة كل ذلك؟

- التمزق.. في الوقت الذي ظلت فيه جماعة الإخوان المسلمين متماسكة، ومحافظة علي بنيتها التنظيمية.. نعم حدث تغيير في الجماعة بعد 25 يناير.. ففكرة «الطاعة» من القيادة المحافظة للإخوان الي الشبان وأن الشبان عليهم أن يطيعوا فقط، هذا الإطار «كسر» بعد 25 يناير، نتيجة لالتحام شبان الإخوان مع شباب 25 يناير في التحرير، الثورة عليها أن تتوقف عند المطالب التي طرحها الشباب وأجمع عليها الشعب وساندها الجيش. هذا هو «الميدان» الذي يجب أن يكون محل احترامنا وتقديرنا.

< إذن الذي تراه الآن هو انحراف عن مسار الثورة؟

- طبعا.. وهذا راجع الي أن هناك مجموعة تري الثورة رؤية رومانسية غير حقيقية، وتخلط مابين مفهوم الثورة والعصيان.

< أليست الثورة حالة من حالات العصيان؟

- لا.. الثورة حاجة والعصيان حاجة تانية.. انت اذا «فضلت» في الميدان حاليا فعليك أن تقول لي من الذي فوضك بذلك؟

< الشعب؟

- الشعب تفويضه كان من 25 يناير وحتي 11 فبراير ثم كيف لي أن أعرف - يا من تذهب وتقيم في الميدان - أنك تعبر عن جموع الشعب.

< لكن الاعتصام والإضراب حق مشروع؟

- يا سيدي.. علي عيني وراسي.. لكن هل يمتد هذا الإضراب والعصيان ليصبح حقا، بدون ضوابط.

< ده إضراب يا أستاذ مكرم.. ضوابط إيه بقي؟

- يعني تجلس في الميدان 6 أسابيع دون أن تمثل جموع الشعب المصري كله.. موافق.. نجلس مدي الحياة لكن عندما ينفض السامر ولا يبقي في السامر إلا بقايا البقايا..  هل من حق هذه البقايا أن تفرض علي المجتمع المصري بأكمله ما تريده هي.

< لكن الإضراب والاعتصام حق؟

- نعم.. وكما قلت لك.. أوافقك علي ذلك لكن تأكد أن الحق المطلق هو في النهاية مفسدة مطلقة.

< حتي ولو كان حق الشعب؟

- حتي ولو كان كذلك.. لا توجد حقوق مطلقة، الحقوق المطلقة هي للدين فقط أما كافة الحقوق يجب أن تكون نسبية، نعم من حق الشباب أن يعتصم، ومن حق الشعب أن يعترض، ومن حق الناس أن تخرج في مسيرات، لأنها حق من حقوق الإنسان.. ولكن هل نطلقها الي هذاالحد، دون أي ضوابط بحيث أن تتحكم فئة وتقول سنقطع الطرق ونغلق قناة السويس ونوقف مترو الأنفاق.

< إذن هناك فرق ما بين الاعتراض والاعتصام؟

- طبعا.

< ما هو؟

- الفرق بينهما هو التمرد لأنك اذا خلطت مابين هذا أو ذاك تكون دخلت في حيز التمرد، ودعني أسأل.. هل يجوز لأي فصيل ثوري أن يقول ما سبق وذكرته لك عن تعطيل مرافق الدولة؟ لو أن هذه ثورة حقيقية، والميدان هو الميدان، أنا متأكد من أنهم كانوا قد حاكموا الذين قالوا ذلك، لذلك علي من يخرج أن يعرف أنه خارج من أجل الناس، وهذا يتطلب منك أن تكون أذنك علي الناس، ومطالبهم ومشاعرهم.

< تقصد يشعر بنبض الشارع؟

- بالضبط.. لكن عندما يبدأ الشارع بالضجر بك فلا فائدة من ثورتك.. هل أنت ثوري لنفسك؟ إن كنت كذلك تكون متمردا وليس ثوريا وتعد حالة فردية لكن الثوري من أجل الشعب عليه أن يشعر بالشعب.

< والحل؟

- الخروج من اللعب في الوقت الضائع، وهو لعب لا يحقق تقدما.. وعلينا ألا نظل كثيرا ندور في حلقات مفرغة، وعلينا أن نتأكد أن مصر لن يحكمها فرعون بعد اليوم وأن السلطة المطلقة مفسدة مطلقة، لا يوجد أحد بدون مساءلة وتبدو المحاكمات لهذاالسبب فقط وليس كما فعل وحاول البعض وتحولها لشيء آخر.

< وما الذي حاول البعض تحويلها اليه؟

- البعض حول المحاكمات الي عملية انتقام وشماتة وللأسف الصحافة لعبت دورا سيئا في ذلك، هل من المعقول أن تكتب ثلاث صحف «مقبرة فلان في انتظاره» وأشياء من هذا القبيل، لا الإنسانية ولا مصريتنا ولا أخلاقنا ولا العدل يقول ذلك.

الهدف واضح أمامنا دولة مدنية يحملها الدستور، ومع ذلك نصر علي الدوران في حلقة مفرغة، حتي نتوه أكثر وأصابنا الصداع والضجر والملل حتي كرهنا أنفسنا والميدان وكل شيء.. نعم نحن في حاجة للميدان.. لكن متي يكون الميدان؟ هذا هو السؤال، نعم أريد أن يحرس الميدان الثورة لكن لا يعطل الحياة، وعلينا أن نسعي الي الريف والقري ونستعد للانتخابات، مثلما يفعل الإخوان - كقوة منظمة وتعمل بجد - ومثلما نظفنا الميدان نهب للقري والمدن، فهي الأخري تحتاج نظافة وتوعية قبل الانتخابات.

أهم الاخبار