رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

الكاتب السياسى أسامة الغزولى فى حديث لـ«الوفد»:

ثقافة التوافق طول النجاة للوطن

حوارات وملفات

السبت, 08 نوفمبر 2014 08:07
ثقافة التوافق طول النجاة للوطن
حوار: ممدوح دسوقى تصوير: طارق الحلبى

على مدى تاريخها، لم تشهد مصر حالة تناحر وانقسام شعبى واستقطاب، مثلما تشهد حالياً.

وبخبرة عقود طويلة، وبقلب ليس فيه سوي حب الوطن بدأ الكاتب المفكر أسامة الغزولى في البحث عن نجاة من هذه الدائرة الجهنمية التي تهدد الدولة المصرية ذاتها.. وبعد بحث وصل الغزولى إلي موطن الألم ومبعث الوجع وراح يشخص علاجه فى عبارة واحدة «التوافق الشعبى».
الفكرة تتعلق في الأساس بشباب مصر، وهؤلاء دعاهم لتبنى دعوة للتوافق بعيداً عن الصراع والتناحر في شكل حركة أهلية ترفض الاحتقان والاستقطاب والإرهاب، واختص الشباب بهذه الدعوى لأنهم غير محملين بأدران الماضى، خاصة أن مصر دولة شابة ومستقبلها بين أيدي هؤلاء الشباب، بعيداً عمن لم يقدموا رؤياهم وتخطوا الخمسين والستين والسبعين وممثلين في المجتمع بأكثر مما يستحقون، مؤكداً في حواره لـ«الوفد»: أن النزول إلي الشارع لابد أن يكون طوارئ استثنائية لأنه يزيد من تنشيط تيارات التوتر والفوضى مع خطورة الظروف المحلية والإقليمية، منبهاً إلى استمرار الجدل حول القضايا السياسية أشد خطراً من الأخطار الخارجية، واصفاً الفكر السلفى بالإفلاس ووصوله إلي مرحلة التهريج الذي يبكى ويسيل الدماء بعدما أصبح السلفيون يعيشون مرحلة ما بعد الصدمة بقيادة جماعة الإخوان.

< كيف تري سياسة التوافق في المشهد المصرى؟
- سياسة التوافق تعيش أزمة شديدة رغم أن مصر هي بلد التوافق، وقدمت هدية للعالم في نموذج التعايش علي مر السنين لأن المصريين يتمتعون بثقافة تضامن قوية جداً، ولكننا نعيش أخطر لحظاتنا الحرجة في تاريخنا المعاصر، ورغم ذلك يستطيع أي فرد أن يسير في أي ساعة من ساعات الليل أو النهار في حرية أكثر من الحريات التي شاهدتها في لندن أو باريس أو نيويورك، لأن البناء الاجتماعى الأساسى والثقافة المصرية الموروثة هي حصن الدفاع الأول للمصريين.
< وماذا عن المشهد السياسي تحديداً؟
- المشهد يحوي أحزاباً سياسية لها أتباع ومناصرون وتاريخ ولكنها ليست القوي الرئيسية في الشارع المصرى الذي به (3) كتل أولهم الكتلة السلفية التي ظل نظام 23 يوليو يكبرها ويضخمها ويوسع لها الطريق إلي أنها كادت تدخل الدول في حرب أهلية، ولازلنا نري محاولاتها إشعال النيران في كل مكان تستطيع إشعالها فيه وبالطبع جماعة الإخوان في طليعة السلفيين، لأن «حسن البنا» في الأصل سلفي وتلميذ «محمد رشيد رضا» التلميذ الذي انحرف بمشروع «محمد عبده»، والإخوان بعد 1954 استغلوا الفصائل الدينية الأخرى وتحدثوا بلسانهم وساوموا بهم كما حدث في إرهاب التسعينيات وادعاءاتهم بعدم علاقتهم بالإرهاب.. ولكن في اعتصام «رابعة» ظهر أن الكل واحد.. ثم الكتلة الخاملة والضخمة والأكبر وهي الصوفية ثم الكتلة المسيحية التي يقودها الآن البابا «تواضروس» المحب لوطنه والمتفهم لظروفه.

تعظيم الكارثة
< وأي الكتل لها التأثير الأكبر؟
- رغم أن الصوفية هي الكتلة الأكبر، فإنني سمعت أحد وجهاء بلدنا يقول لوالدى إن ميلاد الإخوان المسلمين هو موت للصوفية ثم في عام 1985 قال لي الوالد إنه كان في التنظيم السرى لجماعة الإخوان.. ورغم أن «عبدالناصر» تنبه إلي خطر الإخوان واستبعد العناصر المناهضة للدولة، ولكنه أبقى الموافقين علي العمل مع الدولة وهنا عظمت الكارثة، لأن الذي أسس التعليم في جمهورية يوليو كان «كمال الدين حسين» ذا الميول الإخوانية، وأيضاً التنظيم السياسي الوحيد هيئة التحرير ترأسها «وحيد جودة رمضان» وكان إخوانياً والنتيجة أن «عبدالناصر» فتح الباب واسعاً للأيديولوجية الإخوانية علي حساب الصوفية الذي أضعفها وبقوة، مع أنه من الصعب أن نقول إن للإخوان أيديولوجية علمية وهذا يحتاج منهجاً وفكراً عميقاً وفلسفة وهم يفتقدون هذا ولكن لديهم خطابة، فأصبحت الصوفية خاملة وكثير من شيوخها، غير مدركين للرسالة الكبرى التي عليهم وغير مدركين أيضاً الدور الكبير الذي يمكن أن يقوموا به مع أن الدكتور «أبوالعزايم» يحاول تفعيل دور الصوفية في المجتمع لكنه يجد صعوبة كبيرة جداً في ذلك ونتمنى له التوفيق.
< وماذا عن الكتلة القبطية؟
- الكتلة القبطية دائماً تجعل نفسها نسخة من تطورات الثقافة المصرية المسلحة حتي في أخطائها، وعندما ظهرت جماعة الإخوان في المقابل ظهر ما يشبههم من الأقباط في حزب الأمة وغيره وبالطبع التعصب يقابله تعصب ونري البعض يقول إن مصر بلد الأقباط وهم أصحابها مع أن اللغة العربية اكتسحت مصر بالكامل وكل مصرى صار عربياً مع أن المسيحيين يستطيعون القيام بدور تنويرى صار بأن يخرجوا من أخطائهم التاريخية بعدم الرد علي المتطرفين من المسلمين وهم أقلية، والمتطرف المسلم يميز بين المسلم والمسيحي علي أساس ديني والمخطئون المسيحيون يفعلون مثلهم.
< كيف كانت السلفية قبل ظهور جماعة الإخوان؟
- الفكر السلفي بدأ في القرن التاسع عشر عندما رحب «محمد على» بقيادات الوهابية ووطنهم في مصر وبدأوا في إنشاء الجمعيات السلفية في عموم مصر مثل الجبهة السنية وأنصار السنة، لكن «محمد رشيد رضا» نشطهم وأعطاهم توجهاً سياسياً بعد وفاة «محمد عبده» وعلي الأرجح أنه كان ينسق مع الإنجليز وقوي إقليمية أخرى كان لها مشروع ولم يراع المصلحة المصرية لأنه لم يكن مصرياً.
< وهل اختلف الأمر بعد ظهور حسن البنا وإخوانه؟
- المسألة أخذت شكلاً خطيراً بعد ظهور «حسن البنا» وجماعته، لأن البناء أبعد العقل والمنطق عن أعضاء الجماعة ومنع عنهم الثقافة، فأصبحت الجماعة حركة وتنظيماً بدون ثقافة، ولهذا لا نجد أديباً أو مؤرخاً أو عالم سياسة أو أستاذاً في الشعر أو اللغة عضواً في جماعة الإخوان، والوحيد الذي كان يفهم في الأدب والشعر واللغة «سيد قطب» وأصابته لوثة التكفير وكانت تحولاته في منتهي العجب لأنها أصابته بعدما عاد من أمريكا وكأنهم قد غسلوا مخه تماماً.
< لكن البعض يقول: نريد اقتلاع السلفية من مصر؟
- فعلاً.. وهذا القول مبالغ فيه لأن عددهم كبير والحركة قديمة ولا يوجد اقتلاع فيما يخص الفكر، ولكن ما عليهم لنا هو احترام القانون والدستور كما قال الرئيس «السيسي»، وكل ما نفهمه عن السلف الصالح والقرآن والسنة النبوية موجود في الدستور والقانون، وكل ما ورثناه من موروث إسلامي أو قبطى أو إنسانى وأرقى تعبير عن تديننا

كمسلم مصري في الدستور والقانون، وأي تعبير عن التدين خارج عن القانون والدستور هو شذوذ وانحراف لأن القانون والدستور لن يتصدى ما أبداً مع الدين، ومع نص مقدس، ولكن القانون والدستور استلمها الدين وساروا به مع حركة التاريخ، ولهذا لا نطلب من المسلمين أن يختفوا من الوجود، بل أن يعيشوا معنا في إطار الدستور والقانون والجماعة الوطنية ومصالحها.
< ولهذا أطلقت دعوتك لإنشاء تيار التوافق بديلاً عن الصراع والتناحر.. لماذا يهدف؟
- يهدف إلي وقف تآكل القاعدة الشعبية التي توافقت علي إنهاء التوترات والاحتقانات بالمشاركة في الانتخابات، واجتذاب الكتلة الحائرة المتمثلة فيمن أبطلوا أصواتهم ومن امتنعوا عن المشاركة في الانتخابات وأيضاً من ضغطت عليهم تعقيدات الحياة اليومية ومشكلات الواقع وجرائم الإرهاب لدرجة جعلتهم أقل صبراً علي الصعاب.
< وكيف السبيل إلي تحقيق هذا؟
- بإنشاء تيار شبابى بعيداً عن الشكل الحزبي يضم جميع الشباب المنتمين إلي الكتل السياسية الكبرى الثلاثة السلفية، الصوفية، القبطية، بالإضافة إلي الكتل السكانية في النوبة والكتلة البدوية في سيناء والصحراء الشرقية ليعبروا عن أنفسهم سياسياً ولا يغفل هذا التيار الشباب الحزبى من اليسار وشباب التيار المدني الفاعلين في الشارع ويملكون صوتاً مسموعاً، مع أنهم الأقل ترابطاً وتماسكاً ولا يملكون رؤية واضحة للمستقبل، ودائماً تخونهم التقديرات حول ما يمكن تحقيقه علي أرض الواقع، ولذلك يجب أن يدخلوا الحياة عبر عملية ترشيد وتطوير حتي نضمن جبهة داخلية مستقرة لإنشاء بيئة جيدة للتنمية، ولا يغفل التيار الشباب غير المنتمى لحزب أو كتلة أو تيار مع أن التيار المزمع إنشاؤه لن يطلب من أحد ترك حزبه السياسي أو الكتلة التي ينتمي إليها، بل لا يجعلها سبباً في عدائهم لبقية المجتمع، أو مانعاً من المشاركة في الحياة العامة حتي لا تكون مصدر خطر علي أمن البلاد.

السلام الاجتماعى
< وما أيديولوجية هذا التيار؟
- القانون والدستور هما المرجعية الوحيدة له والحفاظ على السلام الاجتماعى هو الهدف من كل نقاش أو تحرك، والتنوع والتدافع السلمي بالرأي فقط ستكون القيمة العليا، فالتدافع السلمي وليس المواجهة هو السبيل لتحقيق التوافق.. والعمل علي الدعوة للانتقال بالمجتمع المصري من الصراع إلي التوافق، بأن نتبني كل ما ترتبت عليه ثورات مصر وما أقرته ونمضي به للأمام.
< وكيف سيكون شكل التحرك في الشارع؟
- النزول إلي الشارع لأي سبب كان، هو حالة طوارئ استثنائية خطيرة حالياً، نظراً لخطورة الظروف المحلية والإقليمية، وكلما كثر النزول إلي الشارع حتي لو بشكل سلمي، كلما تعرضت العملية الاجتماعية السياسية للخطر، بالإضافة إلي مزيد من التسلط من جانب الدولة، ومزيد من تنشيط تيارات التوتر والفوضى، ولهذا لن يكون رفض التيار أو موافقته لأعضائه بالنزول أو عدم النزول مع أحزابهم أو كتلهم أو طوائفهم للشارع إلا بالتوافق أو بتصويت يحوز على 75٪ من الأصوات علي الأقل، علماً بأن لا أحد ينزل للشارع باسم التيار لأنه لا يشارك في أعمال ذات طابع صدامى، لأن مهمته هي الانتقال بكل تناقض من حالة المواجهة إلي حالة التوافق.
< وماذا عن السبب الرئيسى الذي وصل بنا إلي التناحر والصراع؟
- استمرار الجماعة المصرية كل هذا الوقت في جدال حول قضايا سياسية هو خطر شديد علي وجود الجماعة المصرية ذاتها، لأنه أشد من الأخطار الخارجية، والمفترض أن ننتقل للعمل التنموى في المجالات الاجتماعية والصناعية، حتي لا نعطل مجالات التنمية أو نهدد الأمن القومى.
< وما دور تيار التوافق في مجالات التنمية؟
- مهمة التيار تشجيع الشباب علي الدخول في مشروعات صغيرة ومتوسطة فى مجالات التنمية، وفي مجالات مربحة للمجتمع ولمن ينشئون هذه المشروعات كالتعليم والخدمات العلاجية والصحة العامة وفي مجالات غير ربحية لمن ينشطون لكنها ستكون نافعة للمجتمع مثل لجان المصالحة الاجتماعية والطائفية في الأحياء الحضرية والقرى.
< وماذا عن القضايا السياسية التي سيسهم بها تيار التوافق؟
- القضايا السياسية التي تمثل خطراً علي المجتمع مثل مكافحة أي مقاطعة للانتخابات العامة حتي نضمن وجود برلمان يمثل الجميع والدعوة إلي وقف العنف ضد الدولة، ودعوة الدولة لطرح سياسات اجتماعية واقتصادية تقلص عدد المهمشين والمطرودين من العملية الاجتماعية، مع خلق ظهير شعبى لجهود الدولة في مواجهة أخطار تسرب السلاح والعناصر الإرهابية من خارج البلاد عبر حدودها الشرقية والغربية والجنوبية، ومكافحة التوترات بين المسلمين والأقباط بإدماج الشباب المسلم مع الشباب المسيحي في أنشطة التنمية الاجتماعية والاقتصادية.
< وكيف سيكون هيكل التيار؟
- سيشكل التيار من الشباب الذي لم تتجاوز أعمارهم الـ45 عاماً، وندعى مجموعة التأسيس من 10 إلى 20 فرداً متجانساً متفاهماً مع الكوادر الجاهزة للتفاهم والتعاون دون حواجز دينية أو طائفية أو عرقية، ولن يكون بين هذه المجموعة قائد، بل الميسر للأمور مثل تنظيم النقاشات ومنعها من الخروج عن الموضوع وعدم تحولها إلي صدام، وهو الذي يدعو الجماعة إلي التصويت إذا دعت الحاجة إليه، ولابد من تغيير الميسر كلما تغيرت القضية المطروحة للنقاش، مع احتفاظ الميسر بالقضية المرتبط بها لمدة لا تزيد على عام واحد، وينتقل بعده إلي مجموعة الشورى التي تتألف من الأعضاء كبار السن من الميسرين السابقين ولا يتولى أعضاؤها مناصب وليس لها سلطة، بل رأيها غير ملزم ولا يحق المشاركة لها في التصويت.

أيديولوجية التوافق
< وما هى أنشطة تيار التوافق الرئيسية؟
- يدعو التيار أعضاءه لمناقشة كل ما يستجد من أحداث وما تقوم عليه الدولة من مبادرات مثل إصدار قانون ما، أو إعلانها عن سياسة ما، أو إعلان حزب أو تيار أو جبهة عن موقف له تأثير علي المجتمع والدولة في ضوء أيديولوجية التوافق وإعلاء السلام الاجتماعى علي كل قيمة أخرى، بشرط ألا يكون هناك أى خرق للقانون أو الدستور.
< ومن أين لهذا التيار من التمويل؟
- ليس للتيار ذراع مالية ولا يجمع اشتراكات ولكنه يمول أنشطته حسب المناسبات أو الأحداث على أن يختار التيار مجموعة حساب وتمويل ينتهي دورها بانتهاء الحدث، ولا يعود تكليفها مرة أخرى إلا بعد تغيير أكثر من نصف أعضائها لتقرر التكلفة، والتمويل الخارجي محظور وإن سمحت به القوانين.
< وما هي أدوات التيار لتنفيذ نشاطه وتحقيق أهدافه؟
- أولاً ينشئ التيار موقعاً إلكترونياً تديره مجموعة التأسيس لمدة عامين ثم يخرج نصفها القديم وينتخب بدلاً منهم وهكذا، وتنظم مجموعة الناس من داخلها إدارة الموقع وفق تنظيم إدارى علي أسس مهنية ويمكن الاستعانة بمن تشاء من خارج التيار فى الأربع سنوات الأولى ثم يقتصر علي أعضاء التيار بعد ذلك ويكون للتيار عنوان رسمي تمارس فيه الأنشطة الإدارية الروتينية ولا تعقد فيه ندوات ولا محاضرات بل يسعي التيار للعثور علي أماكن المناقشة في مقار النقابات التي تقبل الاستضافة.
< لكن الكتلة السلفية منغلقون علي أنفسهم لديهم أفكارهم ومدارسهم ومستشفياتهم حتي إنهم يتزوجون من داخل الكتلة فكيف يمكن أن يتقبلوا هذه الأفكار ويندمجوا في المجتمع؟
- الهدف الأساسي أن نجعلهم ينفتحون علي المجتمع ويعرفون أن مصر بها تنوع اجتماعى وثقافى شديد جداً، وبعضهم شعر بثقل التجربة التي حدثت في مصر، وأن التفاوض والمشاركة سيكون علي الحق في الحياة للجميع، وهذا الحوار لن يرفض من أحد حتي لو كان على نفسه، خاصة أنهم الآن يعيشون مرحلة ما بعد الصدمة، وعليهم أن يتأكدوا أن مصر رقم صحيح غير قابل للقسمة، ولكن الخوف الحقيقي من التأثير الخارجي المرتبط بتدفق الأموال إليهم لأنه لا يوجد شيء يقنع الإنسان بالأفكار أكثر من المال وهذا أكبر إقناع لهم حتي يظلوا منكفئين علي أنفسهم.
< لكن ماذا عن الاحتقان الحالى والذي وصل إلى شكل غير مقبول؟
- هذا الاحتقان الممزوج بثقافة الغضب والكراهية بدأ مع ثورة يوليو 1952، عندما بدأت إذاعة نشيد (5) مرات في أوائل نشرات الأخبار يقول: كنت في حبك مرغم، كنت في صمتك مكره فتألم وتعلم كيف تكره!!.. وبالفعل وللأسف الشديد خلال الستين عاماً السابقة أصبحت فكرة الغضب والكراهية فاعلة جداً بسبب الضغوط الداخلية من كبت وفقر والضغوط الخارجية والغدر الذي حدث معنا في عدوان 1956، ثم الهزيمة التي دبرت لنا في 1967، فانتشرت ثقافة الغضب والكراهية.
< وماذا عن تأثير الثقافة المصرية بالثقافة الوهابية خلال السبعينيات؟
- الثقافة الوهابية بدأت في مصر مع «حسن البنا» في الثلاثينيات، ويبدو لي أن «البنا» كان الصبي وسط مجموعة أصدقاء الملك «عبدالعزيز» الكبار بقيادة «عبدالرحمن عزام» باشا، ومنهم «محمد صالح حرب» باشا و«شكيب عبدالسلام» والشيخ «الطهطاوى الجوهرى» و«محب الدين الخطيب» ولكن «البنا» غرته الفصاحة والجيش الذي أصبح تحت إمرته وأصبح للإخوان مؤتمر سنوي في الحج، فنمت وترعرعت الوهابية وأصبح لها شكل وأثر خلال السبعينيات، ولهذا لابد من محاربة ثقافة الكراهية والغضب لإنهاء هذا الاحتقان.
< فيم تتمثل الأزمة التي يعيشها السلفيون؟
- الأزمة الفكرية تشمل الجميع الآن، وبالطبع السلفيين بشر، ويرون الخيبة الثقيلة التي وقعوا فيها بقيادة الإخوان، ولو أن أي عاقل وضع أمامه الآن فيديو لاعتصام «رابعة» ورأي هؤلاء الذين يقودنهم مرة أخري لتأكدوا أنهم في منتهي الخفة والاستهتار لأنهم تحدثوا مع دولتهم وكأنها دولة معادية، حينها سيعرف أن الفكر السلفي أفلس عندما قدم هذه الرموز علي منصتى «رابعة» و«النهضة» لأنها وصلت إلي مرحلة التهريج الذي يبكي ويسيل الدماء، وبالتالى الفكر السلفى هو أكبر فكر متأزم في مصر، والناس التي كانت تستغل ضيق الأفق والانكفاء أصبح من الصعب عليهم أن يواصلوا هذا الاستغلال.
< وماذا عن أزمة القوى الوطنية الأخرى؟
- تاريخ القوي الوطنية كله يؤكد عدم السماح لهذه القوي أن تلعب دورها في الشارع، وكانت تحت ضغط لتظل منكفئة علي انقساماتها الداخلية، بل أحياناً كان يتم افتعال هذه الأزمات، لأنه كان فيه نوع من الرصد والحصار لها من النظام ونتج عن هذا أن هذه القوي السياسية أصبحت لا تمثل نسبة كبيرة من سكان مصر.
< ولازالت الأحزاب منهكة مستنزفة بعد معركة سياسية استمرت 3 سنوات؟
- الدولة حاربت الأحزاب منذ 1954، ومع هذا كان لها دور في بناء التوافق بنشر ثقافة التوافق، والائتلافات التي تنشأها الأحزاب تعتبر نواة جيدة لهذا التوافق، بعيداً عن الصرع علي الزعامات والمنافسة علي حصص الكراسى، وعلي الأحزاب الاستعداد الجيد للانتخابات البرلمانية القادمة بمزيد من التآلف والتكاتف لعمل صيغة مشتركة بينهم لأن حصتهم ستكون محدودة من الـ(600) كرسى في البرلمان.
< وماذا عن الأزمات بين الدولة وبين الكتل السياسية؟
- هذه المشاكل يجب أن تحل بقبول مطالب القوي السياسية لدي الدولة ومن أهمها تطبيق المحاسبية بألا يوجد أحد فوق المحاسبة والقانون، وأن تحترم الدولة الدستور، ثم الإسراع بالانتخابات البرلمانية لاستكمال بناء الدولة المدنية الحديثة، وعلي الكتل السياسية المدنية الائتلاف والتوحد ضد التيار الديني، وإذا نجحت الأحزاب في هذا ستكون صورة البرلمان القادم جيدة، بل سيكون البرلمان نقطة انطلاق نحو الجمهورية الثالثة، وعلي الدولة أن تكف عن إضعاف الأحزاب بالتخلى عن محاولاتها بأن تظل الأحزاب مجرد ديكور سياسي، وعلى الدولة أن تحرص على خلق شركاء أقوياء، وعندها سيصبح لدي الشعب طموح بوجود تعددية تقوم علي التوافق وليس علي الصراع والتناحر، ولهذا لابد من البحث عن المشتركات أكثر من البحث عن الصدام وعلي الجميع أن ينظر للدولة أنها البيت الذي يستوعب جميع المصريين، وإذا كان البيت يحتاج إصلاحاً، فالكل يتفق على هذا، ولكن الإصلاح وليس الهدم.
< هنا يظهر دور المثقف الفاعل الذي يتحمل المسئولية تجاه وطنه لتفعيل هذه المنظومة؟
- للأسف الشديد الدولة في عهد «عبدالناصر» و«السادات» و«مبارك» لم تفهم دور المثقف وأهميته في إقرار السلام الاجتماعى والمناخ السياسي الجيد البعيد عن الاحتقان وافتعال الأزمات، ومع أن «عبدالناصر» كان أكثر اقتراباً من المثقفين، إلا أنه كان يعتبرهم أداة من أدوات السلطة.. وقد حكي لي أحدهم أن «عبدالناصر» طلب من كبار المثقفين الحضور إليه للاجتماع بهم، وبالفعل جاءوا لمقابلته، وفجأة وصل إليه مبعوث دولة خارجية يريد مقابلته، فأراد «عبدالناصر» أن يصرفهم ليقابل هذا المبعوث، وسأل «سامي شرف» أو «صلاح الشاهد» صاحبك معهم وكان يقصد «عباس محمود العقاد»، فقال: لا فقال «عبدالناصر» طالما لم يأت معهم قول لهم يروحوا(!!).
< وكيف يتم الاصطفاف الوطنى ضد الإرهاب؟
- التيار الأصولى المتطرف يمارس الإرهاب ويخسر أرضيته كل يوم، والقوي المدنية ضد العنف وتقدم ما تستطيع من دعم للدولة ولكنه دعم إعلامى وأدبى والاصطفاف الحقيقي الفعال سيكون داخل البرلمان.
< أثر عودة أعضاء الحزب الوطني إلي المشهد السياسي على مبادرة التوافق؟
- ظهور بعض رموز الحزب الوطنى سيستفز الناس وسيحسبون علي القوى الوطنية دون مبرر وبعضهم لا يقدر المسئولية وينقصه قدر منها ولا نملك إلا أن نناقشهم بأن الظرف السياسي لا يسمح لهم بهذا الترشح، وعليهم أن يراعوا مصلحة الوطن، إذا لم يتميزوا بالحساسية السياسية الكافية ويبتعدوا نواجههم ونقول لهم من فضلكم تنحوا جانباً لأن ظهوركم السياسي ليس في مصلحة المجموع.

أهم الاخبار