أحمد أبو الغيط وزير الخارجية الأسبق لـ "الوفد": (1-2)

تخبط العلاقات المصرية الامريكية وإحباط مخطط النيل من المنطقة العربية

حوارات وملفات

السبت, 18 يناير 2014 07:22
تخبط العلاقات المصرية الامريكية وإحباط مخطط النيل من المنطقة العربيةأحمد أبو الغيط وزير الخارجية الأسبق
حوار - ممدوح دسوقي تصوير - محمد فوزي

الدبلوماسية المصرية هى عنوان للدولة المصرية.. التي تدور في فلك شرق أوسط «اقليمي» به كثير من التنوعات سواء روابط عربية، اسلامية، افريقية، بوابة أوروبا من خلال البحر المتوسط ثم المجتمع الدولي بما يحويه من صراعات واتفاقات لا تفهم غير لغة المصالح.

فما هى المصالح المصرية التي تسعى الخارجية المصرية إلي تحقيقها والدفاع عنها في ظل منظومة متشابكة ومعقدة بعد ثورتي 25 يناير و30 يونية يتطلع بعدهما الشعب المصري الى الانتقال نقلات نوعية تستحقها مصر ذات التاريخ الانساني المؤثر والدور المتوازن الذي تقوم به في محيطها الاقليمي.
«أحمد أبو الغيط» وزير الخارجية الأسبق يطرح رؤيته حول هذه القضايا.. ويجيب عن اسئلتنا كيف كانت؟ وكيف ستكون السياسة الخارجية؟
< كيف ترى السياسة الخارجية المصرية بعد 25 يناير و30 يونية؟
- بداية يجب التفرقة ما بين 25 يناير و30 يونية في السياسة الخارجية، بعد 25 يناير أرى أنها كانت سياسة فيها الكثير من التخبط والشبعوية، وبعد 30 يونية أصبحت المهمة صعبة للغاية لأن الغرب يستهدف ثورة 30 يونية مستهدفاً بذلك مصر المستهدفة منذ سنوات طويلة، ولكن نجاح مصر في 30 يونية أحبط المهمة الأمريكية والغربية تجاه المنطقة بالكامل.. فأصبحنا وكأننا نصعد إلى جبل شاهق، والعملية أصبحت معقدة وصعبة وتحتاج الى بذل قوى وحقيقي لشرح حقيقة 30 يونية.. وأقول هذا لأنني كنت في الخارج وزرت كثيراً من البلدان ولاحظت أن صوت 30 يونية لا يظهر كما ينبغي أن يكون، ولم ننقل حتى الآن حقيقة أوضاعنا في العام الانتقالي ما بين حكم جماعة الاخوان في الفترة من 30 يونية 2012 حتى سقوطهم في يونية 2013 ولم ننقل بوضوح اخطارهم واجتراءاتهم على المجتمع المصري وما فعلوه في السياسة الخارجية المصرية، وفي الدولة المصرية فهذا يحتاج بذل جهد وقوة والمطلوب أن تتحدث الدولة المصرية بمنتهى القوة وتتصدى بكثير من الحزم والحسم لكل الأخطار التي تهددها.
< إذن ما أولويات السياسة الخارجية في هذه المرحلة؟
- أهم الأولويات هو الدفاع عن 30 يونية و3 يوليو وعما حدث في مصر بعد هذين الحدثين، والأولوية الأولى يجب تأمين المصالح المصرية العليا، ولا يجب أن نغفل عن موضوع مياه النيل، لأننا للأسف بعد 25 يناير وحتى الآن مازلنا لا نتعامل ولا نتفاعل مع ملف مياه النيل بالجدية المطلوبة مع أن الأمر جد خطير وأرى أننا اهملنا هذا الملف خلال السنوات الثلاث السابقة، مع إن هذا الموضوع كان يحظى بأهمية وأولوية متقدمة، ولابد من الابقاء على الظهور المصري القوي في الأقليم وعلى مستوى العالم، لأنه يوجد انخفاض في هذا الظهور.
< فيما يتمثل هذا الانخفاض في الدور المصري؟
- ما أرصده أن هناك انخفاضا للاهتمام الدولي بالتأثير المصري ويتمثل هذا على سبيل المثال في غياب «جون كيري» الذي يسعى في محاولة يائسة للتسوية الفلسطينية وأنه لايزور القاهرة أو يتحدث معها في مثل هذه المسائل والأمر مفهوم أن الدور المصري أصبح تأثيره ليس كما كان في السابق ولابد من استعادة هذا الدور فاعليته في الأقاليم والعالم.
< ولكن هذا الاتهام للسياسة الخارجية أيضاً تم في عهد الرئيس مبارك؟
- نعم ولقد قيل الكثير خلال فترة 2004 حتى انتهاء حكم الرئيس «مبارك» عن تراجع الدور المصري وتقهقره وضعف السياسة الخارجية المصرية، وعدم مقدرتها على الدفاع عن المصالح المصرية ولكن المتابع المنصف والمحلل المتجرد سيصل الى حقيقة أن الدبلوماسية المصرية نجحت في الدفاع عن المصالح المصرية في مواجهة أطراف افريقية ودولية حاولت فرض رؤيتها على الموقف المصري وتحقيق عمليات توسع دون النظر الى رؤية مصر في الدفاع عن حق الاقليم العربي الاسلامي الافريقي في الظهور المتكافئ على مسرح هذه التطورات ورفضنا الخضوع لأي وضع بمنتهى التحدي والتصدي.
< بعد 25 يناير و30 يونية من المفترض الذي سيضع استراتيجية السياسة الخارجية؟
- لا شىء اسمه قبل أو بعد لأن سلطة الرئيس كصاحب قرار في تحديد ووضع الخطوط الأساسية والأهداف الرئيسية للسياسة الخارجية المصرية وتوجهاتها، مع قيام وزير الخارجية مدعوماً من أجهزة الأمن القومي المصري بتنفيذ هذه الأهداف طبقاً للتوجيه المعطى لهم.. هكذا كانت استراتيجية السياسة الخارجية وهكذا ستستمر.
< وكيفية التعامل مع رد الفعل الشعبي أو الشعبوية كما ذكرت؟
- يجب أن يكون هناك سياسة خاصة تلقي تأييداً شعبياً ولكن لا تنساق الى الرؤية الشعبية سياسياً خاصة على الدبلوماسية المصرية أن تحدد ردود افعالها بقلب بارد وتسعى لتحقيق المصالح والإضرار بهؤلاء الذين يهدمون مصر، ولكن بدون سياسات الشتائم أو قطع العلاقات فهذه مسائل لا ينبغي أن تكون ويجب أن يكون لدينا القدرة على العقاب بأساليبنا، وتوجد قدرة مصرية على العقاب مع أي طرف اقليمي أو دولي وألا نخشى استخدام امكانياتنا في عقاب من يتصدى للإضرار بمصالحنا.
< هل هذه الشعبوية التي تحذر منها.. هى التي عكرت صفو العلاقات المصرية الجزائرية بسبب مباراة لكرة القدم؟
- نعم.. فقد وصلت تقارير غير صادقة بأن الجزائريين يقتلون المصريين واهتزت العلاقة بين البلدين والشعبين ووقعنا في أخطاء جسيمة على مستوى أداء الاعلام المصري الرسمي أو الخاص وتصرفنا سياسياً بشكل كشف شعبوية المواقف السياسية التي نتبناها، وكشف الأداء المصري ضعف السيطرة وديماجوجية الاداء الى حد اصبح رئيس الجمهورية كان يدير الموقف بمفرده من منزله بتعليمات تصدر مباشرة الى وزير الاعلام الذي هدد بإرسال قوات مصرية الى الخرطوم، وللأسف كانت مرحلة حزينة مؤسفة كشفت ضعف اداء الدولة المصرية وشعبوية الحكم.
< وماذا عن تعكير العلاقات المصرية القطرية في عهد مبارك؟
- لا.. هنا الأمر يختلف لأن قطر وقناة الجزيرة هاجمتا مصر خلال الحرب ضد غزة نهاية 2008 وأوائل 2009 ثم حاول القطريون عقد قمة استثنائية اثناء غزو اسرائيل لغزة دون التنسيق مع مصر بل تم تجاهل مصر تماماً الى أن اتصلوا بعشر دول غيرنا ثم تم الاتصال من أمير قطر بالرئيس «مبارك»، وهذا استفز مصر كثيراً وقررنا عدم التعامل معهم مما أجهض القمة وتشير الدوحة الى اتهامات قديمة بأن مصر تآمرت على أمير قطر وحاولت استبداله عام 1995!! ونفى اللواء عمر سليمان هذا الاتهام بشدة وازداد ضيق الرئيس «مبارك» وقرر عدم المشاركة في القمة العربية في قطر نهاية مارس 2009.
< لكن الدكتور نبيل العربي أيضاً هاجم الموقف المصري والسياسة الخارجية في حرب غزة بعد أن أصبح وزيراً للخارجية؟
- نعم.. ولكنه قبل ذلك قال د. نبيل العربي إنه ارسل للرئيس عبر سكرتيره للمعلومات السفير سليمان عواد بمذكرة في هذا الأمر، وعند استفساري عن الأمر منه إذا كان عرض هذه المذكرة على الرئيس أم لا؟ فقال «سليمان» ان الرئيس تلقى الرسالة بالدهشة ورفضها على الفور معلقاً أن الغضب في هذه المواقف وفقدان الحسابات الدقيقة للأوضاع وعواقبها لا يفيد أحداً، بل يلحق الضرر بنا جسيماً.. ثم فوجئت بعد تولي «نبيل العربي» وزارة الخارجية في مارس 2011 أنه يدين الموقف المشين لمصر «كما وصفه» وتوجهاتها السياسية اثناء حرب غزة، وشعرت بالأسف لهذا التصريح بل مضى وزير خارجية مصر خلفي الى القول بأن ما حدث من مصر يمثل جرائم حرب!! واندهشت من هذا التصريح واستغربته وتضايق منه اللواء عمر سليمان كثيراً ثم علمت أن مصادر عسكرية عالية المستوى وذات تأثير غضبت من هذا التصريح غير المسئول والذي اتهم كل أجهزة الأمن القومي في هذا الصدد.
< هل المساعدات التي كانت تطلبها مصر من دول الخليج أثرت على السياسة الخارجية؟
- لم تؤثر.. بل كانت تشعرني في كثير من الأحيان بقدر كبير من الإحراج والضيق، ومصر خلال حكم «مبارك» لم تكن تتردد في طلب المساعدات العينية أو المادية من الدول البترولية الشقيقة، وكان «مبارك» يقوم بالطلب أو يقوم بتكليف أحد كبار مسئوليه بعرض الاحتياجات المصرية الضرورية على قيادات هذه الدول مثل طلب جرارات القطارات من ليبيا وقطر ويتم التمويل بالفعل، وبعد غرق العبارة المصرية في البحر الأحمر يسارع «مبارك» بالتعبير للسعودية عن الحاجة الى تمويل شراء عبارات جديدة، وبعد ارتفاع اسعار الغلال عالمياً يطلب من الامارات والسعودية تمويل ملايين الأطنان من القمح، ويتم ذلك.
< ما حدود الأمن القومي من منظور السياسة الخارجية بعد 30 يونية؟
- الأمن القومي المصري شىء مستقر ومستديم ولا يتغير وبالنسبة لي لا يوجد شىء اسمه 25 يناير او 30 يونية فيما يتعلق بالأمن القومي فاعتادت مصر خلال فترات حكم «عبد الناصر والسادات ومبارك» أن الأمن القومي هو المصالح المصرية المستقرة الخاضعة لتأثير الجغرافيا والتاريخ والثقافة ومن هنا هذا الأمن لا يتغير.. وهؤلاء الذين يتحدثون عن مهام جديدة للأمن القومي المصري يحاولون اختراع العجلة او اكتشاف النار، لأنها امور مستقرة، وهناك تهديدات خارجية لهذا الأمن وأيضاً مياه النيل وهذان شقان أساسيان للأمن القومي ولا يجب التخلي عنهما اطلاقاً والحفاظ عليهما والتصدي لمن يحاول العبث بهما.
< إذن أدوات السياسة الخارجية لن تتغير؟
- أدوات السياسة الخارجية اثنان لا ثالث لهما، احداهما اسمها القوة المسلحة، والأخرى هى الدبلوماسية الهادئة الناعمة.. اذن القوة والدبلوماسية هما الاداتان اللتان يتم استخدامهما من خلال السياسة الخارجية المصرية لتحقيق مصالح الدولة والدفاع عنها.
< وماذا عن دور المخابرات في السياسة الخارجية؟
- أعتقد أن دورها انتهى مع انتهاء عصر الرئيس «عبد الناصر» وبعد ضربة 1967 أصبح هناك كثير من المصالحات الاستراتيجية وتقلص الدور المخابراتي المصري.. مع أني أرى أهمية دور المخابرات ورجالها ترجع الى مسئولياتها في جمع المعلومات والأخبار وتحليلها بالشكل الذي يساعد صاحب القرار السياسي ولا مانع من تقديمها لتوصيات ومقترحات للسياسة، ولكن ما كان ينبغي لها أن يكون لها دورها التنفيذي الذي وصلت اليه خلال حكم الرئيس مبارك، لأن دورها في التنفيذ كان يبعدها عن دورها في جمع وتحصيل وتحليل المعلومات التي من مهامها الأساسية.
< ووصل الأمر الى أن بعض الصحف المعارضة لنظام مبارك كانت تصف اللواء عمر سليمان بأنه وزير الخارجية المصري؟
- اللواء عمر سليمان كان على مقربة من الرئيس مبارك منذ 1988 عندما شغل منصب مدير المخابرات الحربية ثم زاد الاتصال الوثيق في مايو 1991 عندما ترأس المخابرات العامة المصرية، ونما نفوذه وتصاعد بهدوء وحكمة وحرص، وبعد شغلي منصب وزير الخارجية تأكدت أن تأثير جهاز المخابرات يعود أساساً الى شخصية اللواء عمر سليمان ودقة عمله وثقة الرئيس في تقديراته الشخصية وحيويته وعمله المستمر.. وأصبح يلتقي بوزراء الخارجية وكبار الزائرين للقاهرة منذ تولى «أحمد ماهر» وزارة الخارجية في 2001 وأصبحت وجهات نظره نافذة وتأثيره كبيراً في محفل السياسة الخارجية، خاصة فيما يتعلق بالشأن الفلسطيني، ولهذا تم التعاون بيني وبينه والتنسيق معه في كثير من القضايا والملفات ورحب الرئيس مبارك بهذا التعاون؟
< معظم الدول العربية منكفئة على مشاكلها الداخلية أو تداوي جراحها.. فما الموقف تجاه اسرائيل.
- ما يحدث في الشرق الأوسط اليوم هو النجاح الغربي الاسرائيلي في تدمير القدرة العربية في التصدي لاسرائيل.. ولقد قيل الكثير ونقلنا عن العالم الغربي مسميات ما كان يصح لنا أن نسميها فقد وصفنا ما يحدث في المنطقة بالربيع العربي مع أن حقيقته هو التدمير العربي، ولا يفوتنا اليوم أن دولة ليبيا الجارة في غرب مصر يتم تدميرها وربما تقسم الي ثلاث دويلات دولة خزان ودولة طرابلس ودولة في بنغازي، ولا يجب أن ننسي علي الإطلاق أن سوريا الشريك العربي الذي حارب مع مصر في أكتوبر 1973 يتم تدميره كاملا بعد تدمير

الجيش السوري وأصبحت سوريا في احتياج الي مئات المليارات من الدولارات ليتم بناؤها من جديد، بالإضافة الي تدمير العراق وجيشه ويحتمل تجزئته وتقسيمه، وبالتالي فإن ما يسمي بالربيع العربي ليس في مفهومنا ولكنها نقلت عن الفكر الغربي في الستينيات عندما سقطت النظرية الشيوعية ثم الاتحاد السوفيتي وما أطلق عليه ربيع جراد.. ومع هذا مازال الإعلام العربي للأسف يكرر هذا المعني الذي جعل الدول العربية منكفئة علي مشاكلها.. إذا لا نلومن إلا أنفسنا عندما نكون تناسينا إسرائيل التي أراها انتصرت علي العرب في هذه المنطقة علي الأقل مرحليا نتيجة لما يسمي بالربيع العربي.. ولنقف ونتصدي وندافع ونحقق الهدف، وأري أن مصر في مستقبل الأيام ستحقق ما أقوله.
< هل من الممكن أن تتغير الاستراتيجية المصرية تجاه القضية الفلسطينية بعد 30 يونية؟
- إسرائيل الآن تشعر بمنتهي الأمان نظرا للمشاكل والصعوبات الكثيرة التي تواجه معظم الدول العربية فيما سمي بثورات الربيع العربي ولكن بالطبع هذه مرحلة وسوف تستعيد المنطقة استقرارها إذا ما وقفت مصر مرة أخري واستعادت دورها الإقليمي في المنطقة ولكن علينا أن نعرف علاقة مصر بإسرائيل سواء في الماضي أو الحاضر أو المستقبل نشأت أو ستنشأ علي علاقة جادة ومتطورة فهذا سوف يحكمها وبشكل رئيسي ما سوف يتم بالنسبة للمشكلة الفلسطينية فسوف تتحسن العلاقات المصرية الإسرائيلية، أما إذا ظلت الأمور علي حالها وجمودها أو تدهورت العلاقات بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي فمن المؤكد أن علاقات مصر وبغض النظر عن معاهدة السلام أو ثورتي مصر 25 يناير أو 30 يونية ستتعرض هذه العلاقة الي الصعوبات.
< ماذا عن علاقة «مبارك» بقادة إسرائيل والتي كانت تثير غضب الشعب المصري؟
- الرئيس مبارك كان يعلم مكر اليهود ودهاءهم وشرهم، ولهذا هو كان يناور القادة الإسرائيليين ولم يكن يحبهم بل كان يقابلهم بدهاء ومكر حتي يتقي شرهم وفي ذات الوقت للتهدئة وتخفيف الضغوط علي الشعب الفلسطيني عندما تتأزم الأمور وهو بالفعل استطاع إتقاء شرهم تجاه مصر واستطاع أن يستقر بالأوضاع الداخلية بعيدا عن الحروب والمناورات العسكرية وهذه هي السياسة لا تعترف بالحب بل بالمصالح.
< وكيف طرح الأمريكان أو كونداليزا رايس فكرة الشرق الأوسط الكبير؟
- هذا علي المستوي الإقليمي فقد طرحت الولايات المتحدة فكرتها عن الشرق الأوسط الكبير أو الواسع الممتد من أفغانستان وباكستان في الشرق إلي موريتانيا والمغرب في الغرب أي في حقيقته الشرق الأوسط الإسلامي وهوامشه مع تجاوز كل من لا تتعاون معه الولايات المتحدة بالمنطقة مثل إيران وسوريا وكانت توجد دعوة لمصر للمشاركة وبالفعل جاءت المشاركة علي المستوي الحكومي قوية وعلي مستوي الجمعيات المصرية غير الحكومية مشاركة مؤثرة.
< لكن البعض هلل في مصر لفكرة الشرق الأوسط الجديد دون النظر لما وراءها؟
- بالفعل.. لأن البعض كان يرغب في الارتماء في أحضان هذا التجمع معتقدا أن الولايات المتحدة ستفتح خزائنها لدفع التنمية وتطوير المجتمعات الإسلامية!! مع أن الأمر كان لا يتعدي عدة مئات من الملايين لكل الدول الإسلامية والتركيز علي تعزيز وتقوية المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية التي كان الأمل الأمريكي يطمح في تمكينها من تحقيق تطوير حقيقي لهذه المجتمعات ولم نمانع طالما أن الأمر سيتم في إطار القوانين الحاكمة لهذه الدول الإسلامية أو هكذا تصورنا.
< وماذا عن الصراع المصري - الأمريكي الخاص بمنظمات المجتمع المدني؟
- الأمريكان كانوا يطالبون بحرية العمل للمنظمات الأمريكية الأهلية وغير الحكومية في مصر، وكان «مبارك» يرفض أي موافقات ويصمم أن يكون القرار منه شخصيا عند التعرض لهذه المنظمات التي كانت تمارس عملها بهدوء في تدريب عناصر مصرية وهيئات وجمعيات غير حكومية مصرية ولم يصدر أي قرار ضد منظمات «المعهد الجمهوري» و«المعهد الديمقراطي» و«فريدوم هاوس» إلا من خلال تضييق عملياتها بشكل غير حاسم أو منع نهائى.
وقرر الأمريكيون إنفاق مبالغ من المعونة الأمريكية الاقتصادية علي هذه المنظمات وصلت الي حوالي خمسين مليون دولار سنويا ولم تكن مصر غافلة عما يحدث، وإن كانت أصبحت غير قادرة علي حسم أمرها.. وأبلغت الرئيس «مبارك» أن المبالغ كبيرة جدا علي أوضاع مصر وربما تخفي أهدافا أكبر مما هو معلن في تدريب علي الانتخابات والديمقراطية وكان يستشعر القلق ولكنه لم يحسم الأمر بشكل جذري حتي وقت تنحيته عن الحكم في فبراير 2011.
< ولكنكم تعرضتم لهجوم شديد من الإعلام المصري بسبب هذه المنظمات؟
- نعم.. تعرضت أنا ووزارة الخارجية لهجوم وانتقاد من الإعلام المصري وبعض هذه المنظمات ولم يقل أحد منهم هل يستطيع أي مصري أن ينفق أموالا في أمريكا أو أي دولة أوروبية دون ترخيص قانوني.. وقد فتح هذا الملف بعد ثورة 25 يناير ومحاولتها العمل علي الأرض المصرية دون احترام للقانون المصري وعادت بي الذاكرة عندما قدمت تقريرا كاملا لما كان يصلني من جهات أمنية مصرية عن هذا الإنفاق وحصول جماعات مصرية تحت ستار منظمات العمل المدني علي أموال من هنا وهناك الي حكومة الدكتور «أحمد شفيق» وتم الهجوم عليّ مرة أخري ولكن كشفت الأيام صدق ما تحدثت به ومن يقرأ كتاب «كونداليزا رايس» عن فترة رئاستها الخارجية الأمريكية يمكن أن يتوصل الي الهدف من هذا الإنفاق الأمريكي الكبير علي منظمات المجتمع المدني المصري.
< هل يمكن تقسيم مراحل العلاقات المصرية - الأمريكية منذ اتفاقية السلام حتي الآن؟
- ظلت العلاقات المصرية - الأمريكية منذ اتفاق «كامب ديڤيد» بالاستقرار والتعاون والتوازن في المصالح الي أن اهتزت خلال أزمة السفينة «أكيلي لاورو» عام 1985 ثم تحركت العلاقات وبنشاط كبير أثناء فترة الرئيس بوش «الأب» ثم «كلينتون» وفي بدايات حكم «بوش» الابن الي أن جاءت صدمة الهجوم علي مركز التجارة العالمي في سبتمبر 2011 وما تبعه من قرار أمريكي في المواجهة مع جماعات بالعالم الإسلامي فيما سمي بالتصدي للإرهاب القادم من الشرق الأوسط، وقد بذلنا جهدا كبيرا في الحفاظ علي علاقات حيوية ولكن بصعوبة كبيرة خلال فترة «بوش» الابن.. الي أن جاء «أوباما» وحكم الديمقراطيين بدأ الرئيس «مبارك» يستشعر الاسترخاء وعدم الحاجة الي الشد والجذب الدائم بين الحكم المصري والإدارة الأمريكية رغم الضيق الشديد من الإرث الذي تركته إدارة «بوش» من تخفيض المساعدات الاقتصادية لمصر الي النصف حيث أصبحت 200 مليون دولار سنويا لمدة خمسة أعوام.
< وكيف تري مستقبل العلاقات المصرية - الأمريكية بعد 30 يونية؟
- العلاقات المصرية - الأمريكية أراها صعبة وسوف تستمر في هذه الصعوبة لأن الولايات المتحدة ترغب دائما في التأثير علي مصر باعتبارها قوة التأثير الرئيسية في هذا الإقليم مع أنه قد انزوي بعض الوقت خلال الثلاث السنوات الأخيرة ولكنه بالطبع سوف يعود ليقوم بدوره المؤثر و الفعال، وبالتالي سوف تسعي الولايات المتحدة مرة أخري للتأثير في هذا الدور والاستفادة من فاعلياته في مستقبل الأيام ولا أقول خلال عام أو عامين أو عقد أو عقدين ولكنها علاقة صعبة خاصة بعد أن دمرت مصر مخطط الولايات والعالم الغربي بالكامل وكانا يسعيان الي فرضه علي هذا الاقليم بالكامل والمعركة لم تنته بعد والعرب سوف يستمرون في سعيهم الي التطويع ولكن علي مصر أن تحذر وأن تخطط وتناور وتجمع حولها الحلفاء وتقف بجانب الأصدقاء وأن تبني ائتلافات وتتصدي كل هذه القوي التي تسعي الي الشر أو الإضرار بها خاصة أن هذه القوي أصبحت معروفة للمجتمع المصري والقيادة المصرية وعلينا التصدي لهم وضرب مخططاتهم ولا نجعل شيئا يوقف مسيرتنا.
< وماذا عن العلاقة الثلاثية بين مصر وأمريكا وإسرائيل؟
- بعد مجيئي لوزارة الخارجية كان تفكيري كيفية التعامل مع إدارة بوش الجريحة بعد هجوم سبتمبر 2011 والهدف كان دائما فصل العلاقات المصرية الإسرائيلية عن مسار العلاقة بين مصر وأمريكا والتي يجب أن تقف علي أقدامها بعيدا عن التأثير الإسرائيلي، ولكن للأسف الجانب الأمريكي الذي أقام منظومة «كامب ديڤيد» يفرض ثقله وتأثيره علي هذه العلاقة بثلاثيتها  لمزايا ومصالح استراتيجية وتكتيكية له تجاه الطرفين المصري والإسرائيلي والإقليمي كوحدة متكاملة بما يعكسه السؤال،و علينا بقدر الإمكان تحييد الثقل الإسرائيلي في العلاقات المصرية الأمريكية والبحث عن آفاق جديدة في هذه العلاقات بما يؤدي الي انزواء التأثير الإسرائيلي.
< وكيف يتحقق هذا؟
- يتحقق هذا في مستقبل الأيام إقليميا وداخليا في إعادة البناء الاقتصادي والاجتماعي في المجتمع المصري بما يؤثر علي الفاعلية الدبلوماسية الخارجية وكلها عناصر سوف تدفع الولايات المتحدة والعالم الغربي الي التركيز علي بناء علاقة ثنائية مع مصر بدلا من أن تكون علاقة ثلاثية، ويوجد شق ثالث في هذه المعادلة ذات الحساسية وهو البعد الإقليمي للتحركات الأمريكية والمنطلقات المصرية الحاكمة تجاهها والتي لا يمكن الحياد عنها وإلا تفقد مصر هويتها، وهذا يعطيها ثقلا إقليميا وتأثيرا قويا متميزا في علاقاتها مع الدول الخارجية بمنظور ثنائي تستحقه مصر.
< كيفية التعامل مع الانقسامات الإسلامية تركيا - إيران - مصر في ظل الهيمنة الغربية؟
- لا شك أن مصر قوة إسلامية رئيسية منذ تصديها الناجح لكل من الصليبيين أو هجمات التتار علي إقليم الشرق الأوسط وستظل «حطين» و«عين جالوت» علامات مضيئة في تاريخ مصر وضمير مصر الإسلامية ولكن اليوم في عالم الانقسامات الإسلامية والهيمنة الغربية توجد قوي إسلامية تاريخية تتمثل في تركيا السنية بتاريخها العثماني وإيران الشيعية، وهاتان الدولتان تنازعان السيادة والسيطرة التاريخية علي الإقليم فيما بينهما، فهل يمكن أن تحول هذا التاريخ الحزين الي تعاون ومشاركة للدفاع عن الإقليم الإسلامي في ظروف الهيمنة والعدوانية الغربية في تحالف إسلامي حقيقي. لكن للأسف الشديد فهذا التحالف أصبح حلما حائرا غير قابل للتحقيق فإيران تنازع تركيا وتغار منها والعكس صحيح أيضا، ومصر التي تستشعر أن عليها مسئوليات للدفاع عن أمن الإقليم سواء فيما يتعلق بإسرائيل أو بالنسبة لمنطقة الخليج وتركيا التي لا تحركها غير نوازعها الاقتصادية والتجارية خاصة أن الاقتصاد التركي أصبح يبحث عن الأسواق، مع تمسكها بعلاقتها الغربية الممثلة في حلف الأطلسي والسعي للانضمام الي الاتحاد الأوروبي، وتأثير ذلك علي مصر وسياستها الخارجية.
< وأين الدور السعودي المصري في المنطقة خاصة أن السعودية قوة إسلامية روحية واقتصادية هائلة؟
- بالفعل خاصة أن السعودية لعبت دورا مهما تجاه مصر بعد 30 يونية وإن كان الرئيس «السادات» فطن الي دور السعودية ونهج في اتجاه مضاد لما سار عليه «عبدالناصر» في السياسة الخارجية تجاه السعودية إلا أن نمو القدرات الاقتصادية والمالية وما ينتظره الوضع السعودي من تطورات مستقبلية خلال العقود القادمة ومع استمرار اضمحلال القدرة الاقتصادية لمصر له تأثيراته ولا شك في رضاء مصر بأن يكون لها شريك مؤثر الي حد كبير في مقدرات المنطقة، مع أن هذا بني علي أساس قوي ومتين في هذه العلاقات، ولهذا رصدت السعودية المساعدات المالية والاقتصادية التي يستخدمها السعوديون للتأثير علي الكثير من المواقف المصرية، بوديعة مالية تقدم الي مصر وقت الحاجة، كماكان هناك هدايا بناء علي طلب مصر لشراء الأقماح التي تحتاجها مصر ونكتشف أن السعودية لها صوتها المسموع في مصر خاصة أن دعمها لا يقتصر علي المملكة ولكن يتبعها في ذلك الكويت والإمارات وغيرهما من دول مجلس التعاون وإن كان الموقف الذي ظهر من السعودية بعد 30 يونية كان موقفا رائعا من أشقاء بعيدا عن التأثير في الموقف المصري تجاه ما نراه في صالح شعبها ومستقبلها.

تابع الجزء الثانى من الحوار :

الجيش قال لأمريكا " لا ".. وأثبت أنه حر القرار


 

أهم الاخبار