المفتي الأسبق: الاستفتاء على الدستور واجب وطنى

حوارات وملفات

الخميس, 02 يناير 2014 14:12
 المفتي الأسبق: الاستفتاء على الدستور واجب وطنىنصر فريد
أجرى الحوار: صابر رمضان

الإسلام والسلام وجهان لعملة واحدة.. وما يحدث الآن يتنافى مع العقل والشرع «الجماعة» شوهت الدين تشويهاً بالغاً وألحقت به

الإرهاب والإفساد ليس هناك إسلام سياسى.. فالإسلام عقيدة وشريعة المطالبون بالشرعية عن طريق الإرهاب مفسدون فى الأرض
أدعو أبناء التيار الإسلامى أن يعودوا لرشدهم والبعد عن العنف
التجربة أثبتت فشل تولى الإسلاميين السلطة فى مصر
حدث فساد كبير فى الفتوى.. ولابد من العودة لأهل الاختصاص
«الطيب» أعاد للأزهر مكانته على الصعيدين المحلى والدولى
مازلت أحلم بإنشاء هيئة عليا لجمع الزكاة لصرفها فى تنمية المشروعات القومية
سراديب الحديث لا تنتهى مع فضيلة الدكتور نصر فريد واصل، مفتى الجمهورية الأسبق، فهو عالم إسلامى موسوعى، وفقيه متخصص، وهو فوق كل ذلك يمتلك آليات الفقه المقارن بصفته أستاذاً بالأزهر لهذه المادة، وقد كانت له مواقف مشهودة وجريئة إبان توليه مسئولية الإفتاء فى مصر، فقد تعرض لضغوط شتى من قبل النظام الأسبق لإصدار فتاوى تتفق وسياسة الدولة وتخدم النظام، لكنه كان يرفض خشية الله، والتفريط فى حق من حقوقه، وقد وقف حائط صد أمام توريث الحكم، ووقتها جاءت إجابته كافية وشافية بأن التوريث لا يجوز شرعاً، لأن الشعوب لا تورث، وإنما الشعوب لها إرادة وحرية فى اختيار من يرأسها، أيضاً لا ينسى موقفه من رفضه إصدار فتوى بإجازة تصدير الغاز إلى إسرائيل، كما كان اعتراضه على اتفاقية «الكويز» سبباً فى قلق النظام الحاكم وقتها، حتى أقيل من منصبه عام 2002، وبالرغم من ابتعاده عن منصب «المفتى»، فإن له رصيداً كبيراً فى قلوب المسلمين داخل مصر وخارجها، وقد كان أحد أعضاء الهيئة التأسيسية لوضع دستور 2012 وله آراؤه الدينية والسياسية فى شتى القضايا، وهو من العلماء القلائل الذين ندر أن يوجد مثلهم فى هذا الزمان خُلقاً وعملاً، بالإضافة إلى درجاته العلمية.
«الوفد» التقت فضيلته لنتعرف على آرائه فيما يدور على الساحة السياسية الآن ورؤيته لدستور مصر الجديد وأحداث العنف التى تشهدها مصر منذ سقوط حكم تنظيم الإخوان الذى صُنف مؤخراً على أنه «فصيل إرهابى» بعد قرار الحكومة إعلان «الجماعة» تنظيماً إرهابياً فإلى نص الحوار:
> دعنى أسألك فى البداية عن تقييمك لما يدور على الساحة السياسية فى مصر الآن؟ وما رؤيتكم للأجواء التى تعيشها البلاد وتتسم بالعنف؟
- ما يدور على الساحة السياسية الآن هو أمر فيه التباس للأسف من ناحية الخارجين على القانون ويؤثر على الدولة ككل، وعلى نظام المجتمع الذى هو فى مصر، ومع ذلك فإن مصر بلد الأمن والأمان والسلامة، كما قال الله سبحانه وتعالى: «ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين»، كما أن الإسلام استقر فى مصر من خلال الأزهر الشريف الذى يمثل الإسلام ووسطيته ورسالته العالمية التى جاءت أمناً وسلاماً ورحمة للعالمين، كما هى رسالة محمد صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى: «وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين».
وأعتقد أن هذا الالتباس الذى حدث كان بسبب الصراع السياسى على الحكم، وما ترتب على ذلك من أمور تتنافى مع الدين ومع العقل ومع الشرع ومع المواثيق الدولية، ولا شك أن هذا الصراع هو السبب فى الظروف غير الأمنية التى نعيش فيها الآن، وأعتقد أن الإسلام والسلام وجهان لعملة واحدة ورسالة الإسلام هى السلام، والمسئول عن تحقيق هذا السلام هو القيادة السياسية، وذا تولت هذه القيادة السياسية الحكم فعليها أن تحقق هذا السلام، وتلتزم بالإسلام ومبادئه سواء كانت هى فى الحكم أو كانت خارجة عن الحكم، ولذلك الصراع الذى دار بناء على خروج هذه الجماعة من الحكم وعدم قدرتها على تحقيق الأمن والسلام سواء كان فى وجودها أو فى غير وجودها، كان سببه أنها خالفت الإسلام وخالفت الشريعة ومبادئها والآن حكمت هذه الفئة على نفسها بأنها من الخوارج، وأيضاً يصل الأمر فى كثير من أتباعها إلى ما يمكن أن نطلق عليهم المنافقين فى الدين، لأن المنافقين أشد كفراً، وبذلك أعتقد أن هذا الصراع الذى يدور الآن حول الوصول إلى الحكم بطريقة فيها عنف وفيها قتال هو إفساد فى الأرض، وقتل للأبرياء كما قال الله تعالى «من قتل نفساً بغير نفس أو فساد فى الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً»، وللأسف كثير من الذين يقومون بهذه الأعمال التى تتنافى مع الدين ومع العقل ومع الشرع ومع فطرة الإنسان السوية التى خلقها الله سبحانه وتعالى، إما ضالين أو منافقين أو جاهلين بأحكام الإسلام، وهذا الجهل لا يعفيهم من هذه المسئولية، لأن الله سبحانه وتعالى يقول: «فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون»، فعليهم أن يأخذوا العلم من أهله، والأزهر الشريف هو أهل لهذه الوسطية وهو رسالة عالمية للعالم أجمع، لأكثر من ألف سنة، وقد جاءت رسالة الإسلام إلى مصر هذه بعد بعثة النبى صلى الله عليه وسلم، وقبل بعثة النبى صلى الله عليه وسلم، لأن جميع الرسالات السماوية كان منبعها من هذه المنطقة، ولذلك الإسلام هو دين جميع الأنبياء والرسل من آدم إلى محمد صلى الله عليه وسلم، «إن الدين عند الله الإسلام» والإسلام هو السلام ومن لم يعرف الإسلام ومبادئ الإسلام فهو خارج عليه، إما بعلمه وإما بجهله، وفى جميع الأحوال ما دام أن الدعوة قد بلغته من أى وسيلة من الوسائل خاصة الوسيلة الشرعية الصحيحة فإن ذلك لا يعفيه من المسئولية والعقاب فى الدنيا والآخرة.
> وهل ترى أن الحركات الإسلامية خاصة جماعة الإخوان المسلمين شوهت الدعوة الإسلامية؟
- طبعاً.. بلا شك، هم شوهوا الدين تشويهاً بالغاً وألحقوا به الإرهاب والإفساد فى كل مكان، وما يُحارب المسلمون ويقتلون فى أى مكان فى العالم الآن إلا بسبب هذه الجماعات التى تخرج علينا باسم الإسلام، ولكنها تقتل وتفسد وتدمر وترتكب الإرهاب الذى نشاهده الآن، وهذا ما يؤثر بالسلب على الدعوة الإسلامية التى جاءت دعوة عالمية ورحمة للناس جميعاً، ومن هنا فعليهم أن يعودوا إلى رشدهم، وألا يخسروا الدنيا والآخرة معاً.
> بسقوط جماعة الإخوان المسلمين من سدة الحكم.. هل ترى أن مشروع الإسلام السياسى انتهى؟
- الإسلام عقيدة وشريعة، فليس هناك شىء اسمه الإسلام السياسى، فالإسلام هو الإسلام، إسلام متكامل، إسلام عقيدة وشريعة، إسلام يجمع بين الدين والدنيا ويجمع الزراعة والصناعة والحكم والسياسة، فليس هناك إسلام أصولى ولا إسلام سياسى ولا إسلام معتدل، فالإسلام هو دين الله سبحانه وتعالى، وهو سلام لكل البشر وللناس جميعاً «لا إكراه فى الدين»، فمسألة أن الحكم السياسى المتعلق بالإسلام ينتهى، فالإسلام لا يمكن أن ينتهى، فالإسلام له علاقة بالسياسة، فهناك ما يسمى «السياسة الشرعية»، والسياسة الشرعية هى سياسة الحياة، السياسة المعتدلة، السياسة الوسطية، إذن الإسلام فى مجال السياسة لا يمكن أن ينتهى أو يزول أبداً، لا يمكن الفصل بين الدين والدنيا، منهما كالروح والجسد، فهل يمكن أن نتصور أن نفصل بين أرواحنا وأجسادنا، لا يمكن، وكذلك لا يمكن الفصل بين الدين والدنيا، ولا بين الدين والحياة، ومن هنا فإن السياسة الشرعية الإسلامية الصحيحة المعتدلة لا يمكن أن تنفصل عن الدولة كوطن، والإسلام يجعل الوطن والمواطنة جزءاً من الدين، لأن الله سبحانه وتعالى يقول: «المال والبنون زينة الحياة الدنيا»، والمال هو كل ما يتعلق بهذه الدنيا ومنها الأرض ومنها الوطن الذى نحيا عليه ونعيش فيه، وهو مكان دورنا ومدارسنا ومعاهدنا العلمية، فالوطن جزء من الدين والعقيدة، لأن الدين منهج حياة والدين لا يمكن أن يكون إلا فى وطن، ومن هنا فإننا نجدأن النبى صلى الله عليه وسلم عندما كانت دعوته الأولى كانت فى مكة لأكثر من ثلاث عشرة سنة، وعاش فيها وعندما أجبر على الخروج منها من الكفار المعاندين الذين كانوا يصدونه فى سبيل نشر الدعوة بالسلم والحكمة والموعظة الحسنة، ففى هذه الحالة نظر إليها، وقال: «والله إنك أحب البلاد إلىّ ولولا أن أهلك أخرجونى منك ما خرجت»، فهو حزين على وطنه الذى عاش فيه وهناك حنين للوطن، فهذا جزء من الدين والعقيدة وجزء من الإيمان، فلذلك فإن رمز المواطنة ورمز الوطنية يفرض علينا عقيدة وشرعية أن نحمى هذا الوطن ونحمى كل ما على هذا الوطن من الأنفس والأموال والناس جميعاً، وجميع المواطنين على هذا الوطن مهما كانت عقيدتهم وجنسياتهم واختلافاتهم الثقافية كلهم مواطنون وكلهم فى نظر الإسلام سواء وإخوة فى الإنسانية وفى تحقيق الأمن والسلام.
> بماذا ترد على المطالبين من أنصار الرئيس المعزول «مرسى» بعودته تطبيقاً للشرعية وأنهم على حق؟
- تطبيق الشرعية لا يكون إلا بالأمن والسلام، فالدعوة إلى الشرعية لابد أن تدعو إلى السلام أولاً والأمن ــ كما قلت ــ الإسلام والسلام وجهان لعملة واحدة، فكل حروف كلمة الإسلام هى حروف كلمة السلامة مع التقديم والتأخير، وهذا ما يتطلب أن تكون الدعوة إلى الشرعية بالسلم والله سبحانه وتعالى يقول: «ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة» وقال تعالى: «ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك»، و«كل نفس بما كسبت رهينة»، إذن لا يمكن أن تتحقق الشرعية، شرعية الحكم وشرعية السياسة والمواطنة إلا بالأمن والدعوة إلى السلام، لأن العنف يولد العنف، كما يقال، ولهذا ما يحدث الآن عندما يطالبون بالشرعية عن طريق العنف فهذا يؤدى إلى مزيد من العنف وإلى فساد الدعوة نفسها، وبالتالى القضاء على الدعوة وإلحاق الإرهاب والإفساد بجميع المسلمين بلا استثناء حتى لأصحاب هذه الدعوة، وإن كانت نياتهم حسنة، فهذه النية لا تفيد أبداً فى أن يتخلى الإنسان عن المسئولية الدينية والمسألة الشرعية، لأنه يتحمل كل ما يترتب على هذه الدعوة الضالة الفاسدة، والله يقول: «ولا تفسدوا فى الأرض بعد إصلاحها»، فالله أمرنا بأن نصلح فى الأرض وأن نكون فيها مستخلفين لعمارتها «هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها»، ولم يأمرنا بالإفساد بل جعلها صالحة لنا وأمرنا بأن نكون مصلحين لا مفسدين، لذلك فالدعوة إلى الشرعية بهذه الطريقة هى إفساد فى الأرض، والله سبحانه وتعالى يقول: «إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون فى الأرض فساداً أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض، ذلك لهم خزى فى الدنيا ولهم فى الآخرة عذاب عظيم»، إذن لابد أن يعلموا كل هذه المبادئ، فالإسلام متكامل عقيدةً وشرعيةً، ولا يمكن أن نأخذ منه جزءاً أو نترك منه جزءاً فلا نقول «ولا تقربوا الصلاة»، ونسكت، ونترك بقية الآية «وأنتم سكارى»، ومن هنا فعلينا أن نعود إلى رشدنا وأن نجتمع صفاً واحداً ونعتصم بحبل الله جميعاً، لأن الله سبحانه وتعالى يقول: «واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا»، وهذا أمر لا يجب مخالفته بأى حال من الأحوال، ووحدة الأمة جميعاً هى أساس صحة العبادة والإخلاص فى العبادة، لأن الله سبحانه وتعالى يقول: «إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون»، فربط بين العبادة والإخلاص فيها وبين وحدة الأمة، ومعنى ذلك أن فرقة الأمة إنما تؤدى إلى عدم إخلاص العبادة لله سبحانه وتعالى مع أن الله خلقنا من أجل هذه العبادة، لأن الله تعالى يقول: «وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون»، فأى عبادة تكون لنا ونحن نخالف أمر الله ونتجنب نواهيه وهذه من الكبائر الكبرى التى يجب أن نبتعد عنها.
> هل ترى أن الحفاظ على كرسى الحكم يستحق سفك كل هذه الدماء وتخريب المنشآت وتقويض مقدرات الدولة؟
- هذا إفساد فى الأرض، فالقاعدة الشرعية تقول: «من طلب الولاية لا يولى»، وهذا ما حدث مع النبى صلى الله عليه وسلم إنها أمانة وإنها يوم القيامة خزى وندامة إلا من أخذها بحقها، وأدى التى عليها، ومن هنا كانت القاعدة الشرعية، حتى إن النبى صلى الله عليه وسلم قال: «نحن لا نولى أحداً هذه الولاية التى طلبها»، لأنه إذا كان قد طلبها فهو حريص عليها، وإذا كان حريصاً عليها، فهو حريص على الدنيا وعلى المصالح الشخصية، والأصل أن الولاية لمصلحة العامة ولمصلحة الجميع، والولاية هى حق الله سبحانه وتعالى يعنى حق للمجتمع كله، فإذا أراد أن يتولى هذه الولاية فعليه أن يتولاها، من أجل مصالح الجميع، ومن أجل تحقيق الأمن والسلام، سلام الإنسان وسلام لما على هذه الأرض سواء كان محلياً أو عالمياً، ومن هنا فدعوته تكون بالسلام وحكمه يكون بالسلام، أما إذا كانت دعوته فى الحكم بغير السلام، فهذا يؤدى إلى أنه أصبح غير شرعى وخلع عن نفسه الأسباب الشرعية التى تؤهله لهذا الحكم.
> وما الرسالة التى توجهها لأبناء التيار الإسلامى خاصة الذين يجنحون للعنف؟
- أقول لهم: عودوا إلى رشدكم، واعلموا أن العنف يؤدى إلى القتل والإفساد فى الأرض، والمفسدون فى الأرض كما قلت هم محاربون لله ولرسوله، وأنتم بهذا الإفساد وبهذا العنف وبهذه الدعوة عن طريق القتال من أجل الوصول للحكم تحاربون الله ورسوله، وهذا إفساد فى الأرض، وكما تشير الآية الكريمة: «إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون فى الأرض فساداً أن يقتلوا أو يصلبوا وتقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض».
> البعض رأى أن تولى الإسلاميين السلطة فى مصر والبلدان العربية كان وبالاً على هذه الدول بأسرها فما رأيك؟
- للأسف هذا ما ظهر، والتجربة أثبتت أنهم لم يكونوا على مستوى المسئولية الملقاة على عاتقهم وأضروا بأنفسهم وبدا الآن أن الإنسان إذا أخطأ فعليه أن يعود إلى الصواب، لأن الخطأ فى حد ذاته ليس مشكلة وليس جريمة إنما الإصرار على الخطأ هو الجريمة فى حد ذاتها، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، ومن هنا كان عليهم أن يعودوا إلى رشدهم وأن يعتبروا أن الحكم والخطأ وعدم الوصول إلى نتيجة كاملة منهم هى مثل الرياضة تماماً، فهى جولات، مرة لك ومرة عليك، فإذا انهزمت فى هذه المرة فعليك أن تسارع لتصحيح الخطأ حتى تصل للصواب، أما أن الإنسان إما أن ينتصر على غريمه وإلا يكون عدواً له، ولابد أن يقاتله، فهذه ليست من صفات ولا أخلاق الإسلام ولا مبادئه، وهى التى أوقعت هذه الجماعة فى هذه الفتنة التى هم فيها وعاشوا فيها، وأيضاً إلى الفتنة مع الآخرين، والفتنة أشد من القتل، كما قال الله سبحانه وتعالى ولذلك على هؤلاء أن يعودوا إلى حظيرة المجتمع ويتوبوا إلى الله ثم يعلنوا التوبة النصوح، وأنهم جزء من المجتمع، ومن هنا لابد أن نعتصم بحبل الله جميعاً ولا نتفرق والتوبة دائماً تجب ما قبلها.
> بعد قيام ثورتين كبريين فى مصر لماذا لم نر من العلماء من يقول كلمة حق فى وجه سلطان جائر بل إن بعض العلماء لم يتحدثوا عن فساد هذه الأنظمة إلا بعد سقوطها؟
- دائماً الحكم على شىء فرع من تصوره، فنحن لا نحكم على ما فى الباطن، وإنما نحكم على ما فى الظاهر، وما فى الظاهر كان من جماعة الإخوان المسلمين أنها كانت على مبادئ الإسلام وأنها كانت تدعو إلى الإسلام وإلى الالتزام بالشريعة وتطبيقها، وهذا ما ما كان يظهر فى الغالب الأعم، أما مسألة الخروج على هذا فكان نادراً، وكانت مسائل فردية، وكانت تعد على أصابع اليد، والقاعدة تقول: «الشاذ لا يقاس عليه»، ولكن للأسف انكشف الوجه الآخر بعد هذه التجربة، وبعد أن فقدوا الحكم أو السيطرة ظهر ما نراه الآن من عنف وقتال على المستويين العام والخاص وقتال الجيش والدولة والمجتمع وأخذ من له ذنب بمن ليس له ذنب، والبرىء بالمذنب، كما نراه الآن، فالأمر انكشف كما يقولون، فمن هنا ظهر الأمر عكس ما كان فى الباطن، وأصبح الحكم الآن هو حكماً على الظاهر، كما هى القاعدة الشرعية، فمن هنا لا يمكن أن نتصور أبداً، كما قلت، أن ما يحدث إنما هو يتفق مع الإسلام ومع شريعته وحكمه، فمن هنا تغيرت الأحكام وتغير الوجه، والحكم أصبح إنما على ما هو حادث الآن، فماذا نقول فى هذه التفجيرات التى نراها، وماذا نقول فى قتل الأبرياء، وماذا نقول فى محاربة الجيش الذى هو خير أجناد الأرض، كما قال النبى صلى الله عليه وسلم: إن جيش مصر وأهلها فى رباط إلى يوم القيامة، فكيف يقول الرسول ذلك ونحن نكذبه، والرسول يقول: «من كذب علىّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار»، فكيف إذن نحارب الله ورسوله، لأن هذا معناه أن هذا جيش الله وجيش رسوله، كما قال النبى صلى الله عليه وسلم: «اتخذوا منهم جنداً كثيفاً»، هكذا أمرنا النبى بل قال: «إذا فتح الله عليكم مصر» فكأن مصر هى فتح الله على العالم جميعاً، وهى كنانة الله فى أرضه، ومعنى كنانة الله فى أرضه أنها الحامية للدنيا كلها، فهى أرض الله حتى قبل أن توجد الرسالة من آدم حتى محمد صلى الله عليه وسلم، هى أرض الله التى خلقها، فمصر هى الكنانة، أى محل الحماية والحافظة للعالم كله، فإذا أمنت مصر أمن العالم كله، وإذا أصاب مصر خطر إذن أصاب العالم خطر، ومن هنا قال الله تعالى: «ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين»، فهى محفوظة وآمنة بأمن الله سبحانه وتعالى، فكيف إذن نحاول أن نخرب فيها ونحارب أهلها وجيشها الذى هو درعها، فالرسول صلى الله عليه وسلم قال: «عينان لا تمسهما النار أبداً، عين دمعت من خشية الله وعين باتت تحرس فى سبيل الله»، والتى تحرس فى سبيل الله هى الجيش والشرطة وهى أيضاً أى إنسان وقف يحرس أو يدافع عن هذا الوطن سواء كان بالسلاح أو كان بالكلمة الطيبة الحسنة، إذن فمبادئ الإسلام سهلة وواضحة، فكيف نخرج عليها ونفعل ما نراه الآن، فهل يمكن أن نتصور ونقول إن ما يحدث الآن من قتل وتدمير وإفساد فى الأرض وقتل الأبرياء والأطفال والشيوخ والذين لا ذنب لهم، هذا من الإسلام؟! فهل يمكن أن نحكم على من يفعل هذا بأنه يعلم عن الإسلام شيئاً أم أننا نحكم عليه بأنه على غير ما أمر به الإسلام؟ وإن كان متعمداً فهو مفسد فى الأرض، وجزاؤه معلوم، «ومن قتل نفساً بغير نفس أو فساد فى الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً» ألم يعلم هذه الآية؟! فكيف والله يقول: «ولا تقتلوا أنفسكم»، لأن قتل الغير هو قتل للنفس، فمن قتل غيره كأنما قتل نفسه، ولذلك من يفجر نفسه فكأنما قتل الناس والمجتمع، وبالطبع الجهل لا يعفيه من العقوبة لا فى الدنيا ولا

فى الآخرة، وقد يتصور أنه شهيد، لكنه خسر الدنيا والآخرة والذى وقع عليه التفجير هو شهيد لأنه قتل مظلوماً، ولن تموت نفس بغير ميعاد «فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون» ومن الإيمان بالقدر أننا نؤمن بأن الإنسان يولد معه رزقه وأجله، إذن لن يغير من القدر شيئاً، فما فعله لم يأت إلا بما قدره الله سبحانه وتعالى، إذن هو الذى خسر الدنيا والآخرة والذى مات بسببه هو الذى مات شهيداً.
> بما أن فضيلتكم أستاذ للفقه.. هل نحن فى حاجة لفقه جديد هو «فقه الثورات»؟
- طبعاً.. فالمشكلة أننا نعانى أمية دينية، فالكارثة التى نعيشها الآن أن الأمية الدينية التى عمتنا فى السنوات السابقة للأسف، إننا فصلنا الدين عن الدولة فقلنا لا دين فى السياسة ولا سياسة فى الدين، فهذا للأسف أمر خاطئ جداً، فلا يمكن فصل الدين عن الدولة، فالدين والسياسة أمران ملتزمان ببعضهما البعض، والسبب الذى أوقعنا فيما نحن فيه أننا قلنا إن الدين شىء والدنيا شىء آخر، وإن السياسة فى ناحية والدين فى ناحية أخرى، فظهرت الجماعات التى عُمى عليها الآن وأفسدت والتى أخذت الدين من غير أهله للأسف، ولم تدرس الدين لا من قريب ولا من بعيد، إلا ممن هم أعداء الدين وأعداء الإسلام من الخارج ولم يأخذوا بمادة الدين فى المدارس ولا معاهد العلم الحقيقية الأساسية وحتى معاهد العلم الأساسية للأسف فى مرحلة ما فُرغت من المختصين الذين يملكون التخصص الدقيق لأسباب اقتصادية وأسباب كثيرة جداً ولهذا حدث ما رأيناه، لكن من المهم أن نعود مرة أخرى إلى التوعية الدينية الصحيحة فى جميع مراحل التعليم من بدايتها ثم بعد ذلك بمساعدة الأسرة فى البيت وكلاهما يكمل الآخر حتى تخرج الأجيال الصحيحة، لأن فاقد الشىء لا يعطيه، حتى لا نرى طبيباً ومهندساً ومدرساً دخل فى هذا التيار المنحرف، لأنه للأسف لم يترب على أساس دينى صحيح وابتعد عن تعاليم الدين السمحة منذ بداياته لأنه أخذ العلم الدينى من غير محله، فالأمية الدينية أساس ما نحن فيه الآن.
> ما تعليقكم على محاكمة الرئيس المعزول وجماعته وعشيرته مؤخراً؟
- لا أعلق على ذلك، فالقضاء هو الذى سيفصل فى هذا الشأن، فالبينة على المدعى، والبينات والحقائق هى التى تؤدى للعدالة الكاملة، والحكم هو عنوان الحقيقة، وهذا لابد أن نتركه للقضاء، والإنسان البرىء دائماً يعبر عن نفسه، والقضاء عندما يبرئه يعيد له حقوقه وله تعويضاته، والجميع سيقف معه، وعندما يدان أيضاً فسينال الجزاء العادل الذى هو فى انتظاره، لأن الإسلام لا يفرق بين حاكم ومحكوم فى تحقيق العدل على الجميع، فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها»، وقال: «لا تشفعوا فى حدٍ من حدود الله» وحدود الله هى أمن المجتمع ونسميه «الأمن العام»، وهو حق الله، وهذا لا يمكن الشفاعة فيه، فإذا كان هناك حق يتعلق بإفساد المجتمع، فالمجتمع هنا الجميع فيه سواء، كل يحاسب على مقدار الخطأ الذى أصابه فى هذا الجانب ولا شفاعة فى الحدود وما يتعلق بأمن المجتمع.
> البعض مازال يصمم على أن ثورة 30 يونية هى انقلاب عسكرى ضد شرعية الرئيس المعزول فما قراءتك لهذا الطرح؟
- نحن عرفنا الله بعقولنا، والحكم الآن أصبح حكماً مدنياً والشعوب هى التى تأتى بالحاكم عن طريق ما نسميه «الديمقراطية والحكم الرشيد»، الذى يجيزه الإسلام، وأصحاب الحكم السابق أتوا عن طريق الشعب بنسبة (50٪ + 1) وهو ما لاحظناه، لكن المجتمع نفسه إذا أراد أن يغير فعلينا أن نقبل ذلك بالسلام دون عنف، ثم نعود مرة أخرى إلى الانتخابات، والشعب عندما طالب بذلك فإن علينا أن نلتزم بما يطالب به حتى لا تحدث فتنة ولا يقتل الناس بعضهم البعض، ويتقاتلون، وإذا كانت الغالبية العظمى من الشعب طالبت بتغيير نظام الحكم أو بإجراء انتخابات مبكرة، وهذا أمر كان واضحاً وظاهراً، فعلينا فى هذه الحالة أن نلتزم بذلك، لأن الشعب هو الذى أتى بالحاكم وهو الذى يغيره، وهذه هى الديمقراطية ولو كان الإخوان قبلوا بهذه الطريقة لما حدثت الفتنة التى حدثت الآن، أما رفضهم من أجل الوصول إلى الشرعية التى كانوا يتحدثون عنها كأنها شرعية دينية فهذا غير صحيح، فالإسلام دولته مدنية وعقيدته دينية، فحكم الدولة مدنى بمعنى أن الناس التى يدين بعضهم لبعض وهم الذين يأتون بالحكام، حتى الخلافة التى أتت بسيدنا أبوبكر رضى الله عنه مع إنها كانت تعتمد على جانب دينى وهو أن الرسول أشار إلى خلافة أبوبكر، لكن الموافقة والانتخابات كانت من البشر، وإجماع أهل الحل والعقد هو الذى أتى به إلى الحكم، إذن فالحكم مدنى، والخلافة أيضاً كانت مدنية وليست دينية، ولذلك أقول إن دولة الإسلام فى أى عصر من العصور هى دولة مدنية بمعنى أن الحكم المدنى هو الذى يحكمها، بمعنى أن البشر «العباد» هم الذين يختارون الحاكم الأصلح من بينهم ليكون قائداً لهم بشرط ــ أن يحقق مبادئ الإسلام فى الدولة الإسلامية، وألا يخرج على مبادئ الإسلام عقيدة وشريعة، وهذا ما جاء به الدستوران الجديد والسابق أيضاً بتأكيدهما أن الشريعة الإسلامية هى المصدر الرئيسى للتشريع.
> وماذا عن العلاقة بين الحاكم والرعية؟
- من المعلوم أن الحاكم منسق فى الحقوق والواجبات وأنه منوط بالجميع أن يلتزم بها وينفذوا الحقوق والواجبات، كل فى مجال تخصصه واختصاصه، من عليه واجبات يؤديها ومن له حقوق فعليه أن يطالب بها، وأن تصل إليه أيضاً بطريقة ميسرة، ومهمة الحاكم فى هذه الحالة هى تحقيق العدالة والحكم الرشيد طبقاً لما ينظمه القانون أو الدستور الذى ينظم حقوق العباد والبلاد.
> كيف ترصد دعوات الملايين لترشح الفريق «السيسى» لرئاسة الجمهورية؟
- من حق جماهير الشعب أن تطلب من تشاء حاكماً لها، ومسألة الاختيار أو الترشح متاحة لكل من هو مؤهل لذلك، وهذا حق الناس، وهذه رغبتهم، فبعد الفتنة التى حدثت وعدم توافر الأمن والأمان، قد يرون فى شخص ما أنه هو الذى سيعيد لهم الأمان ويحقق الاستقرار للوطن، وهذا حقهم وكلنا فى تحقيق هذا الهدف سواء، فالكل يتطلع فى ظل هذه الظروف الحرجة إلى من يحقق له أمنه وسلامة أبنائه واستقرار حياته المعيشية والدفاع عن الأهل والوطن فى الداخل والخارج.
> ماذا تقول لطلاب جامعة الأزهر الذين انحرفوا نحو تخريب الجامعة وتهديد العملية التعليمية بها وأنت أحد أعلامها؟
- للأسف.. فالأصل أنهم قدوة للمجتمع والوطن، بل للعالم كله، والله سبحانه وتعالى يقول: «ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة»، ويقول «إنك لا تهدى من أحببت ولكن الله يهدى من يشاء» وأنتم أهل الأزهر والوسطية والاعتدال، وأهل الدعوة إلى السلام فى كل مكان، ومن يخرج على ذلك فإنه يناقض نفسه وهو ضد وسطية الأزهر ورسالته، وبالتالى هو جاهل بوظيفته، ولا يستحق أن يوصف بأنه أزهرى، فهو يقتل نفسه ولا يستحق أن يكون فى هذه المكانة العالية التى يتطلع إليها كل أبناء دول العالم، فهناك أكثر من 120 دولة تأتى بأبنائها كبعثات علمية وسياسية ودبلوماسية ليتلقوا العلم من هنا من قلب الأزهر، فكيف يغفل هؤلاء الطلاب هذه المكانة العالية العظيمة التى يتطلع إليها العالم أجمع، فالمفترض أنهم كالشموس أو الأقمار التى تضىء للعالم ظلامه، فكيف يضيعون هذه المكانة وهذا العلم وبالتالى يخسرون الدنيا والآخرة، ولهذا أقول لهم: عليكم أن تعودوا إلى الصواب حتى تحققوا رسالتكم التى يستحقها أبناء وعلماء الأزهر طوال أكثر من 1000 عام.
> مؤخراً.. أطلق لفظ «شهيد» على كل من هب ودب واختلط الحابل بالنابل فمن هو الشهيد؟
- الشهيد هو الذى يموت فى سبيل الحق ولم يكن معتدياً ولم يحمل السلاح على غيره بغير حق، هذا هو الشهيد الذى يدافع عن وطنه ونفسه إذا اعتدى عليه أحد بطريق مباشر، وهناك حديث عن النبى صلى الله عليه وسلم عندما قال لمن جاءه يقول له «يا رسول الله: فلان جاء يأخذ مالى، قال النبى: لا تعطه مالك، قال يا رسول الله: إن قاتلنى قال: فقاتله: قال: إن قتلنى قال: أنت شهيد، قال: إن قتلته قال: هو فى النار»، إذن المسألة أن المعتدى عليه دائماً الذى يدافع عن نفسه إذا قتل فى سبيل ذلك فهو شهيد، ونحن نحكم على الوقائع، والقضاء هو الذى يحدد عند الحوادث التى تقع، لأنه إذا اعتدى كل منهما على الآخر وهو يحمل السلاح وأراد أن يقتل كل منهما أخاه فكل منهما فى النار، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا التقى المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول فى النار، قالوا يا رسول الله: القاتل فى النار لأنه قتل، فكيف يكون المقتول فى النار، قال: لأنه كان حريصاً على قتل أخيه»، فكل منهما معتدٍ وليس هناك معتدى عليه، فالذى يدافع عن ماله أو عرضه أو وطنه وقتل بغير ذنب هذا هو الشهيد، أما المعتدى فهو فى النار.
> هناك حالة من الفوضى فى إصدار الفتاوى الآن.. فكيف ترصد فوضى الفتاوى؟
- حدث فساد كبير فى مجال الفتوى، وهو ما أدى إلى الفساد الذى نعيش فيه الآن، فالفتوى أمر جلل، ولهذا عندما تخرج من الجاهل فإنها تؤدى إلى الفتنة، والله سبحانه وتعالى يقول: «والفتنة أشد من القتل»، لأن الفتنة تؤدى إلى قتال الناس بعضهم البعض، ومن هنا تكمن الإشكالية الكبرى من خطر إطلاق الفتاوى بغير علم، فمن يفتِ بفتوى من غير حكم الله سبحانه وتعالى يلق بنفسه فى الإثم والمعصية لله، وهذا الإثم يعتبر كذباً على الله ورسوله وهذا من أكبر الكبائر، ولهذا لابد أن يتحلى من يتصدى للفتوى بسلاح العلم والدراسة مع وصوله لدرجة التخصص الدقيق فى الفتوى ولديه درجة عالية من الخبرة الشرعية التى تمكنه من إطلاق الفتاوى.
> وفى رأيك ما أهم المصادر التى يستند إليها المفتى عند إصدار فتواه؟
- كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، إما بالنص وإما بالدليل الصحيح، وهذا لا يعلمه إلا أهل الاختصاص وهم الفقهاء المجتهدون وأهل الأزهر الحقيقيون، وليس لكل إنسان لمجرد أنه قرأ كتاباً، فعلينا أن نرد الفتوى لأهلها الذين درسوا العلم وتخصصوا فيه، أيضاً هناك من مصادر الفتوى الإجماع والقياس والمصلحة فالذى ورد فى القرآن والسنة هو حكم قاطع للفتوى، أما الإجماع فهو ما لم يكن موجوداً أثناء وجود الرسول صلى الله عليه وسلم ونزول الوحى، فبعد انقطاع الوحى جاء الإجماع ليكون مصدراً من المصادر القوية التى لا يجوز مخالفتها، ومن يخالف رؤية الإجماع يقع فى الإثم، وذلك لأنه لا تجتمع فتوى على ضلالة كما علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم المصدر الثالث للفتوى وهو القياس على ما ورد بالكتاب والسنة من خلال معرفة الأسباب وقياسها على أمر آخر، وأخيراً المصلحة لما فيه خير الأمة الإسلامية، وعلى ذلك كان الأزهر ومجمع البحوث الإسلامية وهيئة كبار العلماء ودار الإفتاء المصرية هم أهل لهذا الاختصاص، أما ما خرج على ذلك وما يأتى من عامة الناس، فهذه ليست فتاوى، وإنما هى تنسب إلى أصحابها، وكثير منها هو الذى يؤدى إلى الفتنة ويؤدى إلى الظلم والظلام.
> ما أهم الفتاوى التى قمت بإصدارها أثناء توليك مسئولية دار الإفتاء ولم تلق تأييداً لدى النظام الحاكم وقتها وكانت سبباً فى إبعادك عن منصب الإفتاء؟
- فتاواى ــ والحمد لله ــ كانت كلها تراعى الواقع وتراعى صالح الحاكم والمحكوم والدولة وتحقيق الأمن والسلام على المستوى العام ودفع الفساد ودرئه سواء كان داخلياً أو خارجياً، ومن هذه الفتاوى فتوى التدخين ومحاربة الإرهاب، وفتوى الزواج من إسرائيليات، والمقاطعة الاقتصادية لأمريكا وإسرائيل، وقتال أمريكا للعراق، ومنها ما يتعلق بتحريم مصارعة الثيران، وحرمة القطيع، وأفتيت بمقاطعة الشركات التى تتعاون مع الكيان الصهيونى، حتى لا يقوى العدو المحتل، أيضاً فتوى مشروع «الكويز» الذى هو إضرار بالمصلحة الاقتصادية أكثر مما هو استفادة ورفض دخول أمريكا أفغانستان وألا نسلم لها، فالفتنة التى حدثت فى أفغانستان الإرهاب زاد بعد دخول أمريكا لها، وكان رأيى ألا نسلم لما تدعيه أمريكا وغيرها من المستعمرين حتى يحتلوا البلاد ثم يقتلوا العباد، ومن ثم نشأ الإرهاب هناك، فالعنف لا يولد إلا العنف، وبعد ذلك حدث غزو العراق، ثم التدخل فى الشأن السورى، وهذا كله نتيجة أننا ضعفنا واستسلمنا للسياسة الأمريكية والسياسة الاستعمارية العالمية ومنها الصهيونية العالمية.
> ما تقييمك لسياسة الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر فى استعادة دور الأزهر الشريف فى هذه المرحلة؟
- فى الحقيقة أنه بدأ يعيد إلى الأزهر دوره ومكانته على الصعيدين المحلى والدولى، وأعاده مرة أخرى إلى الوسطية فى الإسلام، عن طريق العودة لدراسة التراث مرة أخرى، والالتزام بالإسلام عقيدة وشريعة حقيقة، وهذا ما نراه فى كل خطواته وفى كل ما يدعو إليه، وكل سياساته، والحمد لله تسير على النهج الصحيح، ويكفى مواقفه الجريئة عندما رفض موقف بابا الفاتيكان «بنديكت السادس عشر» من التدخل فى شئون مصر والمسلمين وقام بتجميد الحوار مع الفاتيكان، كما قام بالرد على تقرير الحريات الأمريكى وتفنيد كل ما جاء فيه، وكان الرد حازماً، ونحن معه إلى أن يصل الأزهر إلى عهده المجيد مرة أخرى إن شاء الله.
> ماذا عن مشروعك بإنشاء هيئة عليا لجمع الزكاة لصرفها فى تنمية بعض المشروعات القومية فى مصر وهل مازلت تحلم به؟
- طبعاً مازلت أحلم بذلك، لأن هذا المشروع لو كان طبق منذ سنوات لم نكن نجد عاطلاً واحداً، فالمشروع كان المقصود منه تحويل المستحقين للزكاة من مجرد محصلين للأموال ومستهلكين لها إلى منتجين وفيما بعد مقدمين لها، من خلال مشروعات استثمارية إنتاجية لأصحاب مصارفها الشرعيين ليتحول الفقير والمستحق من مستهلك إلى منتج وعضو عامل وصاحب رأسمال وبالتالى يكون غنياً ويعطى الزكاة بدلاً من أن يأخذها، وكان المشروع يقوم على أساس طرح هذه المشروعات للاكتتاب العام سواء كانت زراعية أو صناعية أو تجارية أو خدمية فى أى مكان داخل الجمهورية، ثم الإعلان عن المساهمة فيه ممن تجب عليهم الزكاة وأصحاب رؤوس الأموال، وإذا وصلنا للحد المطلوب لإقامة المشروع يغلق باب الاكتتاب، ثم هكذا فى كل مشروع، ويبدأ العمل الفعلى، فإذا رأى الناس أن أموالهم تترجم على أرض الواقع لصالح المستحقين أمنوا على أموالهم وزادت زكاتهم وتبرعاتهم، وأرجو تطبيق فكرة المشروع فى المستقبل القريب.
> ونحن نلج فى مرحلة جديدة من تاريخ مصر السياسى وصياغة دستور جديد فما رأيك فى الدستور وهل تراه يحقق آمال المصريين؟
- الدستور جيد، وهو ليس قرآناً، لكنه يحقق الاستقرار الذى ننشده جميعاً وهو خطوة أولى أساسية فى تحقيق الاستقرار والبعد عن الفوضى، وبدء مرحلة التشريع للقوانين الحقيقية فى مجال الحقوق والواجبات، وعلينا جميعاً أن ندعمه وإن كانت هناك بعض الملاحظات لدى البعض عليه، فيمكن أن يحدث تغيير وتعديل فى المستقبل كما حدث مع الدستور السابق، فكل يؤخذ منه ويرد إلا كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهذا أمر يجب أن نتفق عليه، وعلينا أن ندعم هذا الدستور، ونخرج للموافقة عليه إن شاء الله، فالاستفتاء على الدستور واجب وطنى، فالمهم أنه ليس فيه ما يخالف الشريعة الإسلامية، ومادامت المادة الثانية فيه هى المصدر الرئيسى للتشريع فهى الحاكمة، فكل نصوص الدستور تحكمها هذه المادة ولا خوف على الشريعة أبداً، فهو دستور جيد ويجب التوافق عليه والموافقة عليه.
> ما تعليقك على الأحداث الإرهابية التى حدثت فى محافظة الدقهلية مؤخراً وما تلاها من أحداث تفجير أخرى؟
- هى أحداث إرهابية بلا شك لا يقرها دين ولا عقل ولا حقوق إنسان، وهى إفساد فى الأرض، وكل من قتل فيها بغير ذنب هو شهيد، نال درجة الشهادة إن شاء الله وحظى بها، وهم أحياء عند ربهم يرزقون، أما الذى نفذ جريمته وقتل فمهما كانت نيته، فبفعله هذا خسة ودناءة وإفساد فى الأرض، وبالتالى حتى وإن مات على نية الشهادة فليست هذه شهادة، فهذا جهل، وعلى الجميع أن يعلم ذلك فهو هنا منتحر وبانتحاره خسر الدنيا والآخرة.
> أخيراً.. ما الرسالة التى تبعث بها إلى تيار الإخوان المسلمين بعد إعلان الجماعة فصيلاً إرهابياً؟
- على الجميع أن يعود إلى رشده ويتوب إلى الله توبة نصوحاً، والتوبة النصوح تَجُب ما قبلها، والإنسان المؤمن عليه أن يتبرأ من هذا الفعل الآثم والإجرامى والتخريبى والتدميرى، وفى هذه الحالة أعتقد أن على الدولة أن تفتح صدرها ويدها لأننا جميعاً أبناء الوطن، حتى إن القانون يخفف العقوبة فى حالة ارتكاب جريمة وقد يصل فيها إلى العفو خاصة لمن يبادر بالتوبة ويعود بلا شك، ولدينا النظام الوضعى والقانونى يجيز العفو عن المدانين حتى بعد الحكم فيها، ما لم يتعلق بأمن الدولة والذى نسميه الأمن العام، وعليهم أن يعودوا إلى الوطن، وإلى وحدة الصف وأما من يرتكب الإفساد والجريمة، فالقضاء هو الذى يحقق معه فى مجال العدالة والحكم الرشيد إن شاء الله.

بطاقة شخصية

> ولد د. نصر فريد واصل بميت بدر حلاوة ــ مركز سمنود ــ محافظة الغربية 1937
> حصل على الإجازة العالية من كلية الشريعة والقانون ــ جامعة الأزهر 1965
> حصل على الماجستير فى الفقه المقارن 1967
> حصل على الدكتوراه فى الفقه المقارن 1972
> عين فضيلته بالنيابة العامة بالقاهرة 1966 ــ 1972
> عين عضواً بهيئة التدريس بكلية الشريعة والقانون قسم الفقه 1973
> عمل أستاذاً مساعداً بقسم الفقه 1978 ثم أستاذاً فرئيساً للقسم 1983
> عين عميداً لكلية الشريعة والقانون بأسيوط عام 1981 حتى 1983
> عين عميداً لكلية الشريعة والقانون بالدقهلية 1995
> أعير رئيساً لقسم الفقه بكلية الشريعة جامعة صنعاء 1976 ــ 1970
> أعير أستاذاً بالدراسات العليا قسم الفقه المقارن بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة 1984 ــ 1988
> أعير أستاذاً بالدراسات العليا بالمعهد العالى للقضاء بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض 1992 ــ 1994
> عين فضيلته مفتياً للديار المصرية 10/11/1996
> له العديد من المؤلفات فى مختلف فروع الفقه الإسلامى والجنائى والمعلومات المدنية والتجارية
> أبرز مؤلفاته:
- السلطة القضائية ونظام القضاء فى الإسلام
- العلاقات الدولية فى الشريعة الإسلامية
- المعاملات المدنية والتجارية
- الميراث والوصية فى الشريعة الإسلامية
- تاريخ الفقه الإسلامى
- الديات وأحكامها فى الشريعة الإسلامية
- فقه الجنايات والعقوبات فى الشريعة الإسلامية
- الزكاة وأحكامها
- الفقه الجنائى المقارن فى التشريع الإسلامى

أهم الاخبار