رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

الدكتور محمد عثمان الخشت فى حوار مع "الوفد":

الثورات العربية تنهى عصر النخبة وتكرس شرعية الشعب

حوارات وملفات

الثلاثاء, 26 نوفمبر 2013 07:31
الثورات العربية تنهى عصر النخبة وتكرس شرعية الشعبالدكتور عثمان الخشت يتحدث إلي "الوفد"
أجري الحوار: صابر رمضان

 

ضيف هذا الحوار موسوعي الثقافة، يجمع بين التعمق في التراث الإسلامي والفكر الغربي. تتميز مؤلفاته بالجمع بين المنهج العقلي والخلفية الإيمانية. له كتابات مرجعية في أصول الدين والمذاهب الحديثة والمعاصرة، والعلوم السياسية، وتدرس مؤلفاته في أصول الدين، وعلم الحديث، والشريعة، ومقارنة الأديان، بالعديد من الجامعات، كما أن له مؤلفات عديدة عن الفرق الإسلامية.

تتميز كتاباته بالوسطية والعقلانية، وتكشف عن تعمق كبير في العلوم الإنسانية والعلوم الشرعية، ويتميز أسلوبه بالوضوح والمنطقية.
أعاد كتابة علوم الحديث في صيغة عصرية، كما أعاد تأويل موقف الشريعة من قضايا المرأة منذ ثمانينيات القرن العشرين، فيما يتعلق بحقها في تولي القضاء والفتوى والشهادة، والمساواة بينها وبين الرجل في الحقوق السياسية والمدنية.. صاحب رأي معلن بجرأة ووضوح في قضايا الدولة والمجتمع المدني وحرية الرأي والديمقراطية ومواجهة الفساد والتطرف، خاصة في كتابيه، «المجتمع المدني والدولة»، و«الأخلاق وسلوكيات التقدم»، ويؤسس فلسفيا للتسامح في كتابيه «الحد الأدنى المشترك» و«العقلانية والتعصب» الذي ينتقد فيهما المذاهب المغلقة الجامدة.
هذا الحوار مع الدكتور محمد عثمان الخشت، أستاذ علم الأديان والمذاهب الحديثة والمعاصرة بكلية الآداب جامعة القاهرة:
< رغم أهمية الدين القصوى، فإن التطرف يجعله يبدو فى وضع يتميز بالالتباس عند البعض.. كيف تري هذه الإشكالية؟
- السبب يرجع إلى التعصب والتطرف، حيث يجد الإنسان المعاصر نفسه بين اختيارين كليهما مر، يتمثلان فى تيارين متعصبين أصبح لهما السيادة فى الجدل الجارى على مختلف الساحات، أعنى تيار التطرف العلمانى وتيار التطرف الديني، إذ يتصرف التيار الأول وكأن الله غير موجود! بينما يتصرف التيار الثانى وكأن الإنسان غير موجود! بمعنى أنه ينزع من الإنسان كل فاعلياته ومسئولياته ومواهبه. التيار الأول يقدس آلهة المال والقوة والرفاه الاجتماعى، والتيار الثانى يفهم تعاليم الله على أنها تعاليم شكلية حرفية تتعلق بالظواهر أكثر مما تتعلق بالبواطن، ومن ثم حوّلها من تعاليم للروح والجسد معاً إلى تعاليم للجسد فقط!
وكلا التيارين – رغم تعارضهما – يشتركان دون أن يعيا ذلك فى مجموعة من السمات التى تجعل الصراع بينهما صراعاً عقيماً، هى: الاستئثار بالحقيقة، نفى الآخر، قصور البصر والبصيرة، ثقافة التسلط، ثقافة التآمر، الانغلاق على نظام قيم معين بصورة جامدة، ثقافة التبرير، عدم الرغبة فى فتح قنوات للحوار، وعدم البحث عن الأرضية المشتركة، وهذه كلها سمات الدوجماطيقية.
وإزاء هذا الوضع المزدوج، والذى يطرح حلين كلاهما «متطرف» تجد الإنسان المعاصر حائراً فى الاختيار.. ربما ترجع هذه الحيرة من بين ما ترجع إلى عدم تبين المنشأ الفلسفي للتطرف عامة سواء كان تطرفا دينيا أم غير ديني.
< هل يمكن أن تفسر لنا سر التطرف من وجهة نظرك؟
- في ظني يكمن المنشأ الفلسفي للتطرف في طبيعة منهج التفكير، فالعقل المتطرف عقل مغلق على نفسه، ومن ثم من المستحيل أن يرى غير أفكاره هو، ويعتبرها قطعية لا تقبل المناقشة، ومؤكدة بشكل نهائي، ويرجع هذا بدوره إلى الطابع المتعصب والمغلق الذي يميز منهجية التفكير.
< هل تعتقد أن مصر الآن تعيش لحظة الدولة الإسلامية؟
- للأسف يخلط كثير من المسلمين بين معتقدهم الديني ومواقفهم السياسية ذات الطابع الإنساني المتغير.. إن الإسلام يشتمل على أصول الحكم السياسي العادل، هذا شيء لا شك فيه، لكن الخطر يكمن في أن يعتبر أي شخص أن مواقفه السياسية المتغيرة والمرتبطة بالمصالح والطبقة التي ينتمي إليها هي تعبير عن الإسلام الخالد نفسه!
والخطورة الحقيقية في عدم التمييز بين الثابت والمتغير، وبين قطعي الدلالة من النصوص وظني الدلالة منها، وأيضاً عدم التمييز بين المتواتر والآحاد، والصحيح والضعيف من النصوص، وما ينتج عن ذلك من تضخم تشريعي مكبل للإبداع الإنساني.
< هل معنى هذا أنك ترى فجوة كبيرة بين الإسلام والمسلمين؟
- نعم.. فمع مرور أكثر من 14 قرناً على ظهور الإسلام، لاتزال الفجوة واسعة بين الإسلام والمسلمين، فالإسلام «قرآناً ورسولا» يقدم نموذجاً إنسانياً عالمياً للدين الذي يلائم الطبيعة الإنسانية، ويعترف بالتنوع الكوني والإنساني، ويعتبر التعددية سنة إلهية، ويميز بوضوح بين البشري والإلهي.
إن الإسلام دين يؤمن بالتطور والتغير، ويعطي مساحات واسعة للاجتهاد البشري ومراعاة المصالح المرسلة...إلخ، أما المسلمون فلا يزالون يخلطون بين موروثاتهم الاجتماعية والتصور الإسلامي، ولايزال يسيطر على قطاعات كبيرة منهم الرؤية الأحادية للعالم، ويخلطون بين العبادة الحق والعبادة المزيفة، فلا يزال الكثيرون منا يقيمون علاقتهم مع الله من خلال الطقوس والمظهر فقط، وليس من خلال الالتزام والمسئولية، فسبيل الخلاص عندهم في الالتزام الصورى المظهري، وليس في ممارسة العمل البناء في تنمية العالم، وهم يخلطون بين العبادة الحق في الدين والتي تقيم علاقة فعالة بين الإنسان والله فتمده بدافع شخصي متجدد لممارسة دوره في إعادة بناء العالم، وبين العبادة المزيفة التي يمارسها المراؤون، أو التي يمارسها الذين يخدعون أنفسهم ويظنون أنهم يسترضون الله تعالى بأداء بعض الطقوس ثم يسعون في الأرض فسادا؛ فيغشون ويكتمون الشهادة ويشيع بينهم عادة النفاق والرياء وسيادة مبادئ الإهمال والغدر وعدم الالتزام بالوعود!
< ما هو الخطأ الرئيسي في فهم الإسلام؟
- يكمن الخطأ الرئيسي في فهم الإسلام عند بعض التيارات التي حولت  الدين الأصلي إلى مؤسسة وكهنوت يركز على الطقوس والشعائر أكثر مما يركز على نقاء الضمير والفضيلة واتساق الظاهر والباطن، ويركز على الشكلي والسلطوي والقهري أكثر مما يركز على الجوهري والعقلي والإنساني.
ويبدو - من وجهة نظري - أن هذا قدر كل دين، عندما ينسى أتباعه في عصور الانحلال والتراجع الطبيعة الأصلية والمقصد الحقيقي له. ولهذا نجد أن النبي محمد صلى الله عليه وسلم كان يدرك خطر تحول الدين عن أصله إلى شكليات، ويخشى من البدع التي تفقد الدين جوهره وتتحول فيه الوسائل إلى غايات، والنوافل إلى فروض، والشكليات إلى جوهريات، والفروع إلى أصول، ويتجلى هذا بوضوح مع محمد عليه الصلاة والسلام، شريطة أن نفهم أن تحذيره كان من البدع في مجال العبادات، وليس من الإبداع الإنساني في مجال الحياة. ولذا فإنه في الوقت الذي حذر فيه من الأولى، دعا إلى تجديد الدين في جانبه المتعلق بالحياة، بغية تخليص الدين من العنصر التاريخي ذي الطابع المؤقت الجزئي والعرضي، مع الأخذ في الاعتبار بما هو دائم وكلى وجوهري على ما يتجلى بشدة في القرآن.
< ما الإشكاليات الحقيقية التي تضعنا فيها التيارات المتطرفة؟
- أستطيع أن ألخص لك هذه الإشكاليات الحقيقية في عدة نقاط.. هي:
يحصر المتطرفون أنفسهم في جانب ضيق: المظهر والشكليات بشكل عام، نصف الجسد الأسفل، الجنس، الزوجات، الطقوس.. بينما رؤية الإسلام أوسع من ذلك بكثير: الكون، الإنسانية، الحضارة، التاريخ، العدالة الاجتماعية، الإنصاف.
يفهم البعض تعاليم الله على أنها تعاليم شكلية حرفية تتعلق بالظواهر أكثر مما تتعلق بالبواطن، ومن ثم حوّلها من تعاليم للروح والجسد معا إلى تعاليم للجسد فقط!
والمفارقة المتجددة: لماذا يفشل المسلمون بينما هم يؤمنون بدين عظيم عالمي يحمل بداخله كل عناصر التطور؟
ولماذا انهزم المسلمون في الماضي أمام التتار بينما انتصر عليهم الإسلام؟! ولماذا ينهزم المسلمون منذ قرون أمام الغرب، ولا يزال الإسلام صاعدا؟!
لقد فشل المسلمون في استعادة ماضيهم المجيد الذي تميز بالقوة والإنجازات الحضارية، والذي أعقبه فترة غلب عليها التدهور الخطير والسقوط في بئر التخلف بل والتهميش.
كما فشل الجميع في المصالحة بين الأخوة الأعداء: الإسلاموية الأصولية في مقابل الإسلاموية الليبرالية.
< هل ترى أن الثورات العربية أحدثت تغييراً فى العلاقة الجدلية بين الحاكم والمحكوم؟
- لا شك أن الثورات العربية أحدثت تأثيراً كبيراً في العقل العربي لأنها جاءت من الجماهير ولم تأت من النخبة لكي تعبر عن هموم الناس وعجز الأنظمة العربية عن تلبية طموحات شعوبها، وعلى غير المتوقع جاءت هذه الثورات ليست تعبيراً عن أزمة اقتصادية - في رأيي - وإنما عن إرادة الشعوب في تحقيق الكرامة وحياة سياسية تستجيب لحقوق الإنسان.
لقد سئم المواطن العربي أن يكون أداة في يد الحكام وأراد أن يلجأ إلى وسائل وأدوات لتحقيق حياة كريمة للشعوب.. هذه الحركة الفكرية تكشف عن حدوث تحول في جدل العبد والسيد، فقد صار المواطن هو السيد والحاكم هو العبد، المواطن هو الذي يختار وهو الذي يقرر والحاكم هو الذي يستجيب وينفذ.
هذا المنطق الجديد يضع الفكر العربي أمام ضرورة التغيير بحثاً عن الإنسان وعن التاريخ، كما أن حركة الفكر سوف تتغير كي تكون تعبيراً عن هموم الوطن وهموم الناس وستتخلى عن كونها تنظيراً وتأسيساً للسياسات المستبدة، وهذه الثورات تطرح تحدياً جديدا أمام الفكر السياسي العربي، حيث يتعين على المفكرين العرب أن يبحثوا عن نظرية سياسية جديدة تلبي تحديات إقامة الدولة وتحديات إقامة ديمقراطية تداولية وتشاركية تشاورية، وأعني بذلك أن لا تكون الديمقراطية تعبيرا عن حكم الأغلبية وإنما فضاء يتيح المشاركة والتمثيل والفاعلية للجميع بما فيهم

الأقليات، حيث الشعب هو الذي يحكم من خلال تمثيل برلماني يعبر عن كل أطيافه وليس فقط عن الأغلبية.
كما يكون النظام السياسي نظاما يعبر عن الإنسان «رجلاً أو امرأة» وليس نظاماً ذكوريا تغيب فيه النساء، ومن أكبر التحديات كذلك أمام المفكرين العرب إيجاد نظرية في الدين يتحول فيها من نظام لاهوتي ينحصر في الطقوس والشعائر والشكليات، إلى نظام يتوحّد فيه الديني بالمدني وتغيب فيه سلطة رجال الدين وتسيطر عليه مفاهيم العقد الاجتماعي والتفكير العلمي ويعيش فيه الإنسان من أجل الإنسان.
< ما موقف الإسلام من الثورة؟
- الإسلام مع فكرة التغيير وضد ثبات الأوضاع الظالمة، لذلك أندهش أن البعض بحجة الحفاظ على الاستقرار وبحجة ما يسميه بعض رجال الدين بالفتنة يرفض الثورة على الحاكم، فذلك يخالف قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر» فكلمة الحق هذه هي كلمة الشعب.
< تعجّبك من رجال الدين الرافضين للخروج على الحاكم، هل يعني أنك ضد آراء الفقهاء؟
- طبعاً ضدهم لأن هؤلاء هم فقهاء السلطان الذين أفتوا بأن الثورة على الحاكم الظالم تفتح باب الفتنة لتبرير الأوضاع الظالمة ولضمان بقاء الحاكم في السلطة.
عموماً، مفهوم رجال الدين ليس موجوداً في الإسلام، بل اخترعته السلطات لوضع شخصيات معينة تبرر استمرارها وبقاءها في الحكم. من جهة اخرى، أؤيد من يقول إن أي تغيير تنتج منه أضرار، لكن هل بحجة الخوف من الأضرار لا أقوم بالتغيير ضد الظلم؟ بالطبع لا، فالإسلام من دون شك حينما جاء لإحداث عدالة اجتماعية أضر بمصلحة كثر من الناس. ففلسفياً يستحيل وجود فعل يشكل بجوانبه كافة المصالح فحسب، وهذا ما نسميه «فقه الموازنات»، فأي فعل فيه مصلحة أو فيه ضرر ونحن نقيس أيهما أكثر من الآخر، فما تغلب مصلحته على ضرره فهذا هو المطلوب فعله، والثورة تغلب الفائدة فيها على الضرر.
< ما موقف السنة النبوية من الثورة؟
- السُنة من وجوه عدة حضت على التغيير وحق الاعتراض أبرزها قوله صلى الله عليه وسلم: «أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر»، أيضاً المقولة الشهيرة لأحد الخلفاء الراشدين: «أطيعوني ما أطعت الله فيكم» أي إذا لم أطع الله فيكم بتنفيذ العدالة الاجتماعية والسياسية فلا تطيعوني، وسيدنا أبوبكر قال في بداية توليه الخلافة: «وليت عليكم ولست بخيركم».
< إلى أي مدى تتوافق الثورة مع مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟
- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أحد المبادئ المهمة جداً وهو أحد مبررات الفعل الثوري، وطالما أنه جاء في إطار مجموع الشعب فلا حاجة إلي أن يخرج كل شخص لتغيير المنكر في المجتمع لأن ذلك يحدث حالة انفلات اجتماعي وأمني، وتحقيق الضبط الاجتماعي والاقتصادي والأمني هو دور الدولة، فلا ينبغي للأفراد القيام به إلا في إطار الإرادة العامة للشعب، فالأخير في هذه الحالة مأمور بالأمر بالمعروف وبالنهي عن المنكر، وحينما تخرج مجموعة من التظاهرات الكبيرة لتطبيق مبادئ تدخل في نطاق الأمر بالمعروف أو تنهي عن أفعال تدخل في نطاق المنكر إذاً نحن هنا أمام فعل ثوري.
< من الذي يحق له الخروج على الحاكم؟
- الخروج يحق لأي شخص، فالدولة الحديثة تنظم عملية الاعتراض والتعبير عن الرأي بالطرق المشروعة مثل اللجوء إلى القضاء ومنابر أخرى للاعتراض مثل البرلمان ووسائل الإعلام.
< ما العمل إذا كانت هذه المنابر مسيّسة أو أبواقاً للحاكم؟
- في هذه الحالة يقوم الشعب بثورة للتغيير مثلما حدث في مصر وتونس وغيرهما من دول عربية.
< ما الوسائل التي تنصح بها في الخروج على الحاكم الظالم؟
- التغيير يجب أن يكون سلمياً فالرسول صلى الله عليه وسلم، قال: «أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر»، فهنا الاعتراض بالكلمة وليس هناك تغيير بالسيف أو العنف ونلجأ إلى التغيير بالعنف في حالة واحدة فقط إذا هدد الحاكم حياة الناس وهنا يكون الأمر دفاعاً عن النفس.
< ما التأصيل الإسلامي للمعارضة السياسية وهل لذلك نماذج واضحة في التاريخ الإسلامي؟
- لا شك في أن مبدأ المعارضة في الإسلام هو مبدأ مشروع تماماً وهو الذي تقوم عليه خيرية الأمة الإسلامية، إذ كيف تؤمن بمبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأنت لا تؤمن بالمعارضة وهو الذي يفتح الطريق على مصراعيه أمام المعارضة.. أما التاريخ الإسلامي فمليء بالحركات المعارضة، لكن المشكلة أن هذه المعارضة لم تعبر عن نفسها بالطرق الموجودة في الدولة الحديثة.
< لكن الشورى كانت موجودة، كيف تفسر ذلك؟
- كانت شورى شكلية غير متوافرة في شكل مؤسسات مثل البرلمانات الحديثة كي تستوعب الحركات المعارضة، فعدم وجود هذه القناة الشرعية هو الذي حول حركات المعارضة إلى حركات عسكرية وهذا موجود حتى الآن. فالمعارضة إذا لم تجد طرقاً مشروعة للتعبير عن نفسها تلجأ مباشرة إلى الطريق العسكري أو طريق العنف أو العمل السري، لذلك فأكبر خطأ ارتكبه النظام السابق في مصر كان في الانتخابات البرلمانية الأخيرة حينما أقفل الطريق كلياً أمام المعارضة وهذا خطأ فادح ليس في مصلحة أي نظام، لذا يجب ترك مساحة للمعارضة للتعبير عن نفسها بشكل علني.
< ما هو الشكل الأمثل لنظام الحكم في التاريخ الإسلامي؟
- الشكل الأمثل لنظام الحكم في التاريخ الإسلامي لا أجده إلا في خمسة نماذج: نموذج محمد صلى الله عليه وسلم، ونموذج أبي بكر، ونموذج عمر بن الخطاب، ونموذج عمر بن عبدالعزيز، ونموذج الأندلس.
من الضروري أن نعيد التأكيد على أن التاريخ الإسلامي شيء والإسلام شيء آخر، لأن التاريخ الإسلامي فيه محاولات متعددة لتطبيق الإسلام بالطرق التي كانت تتفق مع مصالح الناس آنذاك.. لذلك شهد نظماً متعددة للحكم، لكن الشكل الأمثل هو الدولة المدنية التي تقوم على أساس مفهوم الغالبية وتعبير الحكومة عن الشعب، ويتم ذلك في الدولة الحديثة في أوروبا عن طريق الديمقراطية، وفي الإسلام عبر الشورى. لكن فقهاء السلطان أوقعونا في فخ هل الشورى ملزمة أم ليست ملزمة لأنهم يريدون تحقيق مصلحة الحاكم، وفي النهاية يقولون إنها غير ملزمة.
< من وجهة نظرك.. هل الشورى ملزمة؟.. وما شكل الحكم في الإسلام؟
- فعلاً ملزمة لأنها هي التي تحدد شكل الحكم في الإسلام، وهو دولة مدنية تقوم على الشورى الملزمة التي هي في المفهوم الحديث الديمقراطية التشاركية لا حكم الغالبية فحسب، بل فئات المجتمع كافة، حتى الأقليات مهما قل عددها تكون ممثلة في الحكم بنسبة وتناسب.
< كيف يكون التغيير والإصلاح في المجتمع وفق الرؤية الشرعية الإسلامية؟
- ثمة وسائل كثيرة جداً في الإسلام لتحقيق هذه الغاية، مثل إتاحة التعبير عن الرأي لكل الناس وخضوع كل مسئول، بداية من الحاكم إلى أصغر مسئول، للمساءلة، وتطبيق مبدأ الشفافية التي تضع قيداً على كل فاسد، كذلك لابد من تداول السلطة فلا يبقى حاكم في الحكم حتى وفاته، وأذكر هنا أن الرسول صلى الله عليه وسلم، لم يثبت أحداً على قيادة الجيش إلى درجة أنه ولى القيادة لأسامة بن زيد في إحدى المعارك وهو حديث السن وكان كبار الصحابة موجودين، ما يؤكد وجود مبدأ تداول السلطة في الإسلام.
< نجد أن بعض الصحابة ممن تولى الخلافة حكم حتى آخر حياته، فما رأيك؟
- التمسك بالحكم حتى النفس الأخير خطأ ولن آخذ تاريخ الإسلام دليلاً على الإسلام نفسه، لأن التاريخ أفعال بشر والبشر يصيبون ويخطئون.
أشير هنا إلى أن فقهاء السلطان يخلطون بين التاريخ الإسلامي والإسلام كدين لتبرير أفعال السلطان. فلا توجد آية في القرآن الكريم أو حديث نبوي يقول إن الحاكم يظل في الحكم حتى النفس الأخير.
< تراجع تطبيق الدولة لمبدأ الشورى أو ما يمكن
تسميتها عصرياً بالديمقراطية، هل هو سبب اندلاع الثورات العربية؟

- طبعاً.. تراجع الممارسة الديمقراطية أو عدم وجودها أحد الأسباب القوية مع أسباب كثيرة أخرى نتج منها الفعل الثوري العربي، أبرزها عدم وجود ممارسات ديمقراطية حقيقية، فساد الأنظمة، الانحياز الكامل إلى فئة قليلة تملك الثروات كافة وجميع الشعب لا يملك جنيهاً.. أضف إلى ذلك حجم البطالة المتفشية بين الشباب وتراجع مفهوم الكرامة لدى الأنظمة الحاكمة، لذلك نجد أن معظم هذه المشاكل كان موجوداً أثناء حكم جمال عبدالناصر ولم تقم ضده ثورة لأنه كان يؤمن بمفهوم الكرامة العربية وكرامة المواطن.
بالمناسبة.. أحد أسباب الثورات العربية ضياع كرامة المواطن الفردية وهذه مسألة مهمة جداً. فالثورة في تونس سببها مسألة تتعلق بالكرامة التي أهانتها المرأة الشرطية عندما صفعت البائع فحرق نفسه، فتحرك الشعب، ولذلك أرفض تسميتها بثورة الياسمين ولكن ثورة الكرامة.
< هل أصبحنا اليوم أشد حاجة إلى تطبيق مبدأ الشورى الإسلامية؟
- لا أرى فرقاً بالمفاهيم بين الشورى الملزمة وبين الديمقراطية التشاركية التي تمارس بشكلها المعبر عن إرادة الناس، والفرق في الممارسة فحسب.
< إذا أخذنا الثورة المصرية نموذجاً كيف يمكن برأيك الحفاظ على مكتسباتها؟
- أريد أن أميز بين مرحلتين من الثورة المصرية، فالثورة منذ يوم 25 يناير وحتى تنحي مبارك يوم 11 فبراير هي أعظم أيام في تاريخ مصر لأنها كانت ثورة عظيمة، سلمية، منظمة فيها تحد ورغبة لا نظير لها بالتغيير.. أما بعد يوم 11 فبراير فلا أدري ماذا حدث للمصريين إذ خرجوا على إجماعهم وكل واحد بدأ يفكر في مصالحه الشخصية فتفرقت الهموم بين الشعب المصري.. ونشهد اليوم وبعد ثورتين عظيمتين وهما ثورتا 25 يناير و30 يونية حالة من الانفلات الاجتماعي والأمني ومطالب فئوية ضيقة، وذلك يجعلني أخشى كثيراً على مستقبل الثورة المصرية.
< ما أسباب مخاوفك؟
- إذا استمرت حالة الانقسام الموجودة بين الناس والصراعات على الهموم والمصالح الفردية فلن تحقق الثورة أغراضها، فالأخيرة نجحت لأن الناس التقوا على هدف واحد، ولن تستمر إلا إذا اجتمعوا أيضاً على هدف واحد، فإذا قدرت لهم العودة إلى وعيهم وإعادة التفكير في ضوء ما نسميه فقه الموازنات وفقه الأولويات والتركيز على الأولويات فعلاً، وهي خطوات بمثابة إعادة بناء نظام سياسي جديد للدولة، ستنجح هذه الثورة.
< ما رأيك في المناداة راهناً بعودة نظام الخلافة في الدول العربية التي أزاحت حكامها الفاسدين؟
- ينبغي أن تكون المطالبة الآن بوجود دولة مدنية حديثة تقوم على مبدأ المواطنة والمساواة في الحقوق والواجبات، والتي تقوم على الشرعية الديمقراطية التشاركية وفيها الشعب هو مصدر السلطات.
< ثمة تيارات دينية تطالب بالدولة الدينية فهل الدولة الإسلامية دينية أم مدنية؟
- لن أعلق على التيارات الدينية الموجودة الآن، لكن لا دولة دينية في الإسلام لأن الأخيرة هي دولة ثيوقراطية أي حكم رجال الدين، والإسلام ليس فيه شيء يسمى رجال الدين أساساً وهو مفهوم موجود في ديانات أخرى.
الدولة في الإسلام مدنية تقوم على الشورى الملزمة ويحكم فيها بشر قابلون للتقويم، لذلك قال عمر بن الخطاب: «قوموني إذا أخطأت».. والرسول صلى الله عليه وسلم لم يختر أحداً لحكم المسلمين وترك الأمر لهم، وذلك دليل على أن اختيار الحاكم هو أمر يخص الناس.
< كيف يمكن حماية الشارع الإسلامي من الفوضى أثناء الثورة أو بعدها؟
- أفضل طريقة لضبط التيارات كافة إعادة هيبة الدولة وهذا لن يتحقق سوى بوجود دستور جديد محل إجماع وطني، وبرلمان منتخب يرعى مصالح الشعب، وإذا لم تعد هيبة الدولة سنخسر كلنا وتغرق المركب بمن فيها.
< كيف تفسر فشل ديمقراطيات حديثة كثيرة في تكريس الحريات على أرض الواقع؟
- الديمقراطيات لم تفشل في اليابان وألمانيا والولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا، وإن كنت تقصد الأنظمة العربية فهذه الأنظمة لم تطبقها أصلاً وكانت تتعامل مع الديمقراطية باعتبارها ديكوراً للحكم فحسب.
< ما الذي نحتاجه اليوم لإقرار الحريات ومنع ظهور ديكتاتوريات جديدة؟
- وجود دستور يحفظ التوازن بين السلطات وبين أفراد الشعب، دستور يقوم على مبدأ المواطنة والمساواة في الحقوق والواجبات واحترام إرادة الناخبين وتحديد سلطة زمنية للحكم غير قابلة للتمديد تحت أي ظرف من الظروف، دستور يجمع بين النظام الرئاسي والنظام البرلماني كي لا يستأثر الحاكم بكل السلطات، فالسلطة المطلقة مفسدة مطلقة، إضافة الى وجود برلمان منتخب ومعبر عن كل شرائح المجتمع وضرورة وعي الشعب بحقوقه والمطالبة بها.
< ما واجبات الحاكم في الإسلام؟
- إقامة العدل في المجالات كافة، والحفاظ على المساواة في الحقوق الاجتماعية والسياسية والاقتصادية لكل الشعب، واحترام الحريات الخاصة ومنع طغيان سلطة على سلطة. كذلك أحد أهم واجبات الحاكم في الإسلام القيام بتحقيق الضبط الاجتماعي وعدم طغيان مصالح جماعة على جماعة أخرى.
< هل ترى أن من الخطأ جمع السلطات كلها في يد سلطة واحد؟
- إن مستقبل مصر مرهون بقيام دستورها الجديد على الفصل بين السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية، ولذا أحذر من هيمنة السلطة التنفيذية على السلطة التشريعية والقضائية.
ولابد أن ينتهج النظام سياسات عملية لمواجهة تغول السلطات بعضها على بعض، مع العمل على التوزيع المنتظم للسلطات، وجعلها في دوائر منفصلة ومتمايزة، وإدخال إجراءات التوازن والكوابح التشريعية.
فلا سبيل إلى تحقيق العدالة القانونية والمساواة المستنيرة، والقضاء على التمييز والنبذ والتفرقة ومراكز القوة، وضمان الحريات العامة، وترسيخ الطابع السلمي والحضاري للصراع، إلا بسيادة مبدأ الفصل بين السلطات، فلا فاعلية للديمقراطية دون هذا الفصل.
ومن هنا أرى وجوب الحد من هيمنة الدولة على كل القطاعات، لأن الدولة إذا كان لديها الحرص على أن يكون لها وجود في كل مكان، فلن توجد في أي مكان.
كما أن تدعيم سلطة القضاء المستقلة فريضة واجبة، إذ ينبغي ألا تخضع المحاكمات إلا للأجهزة القضائية التي يجب أن تعمل باستقلال مطلق عن الحكومة، وهذا الاستقلال لا يكون من حيث اتخاذ القرار والحكم القضائي دون تأثير مباشر فحسب، بل ينبغي أن يكون على مستوى طبيعة تكوين وبنية الجهاز القضائي أيضا لمنع التأثير غير المباشر. وبدون الاستقلال البنيوي لا يمكن أن يكون ثمة استقلال في الأحكام.
< هل التسامح الإنساني موجود في كل الأديان؟
- من البديهي أن الأديان بحكم انتمائها إلى السماء، توصي بالتسامح والأمن والسلم والسلام، وما كانت يوماً في حدِّ ذاتها عائقاً أمام التعايش والتعارف والحوار، وإنما العائق يكمن في الذين يتوهّمون أنهم يمتلكون الحقيقة المطلقة ويستغلّون الأديان استغلالا سياسيا.
إن التسامح بوصفه قيمة، ينبع ويتراكم في مجرى أديان العالم، وتجاربها كافّة بما فيها الروحية، وقد شهدت الأديان مواقف كرست قيمًا أخلاقية راقية وان كان الحديث عن التسامح المطلق صعبًا،غير أننا يمكن ان نؤكد أن القيمة المجردة للتسامح حتمية في نظام السمو الانساني وهي قيمة اقرب ما تكون إلى فكرة الواجب الأخلاقي.
فالتسامح ليس فكرة طوباوية، بقدر ما هو قوة روحية كامنة في الروح الانسانية من خلال انفتاح حتى على من يُصنف أنه «عدّو»، وليس مصادفة أن تصل الأديان العالمية الكبرى في مجرى تطورها إلى الانفتاح الداخلي والخارجي على الآخرين.
< وهل الاحتفاظ بالهوية يتعارض مع فكرة التنوع والتسامح؟
في رأيي أن الاحتفاظ بالهوية لا يعني بالضرورة رفض الآخر، ولا يتعارض مع التغيير نحو الأفضل، وإذا أردنا أن يتغير هذا العالم فلابد أن يبدأ كل فرد بنفسه؛ فما فائدة أن تغير العالم وأنت نفسك لا تزال تعيش في الماضي، أو كما يقول غاندي: «يجب أن تكون أنت التغيير الذي تتمنى حدوثه للعالم».. وفي رأيي أنه إذا ما غيرت نفسك ربما يمكنك تغيير العالم. هذا هو «التغيير الذي يمكن  لنا الإيمان به Change We Can Believe In» إذا جاز لنا استعارة تعبير السيد أوباما.
< هل الظروف التاريخية والاجتماعية والاقتصادية لها دور في ظهور الإرهاب؟
- سيظل الإرهاب – سواء كان الإرهاب كما تمارسه السلطات الحاكمة فى مواجهة التيارات المتعصبة، أو كما تمارسه التيارات المتعصبة فى مواجهة تلك السلطات – عملاً ليس أخلاقياً، وتفكيراً ليس منطقياً.
نقول هذا ونؤكد عليه رغم أننا لا ننكر العوامل الموضوعية التى تقف وراء هذه الظاهرة، حيث لا يشك أحد فى أن العنف يولّد العنف، وأن الإرهابى إذ يلجأ إلى العنف فإنه لا يخلقه ولا يبتدعه ، وإنما يجد بذوره فى العالم المحيط به، فالظروف التاريخية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية التى كانت سائدة آنذاك فى الدولة الإسلامية كان لها دور كبير فى نشوء هذه الظاهرة، والمجتمع الإسلامى فى ذلك الوقت بما يحوى من تناقضات وصراعات كان ينجب حفّار قبره، ومن هنا فإن أية رؤية تحليلية تنظر إلى الإرهاب السياسى والعقائدى على أنه عنصر غريب عن المنتظم الحضارى الذى كان سائداً حينئذٍ، إنما هى رؤية مبتورة لأنها تجرد هذه الظاهرة من إطارها الاجتماعى والسياسى والاقتصادى.
< كيف يمكن إقناع الإرهابي بالتخلي عن العنف؟
- ليس بوسع أحد أن يفرض على الإرهابى الذى ينطلق من موقف عقائدي مغلق - قواعد وقوانين من خارج مفاهيمه وحقائقه هو - لأنه هو الذى يحددها ويختارها ويلتزم بها بمقدار ما تخدم قضيته، وبما تتناسب مع الظروف التى يكافح فيها، فهو لا يراعى أى عُرف وأية حُرمة اجتماعية أو سياسية، كما أنه لا يراعى أية قاعدة أخلاقية تشكل عائقاً فى سبيله، إذ أنه يضع بتصرفه جميع الطرق والأساليب والوسائل الممكنة دون أن يتراجع أمام الصعاب مهما بلغت خطورتها لأنه يلعب لعبة الموت فقط، الموت من أجل حياة بعينها يريدها دون غيرها.
< وهل الإرهابي يعتقد أنه يقضي على الشرور في العالم؟
- كما قال أحد الحكماء: «أيتها الحرية، كم من الجرائم ترتكب باسمك!»، فإنه يمكن القول: «أيها الحق، كم من الجرائم ترتكب باسمك!».. فالإرهابى إذ يحاول محو الاضطهاد والشرور والظلم، يعمد إلى الإمعان فى إثارة آلام وشرور أخرى أعمق وأشد، فباسم أىّ حق وباسم أية أخلاق يموت الأبرياء ويموت العلماء لمجرد أنهم يخالفون الإرهابى فى الرأى والعقيدة؟.. وباسم أية أخلاق لا يأمن الإنسان على نفسه وهو يشعر أنه مهدد بتصفيته جسدياً من مخالفيه فى التوجه والأيديولوجية؟
وفى الواقع إن الإرهاب كسلاح فى التعامل مع الخصوم هو سلاح بدائى يفقد قيمه وينقض أخلاقياته بسبب مبدأ عدم التمييز بين الأهداف والوسائل أو مبدأ الضربة العمياء.

بطاقة شخصية
< مفكر إسلامي، أستاذ علم الأديان بكلية الآداب، جامعة القاهرة.
< خبير في الإسلام السياسي.
< له 57 كتاباً في الأديان والسياسة، و21 بحثاً علمياً محكماً منشوراً عربياً ودولياً.
< حقق 25 كتاباً من التراث الإسلامي.
< ترجم «موسوعة الأديان البريطانية».
< مدير مركز اللغات الأجنبية والترجمة بجامعة القاهرة.
< رئيس تحرير مجلة «هرميس» التي تصدر عن جامعة القاهرة.
< حصل على العديد من الجوائز، منها: جائزة التفوق العلمي في العلوم الإنسانية من جامعة القاهرة 2010، وجائزة البروفيسور أندريه لالاند 1986.
< أشرف علي وناقش عشرات رسائل الماجستير والدكتوراه.
< تمت ترجمة بعض أعماله في الفقه الإسلامي إلى اللغة الإندونيسية، وبعض أعماله في الفكر الغربي والأديان إلى اللغتين الإنجليزية والألمانية.
 

أهم الاخبار