رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

الدكتور أحمد عمر هاشم فى حوار مع "الوفد":

الأزهر قلب مصر.. وأصوات شيوخه أعلى من الحكَّام

حوارات وملفات

الاثنين, 25 نوفمبر 2013 14:52
الأزهر قلب مصر.. وأصوات شيوخه أعلى من الحكَّامد. أحمد عمر هاشم
أجري الحوار: صابر رمضان

تعيش مصر حالياً مرحلة في غاية الخطورة، خاصة بعد اندلاع ثورتين متتاليتين، وحدوث انقسامات ومشاحنات تشمل عدة تيارات سياسية ودينية ما بين معتدلة ومتشددة ومتطرفة. وفي ظل هذه الظروف يبرز دور الأزهر الشريف الذي عُرف عنه دومًا وسطيته المعتدلة في آراء علمائه ومشايخه، لأنه الأقدر -جامعًا وجامعة- علي إيجاد القاسم المشترك بين كل أطياف العمل السياسي والدعوى.

هذا الحوار مع الدكتور أحمد عمر هاشم، أحد علماء الأزهر الكبار، يتطرق إلي التشابكات الراهنة علي الساحة السياسية والدينية في هذا الوقت العصيب والعصب من عمر مصر.
< سألته في البداية عن رؤيته لأوضاع الأمة الإسلامية الآن؟
- قال: أوضاع الأمة الإسلامية اليوم في حاجة ملحة إلي التكاتف والتعاطف ووحدة الصف وجمع الكلمة وأن يكون هناك مجلس عالمى من رؤساء الدول وكبار المصلحين والدعاة لوضع خطة تفصيلية للخروج من الأزمة التي تعيشها الأمة الإسلامية، ومنها التحديات السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية، بالإضافة إلى الغزو الفكرى، وهذه التحديات لابد من أن تواجه بيقظة ونشاط سياسي واقتصادى واجتماعى، ولابد أن تقوم كل دولة من دول العالم الإسلامي بمهمة قوية وبدور فاعل في زيادة العمل والإنتاج لتحقيق التوازن والتقدم ومواجهة التحدى الحضارى.
< هل الإسلام دين ودولة كما يعتقد البعض بالرغم من رفض آخرين هذا الرأى؟
- نعم.. الإسلام دين ودولة، والدليل أننا عندما نتصفح القرآن والسنة وكتب الفقه، نري كثيرًا من التوجيهات والإرشادات الإسلامية التي تحث علي المعاملة الحسنة في كل المجالات، فالمعاملات الإنسانية والاجتماعية لها في الإسلام جانب كبير، وكذلك نظام الحكم في الإسلام، وقد ركز الإسلام علي الشورى والعدالة والنظم والقوانين الحياتية التي تكفل للبشر تحقيق السعادة في الدنيا والآخرة، فكل الأنظمة التي نمارسها في حياتنا لها في الإسلام سواء فى الكتاب والسنة توجيهات كثيرة، فنظام الإمارة ونظام الحكم والجهاد في سبيل الله، كل هذه الأنظمة هي من أسس الدولة التي وضع لها الإسلام القواعد والضوابط التي تضمن الأمان للناس، وعلي سبيل المثال نري أن سيدنا عمر بن الخطاب رضى الله عنه قد دوّن الدواوين التي يمكن أن نسميها اليوم بلغة عصرنا «الوزارات» وكانت هذه التوجيهات الإسلامية تحافظ علي حياة الناس ودنياهم، فالإسلام دين ودولة، عقيدة وشريعة ومعاملة وأخلاق، ولهذا فصل الدين عن الدولة يجافى الحق.
< من وجهة نظرك.. ما أسباب تعثر الحوار فى مصر؟
- لو دخلت النفوس الحوار وهي مطمئنة ومؤمنة ومقتنعة، وترجو الخير والصالح العام فسينجح الحوار، لكن لا يكون هناك نجاح لأحد حوار حين يتقاعس بعض الأطراف ويبتعدون عن المصلحة العامة، فلا نريد أن يتربص الناس بعضهم ببعض ولا أن يستحوذ الإنسان علي الخير لنفسه فقط، دون غيره، فالأنانية والأثرة فيها بُعد شاسع ويجعل الحوار متراجعًا دائمًا وأبداً، فالذي يحدث اليوم علي الساحة السياسية من تفكك وانشطار وانقسام للمجتمع أمر لا يليق بعظمة مصر، فانقسام الوطن أمر يتنافى مع الإسلام، ويجب علي كل المسئولين من كل الأطياف أن يلتقوا وأن يتحاوروا في القضايا المختلف عليها تمهيداً لحل كل المشكلات والعقبات التي تحول بين تحقيق الأهداف والرؤى التي تصب في صالح الوطن.
< بالرغم من كل ما تعاينه مصر الآن من مشاكل وانقسامات.. هل أنت متفائل؟
- نعم.. أنا متفائل جداً، لأن مصر هي كنانة الله في أرضه حفظها الله وخصها بخير أجناد الأرض وذكرت كثيراً في مواضع القرآن الكريم، وبعض المشكلات التي نعيشها الآن لا تمنع تقدمها ولن ينال منها أعداؤها، ولن تهوي للأسفل، وإنما هي دائماً للأمام والتقدم، لأنها في ذمة الله إلى يوم القيامة، ونهوضها من نهضة الأمة الإسلامية والعربية والله لن يضيعها أبداً.
< دار الحديث بعد الثورة حول مفهوم العدالة الاجتماعية.. فكيف تراه من وجهة نظرك وكيف شجع الإسلام عليه؟
- العدالة الاجتماعية أمر بها الإسلام، أمر بها الحاكم وأمر بها المحكوم، ودعا إليها في كل الأحوال، قال تعالى: «وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل»، العدالة في القول: «وإذا قلتم فاعدلوا»، العدالة في العمل، في الإنتاج، في جعل الناس جميعاً سواسية كأسنان المشط، لا نفضل أحداً علي أحد، ولا نظلم أحداً، لأن الظلم ظلمات يوم القيامة، كما قال الرسول صلي الله عليه وسلم: «اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة» و«اتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم علي أن سفكوا دماءهم، واستحلوا محارمهم، فالعدالة في كل مناحي الحياة وفي كل دروبها، لا تقتصر علي فرد دون فرد أو جماعة، بل العدالة مطلوبة بين الجميع، حتي بين الرجل وأزواجه وبين الرجل وأبنائه، ولابد أن يكون عادلاً بين أفراد المجتمع، وبين العاملين في أي مؤسسة، لابد أن تتحقق العدالة، فإذا تحققت العدالة مع الإيمان بالله والعمل الصالح يتحقق الأمان الذي وعد الله به تعالى في قوله: «وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً».
< ما تقييم فضيلتكم لدعوة الإمام الأكبر لفتح باب التصالح ووجوب مشاركة الجميع في رسم الوطن؟
- هي دعوة محمودة لإنهاء حالة الفرقة ومشاهد الدم التي تشهدها مصر الآن، فالمشاركة الهادفة التي تبني الوطن هي بكل تأكيد مشاركة حث عليها الإسلام، وأوصى بها القرآن كما قال تعالى: «واعتصموا بحبل الله جميعاً ولاتفرقوا» وهذا الاعتصام هو البناء للوطن وهو الاتجاه للعمل من أجل دعم الوطن ليخرج من كبوته ويقف علي قدميه تارة أخرى، فالإسلام دين حنيف وهو في ذاته عقيدة وعمل، وقد دعانا للعمل بكل أنواعه من أجل إعمار الوطن، ونحن كمسلمين يجب أن نتبع نهج الإسلام الذي دعا للعمل والمشاركة الفعالة التي تبني الوطن، لأن بناء الوطن واجب ديني بل هو فرض عين علي كل مصري، ومن هنا ندعو الجميع للمشاركة في بناء مستقبل أفضل لوطنهم كل في مجاله.
< مؤخراً شهدت البلاد بعض الأحداث المؤسفة تجاه الأقباط في محاولة للزج بالبلاد في أتون الفتنة الطائفية وإظهار البلاد أمام العالم بأنها تعيش حالة انقسام واضطهاد للأقباط.. فما تعليقكم؟
- أؤكد أن المصريين قادرون علي تجاوز كل هذه المحن، فالإسلام حرص كل الحرص علي أمان الأقباط، ودعا إلى أن يعطي الأقباط حقهم في عهدهم، لأنهم علي عهد مع المسلمين، ولقد جاءت رسالة الرسول صلي الله عليه وسلم تحمي حقوق المسلمين وغير المسلمين، من كل من له عهد وأمان، فنرى الرسول الكريم يقول: «ومن خرج علي أمتي برها وفاجرها لا يتحاشى من مؤمنها ولا يفي لذي عهدٍ عهده فليس مني ولست منه» فإذا عليه الصلاة والسلام لا يضر من يعتدي علي من له عهد وأمان في أرض الإسلام مادام لم يحارب المسلمين، كما قال تعالى: «لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليه إن الله يحب المقسطين».
وعندما مرت عليه جنازة قام إليها فقيل له إنها جنازة يهودى يا رسول الله، قال: أليست نفساً، فقد كان صلي الله عليه وسلم يحترم حرمة النفس الإنسانية أياً كان دينها حتي ولو كان صاحبها غير مسلم فكيف الآن تزهق أرواحهم وتهدم كنائسهم ودور العبادة الخاصة بهم، فهذا ليس من الإسلام في شىء، ولابد من فتح صفحة جديدة للتصالح والوحدة بين مسلمي الدولة ومسيحييها، فالكل مصريون، ويجب عليهم إعلاء كلمة الحق ورفع شعار العمل من أجل بناء الوطن لتجاوز

هذه المرحلة الحساسة في تاريخ مصر.
< هل تخشى فضيلتكم علي الأزهر من أن تفسده السياسة؟
- أبداً.. فالأزهر لا يُخشى عليه مطلقاً، فبعد القرون الثلاثة الأولى الفاضلة كانت الهجمة التتارية الشرسة التي كادت تطيح بالإسلام وتراثه ورميه في النهر والعبور عليه، لولا قيام الأزهر بعد هذه القرون وظهوره علي أرض مصر، فاحتضن ما احتضن من الثقافة الإسلامية بجميع فروعها وعلي رأسها تعاليم الإسلام واحتضن أبناء المسلمين في كل أرض وأرسل بعلمائه إلي مشارق الدنيا ومغاربها، فالأزهر قلب مصر، ورجال الأزهر دعاة إلى الله لا يتولون السلطة بأنفسهم ولكن عيونهم دائماً علي الحق، فإن أصاب الحاكم قالوا له: أصبت، وإن أخطأ قالوا له أخطأت بكل السبل المتاحة لديهم، ويمكن القول إن الأزهر الشريف مرّ في بعض مراحل تاريخه بالضعف أو مجاراة بعض أهل السلطان، ونحن نؤكد أن هذا لم يحدث في كل مراحل الأزهر الطويلة، فقدم الأزهر بمراحل كان شيوخه الأجلاء أعلي صوتاً من صوت الحاكم، وعلي سبيل المثال في التاريخ الحديث نري الإمام المراغى والإمام الخضر حسين والإمام عبدالحليم محمود، وكثيراً من دعاة الأزهر الذين جهروا بكلمة الحق وأوذوا في سبيل الله.
< مؤخراً حدث تطاول علي مكانة وقيمة شيخ الأزهر.. فما رأيكم فيمن يطالب بوضع قوانين تجرم ذلك؟
- لابد من وضع قانون يجرم ذلك، لأن شيخ الأزهر يعتبر رمزاً للأزهر، والأزهر هو رمز للإسلام، فلابد من صيانة مكانة شيخ الأزهر وحماية الأزهر وحماية بيوت الله والمساجد لتؤدى رسالتها علي أكمل وجه.


< توليت رئاسة جامعة الأزهر لثمانى سنوات.. فماذا عن تجربتك خلالها؟ وكيف ينظر الغرب للأزهر؟
- دعيت لعقد اتفاقية تعاون مشترك بين جامعة الأزهر وبين الجامعة الإسلامية الأمريكية المفتوحة التي أنشأها عدد من المسلمين الذين يعيشون في أمريكا، بهدف تعليم أبناء المسلمين اللغة وعلوم الإسلام، فقال المسئولون الأمريكان: تريدون أن تأتوا بالإرهاب في بلادنا فقال المسلمون: لا وستقوم جامعة الأزهر بوضع المقررات، فقال الأمريكان: جامعة الأزهر مشهود لها منذ أكثر من ألف عام، ودعيت للقاء في واشنطن وطلب مني مسئول بالأمم المتحدة أن ألقى محاضرة بقاعة الأمم المتحدة، فألقيت محاضرة عن محاسن الإسلام، وكانت مترجمة بكل اللغات ترجمة فورية، وكنت أسأل وأجيب وعندما ترجمت محاضرتى عن محاسن الإسلام وجدت نحو (50) شخصاً ما بين رجل وامرأة وشاب فقلت لهم: من هؤلاء؟ قالوا: هؤلاء جاءوا ليعلنوا الإسلام علي يديك بعد سماعهم محاضرتك عن محاسن الإسلام وكنا نكبر ونحن نلقنهم الشهادة وأحسست بأن الأرض تهتز من تحت أرجلنا، وقلت: كم نحن مقصرين يا دعاة الإسلام إذا لم ننشر الدين في كل الأماكن.
< هل ترون أن جامعة الأزهر قامت بدورها داخل المجتمع المصرى.. هذه الأحداث وهل توافق علي عودة الحرس الجامعى مرة أخرى؟
- لاشك.. فكل هؤلاء الدعاة تخرجوا في جامعة الأزهر، لكن الفترة الحالية تحتاج إلى شىء من الحزم والعزم والقوة، وجعل الجامعة تؤدى رسالتها علي أكمل وجه ودرء المخاطر عنها، فأنا ضد أن يرفع الحرس الجامعي من الجامعة، ولابد أن يعود مرة أخرى إلي الجامعات، لأن الجامعات جزء من المجتمع ومادامت جزءاً من المجتمع، فلابد أن تكون مصونة، فلماذا يرفع الحرس الجامعى، ومن خلال تجربتي عندما كنت مسئولاً بجامعة الأزهر، فقد كنت عميداً لكلية أصول الدين لمدة ست سنوات، ثم نائباً لرئيس الجامعة لمدة ست سنوات، ثم عملت رئيسًا للجامعة لمدة ثماني سنوات، وكنت أرى مشكلات كالتى تحدث الآن، فمن الذي كان يؤمن الجامعة، هم الحرس، فلماذا يتم استبعادهم، فهذا خطأ كبير، ولذا أطالب بعودته مرة أخرى حفاظاً على الجامعات وحماية لها لتؤدى رسالتها علي أكمل وجه.
< كيف تري الاقتتال بين أبناء المسلمين تحت مسميات عدة منها سياسية ودينية وأخلاقية إلي غير ذلك؟
- الرسول صلي الله عليه وسلم يقول: «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار، قالوا: هذا القاتل فما بال المقتول قال: لأنه كان حريصاً علي قتل صاحبه، لكن هناك فرق بين معتدٍ ومدافع، فالذي يدافع عن الوطن كرجال الأمن والقوات المسلحة، فهؤلاء يدافعون عن الوطن، فقد جاء رجل إلي الرسول وقال له: أرأيت لو جاء رجل يريد أخذ مالى مني يا رسول الله، قال: لا تعطه مالك، قال يا رسول الله: أرأيت إن قاتلنى، قال: قاتله، قال: أرأيت إن قتلنى، قال: فأنت شهيد، قال: أرأيت إن قتلته، قال: هو في النار، فهناك فرق كبير بين الظالم والمظلوم.
< كيف يمكن مواجهة الفكر المتطرف والمتشدد من قبل بعض الجماعات؟
- يمكن مواجهة ذلك عن طريق هيئة كبار العلماء في الأزهر، فقد وزعنا أنفسنا علي أكبر المساجد في القاهرة مثل الجامع الأزهر الشريف فنحن نتولى فيه الخطابة بالتناوب الآن، أي أنه يمكن مواجهة هذا الفكر المتطرف من خلال المساجد والشيء الثانى من خلال وسائل الإعلام سواء المقروءة والمرئية والمسموعة لنرسخ القيم والمبادئ التي تدعو المجتمع إلي الألفة والمودة والمحبة، لأننا كلنا أبناء وطن واحد، نعيش فوق أرض واحدة وتحت سماء واحدة، واختلطت دماؤنا في الحروب دفاعاً عن هذا الوطن، حتي غير المسلمين من المسيحيين يشاركوننا في الوطن أيضاً لهم ما لنا وعليهم ما علينا، فيجب أن نحمى الوطن بكل أطرافه وبكل أطيافه وألا يتربص أحد بأحد، والأزهر والحمد لله قادر علي مواجهة الفكر المتطرف وهو يمتلك من العلماء الذين لديهم الحجة والبرهان علي مجابهة هؤلاء ومبارزتهم بالقول والدليل، وتصحيح الفكر الإسلامي وتنقيته من الشوائب التي تعلق به وإظهار الفكر الوسطى المعتدل بعيداً عن أي تطرف أو غلو وهذا هو الدور الأساسى لعلماء الأزهر.
< كيف ترى قرار وزير الأوقاف الخاص بمنع غير الأزهريين من اعتلاء المساجد وغلق الزوايا في صلاة الجمعة؟
- قرار حكيم، لأنه كان يعتلى المنابر بعض الناس غير المؤهلين، فليس كل من قرأ شيئاً وحفظ بعض الآيات أو بعض الأحاديث أو علم بعض المعرفة أن يتصدى لاعتلاء المنبر وأداء خطبة الجمعة والإفتاء للناس، فماذا لو أفتى خطأ أو ضلل الناس، فالرسول عليه الصلاة والسلم يقول: «إن الله لا ينزع العلم انتزاعًا من الصدور ولكن ينزعه بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤوساً جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا»، فنحن لا نريد إلا العلماء الأكفاء الذين تخرجوا في قلعة الإسلام التي مكثت أكثر من ألف سنة وهي الأزهر الشريف.
< تقدم عدد من أعضاء هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف لإسقاط عضوية

د. يوسف القرضاوى من الهيئة بسبب إهانته للدولة وجيشها.. فماذا تقول؟
- لم يحدث أن عُرض هذا الأمر ولم يجتمع مجمع البحوث الإسلامية في شأن ذلك وإذا حدث جديد فسيكون معلوماً للجميع.
< عيون العالم الغربي ترصد ما يحدث في المجتمعات الإسلامية والعربية، فهل الغرب معني بحدوث تحول ديمقراطى في المنطقة العربية في رأيك؟
- لا.. الغرب لا يريد الديمقراطية لنا، ولا يريد أن تقوم بلادنا على قدم وساق، ويريد إحداث ربكة في المجتمعات الإسلامية وسفيرة أمريكا نفسها أيام الثورة الأولى صرحت في الصحف القومية أنها أعطت أموالاً من أجل قلب الأنظمة، فهم يريدون قلب الأنظمة وإرباك المجتمعات فإذا انقسمت هذه البلاد الإسلامية جاءوا ليقسموا هذه الكعكة بينهم تبعاً لمصالحهم الشخصية.
< كيف تري مطالبة البعض بإلغاء الأحزاب الدينية أو بمعني أدق ذات المرجعية الإسلامية بحجة استغلال الدين لتحقيق أهداف سياسية؟
- الأمر لا يتعلق بكونه يخص أحزاباً إسلامية أو غير إسلامية، فأنا أرى أن هذه الأحزاب ما هى إلا فرقاً يعادي بعضها بعضاً ولا داعى منها بالمرة.
< كيف رأيت ما حدث من طلاب الأزهر تجاه الجامعة من أعمال تخريب وتدمير وما الرسالة التي توجهها لهم؟
- حزنت جداً، وقلت من المستحيل أن يكون هؤلاء من أبناء الأزهر، ولو كانوا من الأزهر ما فعلوا ذلك، إلا إذا كانوا طلاباً فاشلين وظالمين وآثمين، وفي أثناء رئاستى للجامعة، رأيت مثل هذا، فقلت لهم أرونى الكارنيهات الخاصة بكم إن كنتم من أبناء الأزهر ففروا ولاحقهم حرس الجامعة حتي خرجوا، فالأزهرى الأصيل لا يهدم ولا يفسد ويكسر أجهزة الجامعة، ولا يكبد الجامعة هذه الخسائر المادية والمعنوية التي رأيناها مؤخراً.
< وكيف تسلل هذا الفكر التخريبى للأزهر الشريف وكيف يمكن مواجهته؟
- تسلل عن طريق الذين لم يخلصوا للوطن والذين فقدوا ولاءهم وانتماءهم، ويمكن مقاومة مثل هؤلاء المتسللين بالدعوة كما قلت وبترشيد كل الأجهزة حتي تثوب إلى الرشد والأمان وتحقيق الحق والعدالة، لأن الإنسان الذي تطبق معه العدالة لا يمكن أن يثور ولا يمكن أن يظلم.
< ما أبرز مقومات الدولة في التصور الإسلامى والإنسانى.. أو ما هو «نظام الحكم»؟
- الرسول صلي الله عليه وسلم وضع لنا هذا النظام في الهجرة، أولاً نوثق صلتنا بالله، فبني المسجد ليكون همزة الصلة بين الخالق وخلقه، ثانياً: أن نوثق صلتنا ببعضنا البعض، فآخى بين المهاجرين والأنصار، ثالثاً نوثق صلتنا بالآخر بغير المسلمين، فالمدينة كان بها كفار ويهود ومسلمون، فالرسول جمعهم علي أطر من الأنظمة العادلة وصاروا في نعمة الله.
< ما الأخطاء التي يجب أن يتفاداها أي رئيس قادم حتي لا يقع فيما وقع فيه الرؤساء قبله؟
- لابد أن يتفادى الرئيس القادم لمصر العنصرية والعصبية وأن يكون رئيسًا لكل المصريين وأن يحقق العدالة، وألا يظلم أحداً، وأن يجعل تولي المناصب ذات المسئولية والحساسة للأكفاء لا المحسوبية.
< هل تتفق مع دعاوى البعض لوضع مواد في الدستور الجديد بحيث تضمن المشاركة الفعالة للمرأة من الناحية الاجتماعية والسياسية؟
- نعم.. لابد من المشاركة الفعّالة للمرأة، فالمرأة لعبت دورًا كبيراً، في أول إشراقة للدعوة الإسلامية الكريمة ثم في مسيرة الهجرة، وكثيراً ما استجاب الرسول لمشورة امرأة في بعض المواقف حلاً لأزمة، ولهذا يجب مشاركة المرأة، فهي شطر المجتمع ولابد أن يكون لها دور فعال في بناء الأوطان.
< في ظل الاحتفالات مؤخراً بذكري عاشوراء هل تخشى علي مصر من التشيع؟
- لا يمكن أن تتشيع مصر، فالأزهر نفسه بناه الفاطميون ليكون مدرسة للشيعة، فلم يكن من أول يوم إلا لأهل السنة والجماعة، فمصر في كنف الله دائمًا يحفظها ويرعاها أبد الدهر.
< السنة النبوية تتعرض بين حين وآخر لهجوم ممن يسمون أنفسهم بـ«القرآنيين» ويطالبون بالاكتفاء بالقرآن وينكرونها بحجة أنه تم تدوينها متأخراً، مما قد يعرضها للحذف والإضافة والنسيان.. فما ردكم علي ذلك؟
- القرآنيون فئة مارقة تسعي لتخريب ثوابت الإسلام دائمًا، فالسنة النبوية لم تكن مهملة أبداً حتي القرن الثالث الهجرى، لكي تتعرض للنسيان أو الحذف أو الإضافة وإنما دونت في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وكتبت قبل ذلك في عهد رسول الله صلي الله عليه وسلم وبين يديه، حيث كانت هناك صحف كتبت فيها السنة النبوية، وكانت صدور الصحابة رضوان الله عليهم أوعية أمينة صانت أشرف تراث وكنز في الوجود وهو السنة النبوية وحفظوها من الحذف والإضافة، ودونوها في بعض الصحف، فقد كان لأنس رضي الله عنه صحيفة وكذلك جابر وكذلك صحيفة عمر بن عمرو بن العاص، وكانت تسمي بالصادقة، وكان يقول: «ما يرغبني في الحياة إلا الصادقة صحيفة أخذتها من فم رسول الله صلى الله عليه وسلم مباشرة، ليس بني وبينه فيها أحد»، فلم تبق السنة مهملة حتي القرن الثالث وبذلك ينهدم الاستناد الذي يركن إليه هؤلاء الذين يطلقون علي أنفسهم زوراً وظلماً «القرآنيون» فلابد أن يتقوا الله فالسنة هي المصدر الثاني للتشريع الإسلامي بعد كتاب الله تبارك وتعالى.
< بصفتك أستاذاً لعلم الحديث الشريف.. ما تفسيرك للهجوم علي الإمام البخارى والصحابى الجليل أبو هريرة رضي الله عنهما؟
- أقول لو عرف الذين يحاربون أو يهاجمون الإمام البخارى ويتهمون أبا هريرة، لو أدركوا الحقيقة وتخلوا عن جهلهم ورجعوا للتاريخ لعلموا أن الإمام البخاري كان علي موعد مع القدر، وأن الله سبحانه وتعالى قيّضه ليقوم بحفظ السنة الشريفة، بما لم يقم به أحدث جهاز عرفته التكنولوجيا الحديثة «الكمبيوتر» فقد حفظ البخاري ستمائة ألف حديث وانتخب منها هذا الكتاب الذي سماه «الجامع الصحيح» ومما يذكر أن الإمام البخارى تعرّض له أهل بغداد في امتحان حفظته لنا كتب التاريخ والسيرة، فقدموا له مائة حديث مقلوبة، وركبوا إسناد كل حديث لمتن آخر وامتحنوه فحفظ الخطأ كما قالوه، ثم رده وصححه حتي قال ابن حجر العسقلانى رضي الله عنه: ليس عجيباً أن يرد الأمر إلي ما هو صحيح، لأنه كان حافظاً، لكن العجيب في ذاكرته أنه حفظ الضعيف والمكذوب والخطأ بالترتيب الذي قالوه ثم أعاده، أما الذين يتهمون أبا هريرة فذلك لأنه كان أكثر الصحابة رواية للحديث، ومحاربة أكثر الرواة رواية يسهل للمحاربين تحقيق أهدافهم في القضاء علي السنة والصحابة الذين يمثلون الجسور التي عبر الإسلام والوحي الإلهى علي أيديهم إلينا، ومحاربة الصحابة واتهامهم والهجوم عليهم هو ضرب للإسلام كله، لأنهم هم رموز الدين وشهوده وحملته وهم الذين نقلوه عبر العصور، لذلك قال الإمام أبو زرعة: إذا رأيت رجلاً ينتقص أصحاب رسول الله صلي الله عليه وسلم فاعلم أنه زنديق، ذلك لأن الإسلام حق والقرآن حق، والحديث حق، والرسول حق، وهؤلاء -أى الصحابة- هم الذين تعلموا القرآن والحديث والذي يطعنهم زنديق.
< من وجهة نظرك كيف يتم إصلاح منظومة الخطاب الدينى؟
- ألفت كتاباً عن الخطاب الدينى ودعوت فيه إلي تحقيق المنهج القرآني الذي دعا إليه رب العزة في القرآن في قوله تعالى: «ادع إلي سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن»، وهذا المنهج الذي اتبعه رسول الله صلي الله عليه وسلم طبقه تطبيقًا عملياً، حين نشر الإسلام في ربوع الدنيا، ودخل الناس في دين الله أفواجًا لما طبقوا المنهج الصحيح للخطاب الدينى، أما أن يتعصب إنسان لقوم أو جماعة أو لحزب دون حزب، فهذا ليس من الإسلام، فالحق هو الحق، والخطاب الديني يحتاج أولاً إلي الإخلاص في الرسالة والدعاة الذين يقومون به سواء كانوا من الدعاة أو من الكتاب إذا وجدوا في مناخ صافٍ فمن السهل أن يقولوا ما يشاءون لكن عندما يكونون في مناخ غائم وتفرض عليهم أمور ليست حقاً ولا عدلاً، ويميل بعضهم إلي هوى السياسة، فهذه هي المصيبة الكبرى، فالخطاب الديني الآن فى أمس الحاجة للتجديد ولابد من مخاطبة الناس بقدر ما يفهمون وبما هم في حاجة إليه، فالداعية كالطبيب، يشخص الداء ويمنح الدواء، فالخطاب الدينى بحاجة إلي تطوير وإلي تحديث وقوة ودعم علي مستوي الأداء وعلي مستوي المادة وعلي مستوي الآليات التي استحدثتها الحضارة الحديثة.
< أخيراً.. ما آخر مؤلفاتك؟
- مؤلفاتي وصلت إلي (104) كتب، آخرها كتاب عنوانه «الراعى والرعية في الكتاب والسنة» وشرحت صحيح البخارى في خمسة عشر مجلداً، وقدمت موسوعة السنة النبوية، وأرجو الله تعالى أن يوفقنا لما يحب ويرضى.

 


بطاقة شخصية
< مواليد 6 فبراير 1941 بقرية بني عامر - مركز الزقازيق بالشرقية
< تخرج في كلية أصول الدين - جامعة الأزهر عام 1961
< حصل علي الإجازة العالمية عام 1967
< عين معيدًا بقسم الحديث بكلية أصول الدين
< حصل علي الماجستير في الحديث وعلومه عام 1969، وحصل على الدكتوراه في التخصص نفسه
< أصبح أستاذاً للحديث وعلومه عام 1983
< عين عميدًا لكلية أصول الدين بالزقازيق عام 1987
< شغل منصب رئيس جامعة الأزهر عام 1995
< عُين عضوًا بمجلس الشعب المصري في عهد النظام الأسبق
< شغل رئيس لجنة البرامج الدينية بالتليفزيون المصرى
< بلغت مؤلفاته 104 مؤلفات كان آخرها موسوعته في علم الحديث
< في عام 2000 طالب بسحب رواية «وليمة لأعشاب البحر» للروائى السورى حيدر حيدر من السوق ومنع تداولها، مؤكداً أن «الفجور ليس من الفن والإبداع».
< طالب بإصدار قانون يجرم من يعتنق الفكر البهائى واصفاً أتباعه بأنهم فئة ضالة تسعي لهدم الإسلام.
< عضو هيئة كبار العلماء وداعية إسلامي كبير.
 

أهم الاخبار