رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

المستشار عادل ماجد.. نائب رئيس محكمة النقض:

"العدالة الانتقالية" طريقنا الوحيد لتحقيق المصالحة بعيداً عن ثقافة الانتقام

حوارات وملفات

الاثنين, 12 أغسطس 2013 10:08
العدالة الانتقالية طريقنا الوحيد لتحقيق المصالحة بعيداً عن ثقافة الانتقامالمستشار عادل ماجد
حوار: ممدوح حسن

طرح المستشار عدلي منصور رئيس الجمهورية المؤقت فكرة وزارة للعدالة الانتقالية لتكون مهمتها حماية أمن المواطنين وسلامتهم وصيانة حقوقهم وحرياتهم الدستورية، لتكون مسئولية أساسية تقع علي عاتق الدولة ومؤسساتها الأمنية.

لأنه لا يمكن إزالة حالة الاحتقان التي يعاني منها المجتمع وبلوغ المصالحة الوطنية بدون عدالة ومعرفة حقيقية لما حدث من تجاوزات وانتهاكات لحقوق الإنسان ومحاسبة مرتكبيها، بأن تطبيق مفاهيم العدالة الانتقالية هو وحده الكفيل بتحقيق هذه الأهداف.. كيف؟.. ولماذا؟.. هذا هو موضوع حوارنا مع المستشار عادل ماجد نائب رئيس محكمة النقض وخبير القانون الجنائي الدولي، وصاحب العديد من المؤلفات حول العدالة الانتقالية.
< كيف يمكن أن تتم المصالحة الوطنية في ظل الانشقاقات في مصر؟
- من خلال آليات العدالة الانتقالية التي صممت لتقصي أسباب الانقسام ومعالجتها، فالعدالة الانتقالية ذات صلة وثيقة بالعفو وبالمصالحة، والمصالحة كأحد مكونات منظومة العدالة الانتقالية تشكل في حد ذاتها أهم أهدافها، فالهدف الأساسي من العدالة الانتقالية هو معالجة كافة أسباب الانقسام المجتمعي تمهيداً للوصول للمصالحة الوطنية، لذلك فقد أكدنا في العديد من المناسبات أن أنسب مسار لبلوغ المصالحة الوطنية هو عن طريق مسار العدالة الانتقالية، أما المسار السياسي فهو يسهم فقط في إجراء حوار بين الأطراف السياسية المختلفة لتحديد المسائل الخلافية ومحاولة وقف العنف تمهيداً لمعالجة حالة الانقسام المجتمعي بعمق عن طريق هيئة أو مفوضية عليا للعدالة الانتقالية.
والمشكلة الحقيقية في مصر أن ثقافة الحوار ذاتها مغيبة عن الواقع العملي، ومن المرتقب أن تسهم آليات العدالة الانتقالية في إيجاد مناخ مناسب للحوار والاستماع للآخر، فلا يمكن تحقيق أهداف العدالة الانتقالية إلا من خلال حوار مجتمعي وتوافق وطني مما يستلزم معالجة الفرقة والانقسام بين أطياف المجتمع واتخاذ التدابير اللازمة للتغلب عليها، واستئصال جذورها بعيداً عن ثقافة الثأر والانتقام، وميزة اتباع آليات العدالة الانتقالية لتحقيق المصالحة الوطنية أنها تضمن تحقيق المصالحة دون تضييع الحقوق.
< وما أهم التجارب الدولية في تطبيق العدالة الانتقالية؟
- هناك ما يجاوز الخمس عشرة هيئة للعدالة الانتقالية تم إنشاؤها خلال العقود الثلاثة الماضية في العديد من الدول لتقصي وكشف الحقائق وللمصالحة، وهناك عدة أمثلة دولية ناجحة لعمل تلك الهيئات أو المفوضية يمكن الاسترشاد بها، ولعل هيئة معرفة الحقيقة وتحقيق المصالحة في جنوب أفريقيا هي الأكثر شهرة من نوعها، حيث تولت القيام بكافة إجراءات تقصي الحقائق ومنح العفو وتعويض الضحايا وتحقيق المصالحة.
أما علي المستوي العربي فيمكن الاسترشاد بالتجربة المغربية في تحقيق المصالحة عن طريق الاطلاع علي تجربة إنشاء الهيئة المستقلة للتحكيم للتعويض عن الضرر المادي والمعنوي لضحايا وأصحاب الحقوق ممن تعرضوا للاختفاء القسري والاعتقال التعسفي.. وهيئة الإنصاف والمصالحة، وتعد هيئة تقصي الحقائق والمصالحة الليبية المنشأة بموجب القانون رقم 17 لسنة 2012 من أحدث هيئات العدالة الانتقالية في المرحلة الحالية.
< وهل تطبيق آليات العدالة الانتقالية يسهم في كشف الحقائق ومحاسبة

من تورط في قتل ونهب أموال المصريين؟
- يجب أن نتفق جميعاً أن عدم معرفة حقيقة العديد من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان والأحداث الجسام التي حدثت إبان الأنظمة السابقة يعد من أهم أسباب حالة الاحتقان المجتمعي في مصر، ولذلك تعد معرفة الحقيقة من أهم آليات العدالة الانتقالية، والحق في معرفة الحقيقة يشمل الجانب الفردي للضحايا والجمعي للمجتمع، والحق في معرفة الحقيقة قد ينشأ كحق قانوني للضحايا والمجتمع تلتزم الدولة بمقتضاه بأن توفر المعلومات للضحايا أو ذويهم حول الظروف التي أحاطت بالانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي ارتكبت ضدهم. وفقط عن طريق كشف الحقيقة يمكن للمجتمعات التي ذاقت قسوة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان وإساءة استعمال السلطة والفساد العمل علي منع تكرار مثل هذه الانتهاكات، هذا إلي جانب أن معرفة الحقيقة تسهم في شفاء غليل الضحايا وذويهم، وعندما نتحدث عن معرفة الحقيقة فمن المعلوم بصفة عامة أن عدم معرفة الحقيقة يؤدي إلي عدم الشعور بالأمان ومن ثم إلي عدم الاستقرار لأن غلق الملفات دون إظهار الحقيقة بفتح باب الثأر والانتقام ويزيد من التوتر والاحتقان، وإن الاتجاه إلي تطبيق آليات العدالة الانتقالية لا يعني غلق الملفات ولكن فتحها والاعتراف بما ارتكب في حق أبناء الوطن من جرائم وانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان وإعلان حق الضحايا، والميزة التي توفرها آلية معرفة الحقيقة أنها تساهم في فضح انتهاكات وتجاوزات الماضي، ومن ثم في مواجهتها أو الصفح عنها بما يحقق قدراً من الرضاء لدي المواطن العادي يسهم في بلوغ المصالحة الوطنية، علي النحو الذي حدث في تجربة جنوب أفريقيا.
< وكيف يمكن إصلاح جهاز الشرطة لتحقيق العدالة الانتقالية؟
- دعونا نقرر أولاً حقيقة مهمة وهي أن أفراد جهاز الشرطة يشكلون شريحة عريضة لأبناء الشعب المصري، وبالتالي فإن الحديث عن إصلاح جهاز الشرطة لا يعني إطلاقاً قدح العاملين في هذا الجهاز، وإنما دراسة أسباب انتهاكات حقوق الإنسان التي صدرت عن بعض أفراده، مع تحديد الهياكل والممارسات التي تحتاج إلي إصلاح، ووضع التوصيات اللازمة للتصدي لتلك الانتهاكات ومنع تكرارها في المستقبل، واضعين في الاعتبار أن هناك العديد من ضباط الشرطة أنفسهم يطالبون بإجراء إصلاحات جوهرية في جهاز الشرطة، وأنه توجد قناعة لدي قيادات هذا الجهاز بأهمية تعزيز ثقافة حقوق الإنسان لمنع الانتهاكات المستقبلية لحقوق الإنسان، وآية ذلك إنشاء قطاع خاص بحقوق الإنسان بوزارة الداخلية.
< العدالة الانتقالية تعني تعويض وجبر الضرر لمن أصيب بضرر من تلك الجرائم والنص علي
حقوقهم في الادعاء المباشر.. هذا يتطلب أموالاً طائلة لإرضاء المتضررين؟

- من الجدير بالذكر أن دستور مصر المعطل قد أولي مسألة جبر أضرار ضحايا ثورة 25 يناير وغيرهم ممن يستحقون التكريم اهتماماً خاصاً، فنص في مادة رقم 65: «تكرم الدولة شهداء ثورة الخامس والعشرين من يناير وغيرهم من شهداء الحرب والمصابين فيها، وتكفل الرعاية اللازمة لأسرهم وللمصابين وللمحاربين القدامي، ولأسر المفقودين في الحرب وما في حكمها، ويكون لهم ولأبنائهم ولزوجاتهم الأولوية في فرص العمل، وكل ذلك وفقاً لما ينظمه القانون» وفي حقيقة الأمر فإن هذا النص جيد يمكن تنقيحه في دستور مصر الجديد.
والإنصاف الحقيقي للضحايا يتطلب تعويضهم عما لحق بهم من أضرار، عن طريق إنشاء صناديق ائتمانية لتعويض الضحايا، ولذلك فيجب أن يتضمن أي قانون يصدر للعدالة الانتقالية إنشاء صندوق لتعويض الضحايا تكون له الشخصية الاعتبارية العامة والذمة المالية المستقلة ويتولي دفع التعويضات وتقديم المساعدات المادية لضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان والجرائم الجسيمة ضد المتظاهرين المنصوص عليها في هذا القانون، ويصدر بتنظيم هذا الصندوق وتحديد اختصاصاته الأخري وموارده ومصادر تمويله عادة قرار من رئيس الجمهورية.
< وهل هناك تجارب عربية لإنشاء مثل هذه الصناديق؟
- نعم.. فقد أنشأت الحكومة التونسية آلية خاصة لتعويض الضحايا وتأهيلهم هي «صندوق شهداء وجرحي الثورة وضحايا الاستبداد» بموجب المرسوم رقم 97 لسنة 2011 الذي صادق عليه المجلس الوطني التأسيسي.
< وماذا عن ضحايا المحاكمات العسكرية للمدنيين؟
- يمكن أن يتم النظر في جبر أضرار ضحايا المحاكمات العسكرية من خلال آليات العدالة الانتقالية المزمع تطبيقها، ويجب أن نعلم أنه من أهم حقوق الضحايا خلال المرحلة الانتقالية إلغاء الأحكام غير العادلة «الظالمة» فالأشخاص الذين خضعوا لإجراءات تعسفية في ظل نظم مستبدة وقمعية، تم بمقتضاها محاكمتهم في ظروف استثنائية أمام محاكم أو هيئات أخري استثنائية كمحاكم الطوارئ أو المحاكم العسكرية، يجب أن يتم التعامل معهم كضحايا يستحقون الإنصاف وجبر الضرر.
< كيف يمكن تنفيذ حكم الشرع وإعمال فقه الأولويات فى تكريس الحوار المجتمعي وتحقيق العدالة وسط الخلافات الفقهية والانقسام بين التيارات المختلفة؟
- هناك أصول فقهية وقواعد كلية لا يمكن الاختلاف بشأنها في الشريعة الإسلامية يجب التعويل عليها لتكريس الحوار المجتمعي وتحقيق العدالة مثل قاعدة: «لا ضرر ولا ضرار» و«الضرر يزال» ومبدأ «الشوري»، ويتم إعمال الأهداف المتقدمة من خلال الارتكاز علي البعد الفقهي في إحياء علوم الدين وتجديدها، طبقاً لمذهب أهل السنة والجماعة الذي يجمع بين العقل والنقل ويكشف عن قواعد التأويل المرعية للنصوص الشرعية، بما يسهم في تطبيقها علي نحو يتناسب مع احتياجات المجتمع، ويساعد علي السير قدماً في مسار المصالحة والإصلاح بما يعزز عملية التحول الديمقراطي ويحقق العدالة بكافة صورها، ويدفع بالأمة في طريق الانطلاق نحو التقدم الحضاري والنهضة الشاملة، وذلك يدلل علي أن الشريعة الإسلامية تحوي من المبادئ والقواعد الكلية ما يكفي لحمل فكرة العدالة الانتقالية وتفعيل آلياتها، بل إنني لا أبالغ إذا قررت أن ما ورد في هذه المبادئ والقواعد ما يسهم في ترسيخ أعلي المعايير الدولية لتطبيق آليات العدالة الانتقالية، ومن المهم تعظيم دور الأزهر الشريف بمنهجه الوسطي في تكريس الحوار المجتمعي وتطبيق آليات العدالة الانتقالية، ويجب الاسترشاد بالتجارب الناجحة للأزهر الشريف، في هذا الشأن مثل «وثيقة الأزهر لنبذ العنف والالتزام بالحوار الوطني لحل القضايا الخلافية»، والمشكلة التي أراها من وجهة نظري الشخصية أن الأفكار العظيمة التي تضمنتها الوثائق المهمة التي صدرت عن الأزهر لم يتم تفعيلها علي أرض الواقع بآليات ناجعة، وهذه عادة هي مشكلة جميع المؤسسات في مصر، أفكار عظيمة بدون تفعيل جيد.

أهم الاخبار