رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

حلمى شعراوى خبير الشئون الإفريقية لـ"الوفد":

"مرسى" فشل فى السيطرة على "وسط البلد"

حوارات وملفات

السبت, 29 يونيو 2013 14:35
مرسى فشل فى السيطرة على وسط البلدحلمي شعراوي
أجري الحوار: حسام عبدالبصير تصوير: أحمد حمدي

لا تبسط الدولة نفوذها على شوارع وسط البلد، حيث يقيم الباعة المتجولون ممالكهم فى طلعت حرب وعماد الدين شرقاً إلى ميدان عابدين والسيدة زينب جنوباً، مروراً بشوارع عدلى وعبدالخالق ثروت، وبالرغم من ذلك يطالب الكثير من صناع الضجيج الإعلامى عبر برامج «التوك شو» من الرئيس المنتخب أن يبسط نفوذ بلاده لأعالى أفريقيا حيث تتفجر مياه النهر الذى يعرف وفق صحيح المرويات النبوية أنه أحد أنهار الجنة.

فى الطريق لسدة الحكم كان الطريق مزروعاً فى وجه محمد مرسى بالعديد من القنابل وصوابع الديناميت، لكن أشدها خطورة هو ذلك الذى تفجر على بعد مئات الآلاف من الأميال، حيث (أديس أبابا)، تلك العاصمة الفقيرة لبلد أشد فقراً، ظل حكامه ينظرون لمصر باعتبارها الدولة التى تحتكر ثرواتهم المائية.. وعلى مدار عقود متوالية كان الكلام عن مشاريع تعتزم تلك الدولة أو غيرها إقامتها للاستفادة من مياه النيل ينطلق بكثافة ثم لا يلبث أن يخفت حتى استيقظنا ذات صباح على الحقيقة المروعة.. «سد النهضة»، حقيقة على الأرض بعد أن كان مجرد حلم على الورق، وبينما كان الحكام الجدد فى مصر يسعون لتدشين حكمهم منشغلين باحتراب مع قوى مدنية ترى فيهم خطراً على البلاد والعباد، إذ بالخبر الذى انفردت به رويترز -كعادتها- يوقظ المصريين على كابوس مزعج.
وبقدر ما كانت الأزمة غير مسبوقة على مدار تاريخ مصر بقدر ما كان تعامل الإعلام معها شديد الانفلات والابتذال والسطحية، لحد استعانة العديد من الفضائيات بضيوف لا علاقة لهم بشئون المياه من قريب أو بعيد من أجل ملء ساعات البث، وذهب معظم هؤلاء للاجتهاد وتأصيل جذور المشكلة بغير علم للحد الذى تحتاج فيه للغة العقل وذلك حينما دعا البعض الجيش لحسم الأمر بتوجيه ضربة عسكرية للمشروع الإثيوبى لإنهاء مخاوف المصريين.
حلمى شعراوى، مؤسس مركز البحوث الإفريقية، أحد القلائل المتابعين للشأن الإفريقى وعلاقات القارة السمراء وشئون المياه منذ عقود مضت، له العديد من المؤلفات والأبحاث حول إفريقيا والعلاقات المصرية مع دولها ومختلف التهديدات التى تواجه تلك القارة وما تمتلكه من ثروات غير مستغلة كان بوسعها أن تدفع بدولها نحو مصاف الدول الكبرى.. وهو عائد لتوه من تنزانيا حيث حضر هناك مؤتمراً شارك فيه العديد من المهتمين بالشأن الإفريقى.
< قلت له.. بداية ما رأيك فيمن يطالب بحسم الصراع مع إثيوبيا عسكرياً؟
- بضحكة لا تخفى مرارة قال: هذه الأصوات التى تدق طبول الحرب تعيش فى غياهب عالم لا وجود له إلا فى أذهاننا فلغة التهديد بدك العواصم وضرب السواحل وتدمير السدود لم يعد لها وجود فى عالمنا الحديث إنك تتحدث الآن مع قوى عديدة ومصالح متشابكة لعدد من الدول والمؤسسات الكبرى التى يعد الاستثمار هو قبلتها الأولى، فكيف تهدد بضربة عسكرية أو تدمير مشروع لا تقف خلفه دولة فقيرة، وإنما كيانات اقتصادية عملاقة تقف خلفها دول كبرى فى الحقيقة لا يمكن النظر لمثل تلك الدعاوى بشأن حسم الخلاف عسكرياً إلا بمزيد من الدهشة.
< لماذا؟
- لاستحالة اللجوء ذلك الخيار، فبالإضافة لصعوبة القيام به لن تسمح لك دول كبرى بأن تقوم بأى عمل عسكرى فى هذا النطاق لأنه تهديد لمصالحها.
< هل يعيش الحكام الجدد ورطة متمثلة فيما قامت به إثيوبيا مؤخراً أم أن تلك الأزمة فى الإمكان مواجهتها؟
- للأسف الشديد الحكام الجدد فى ورطة كبرى مصدرها عدم إلمامهم بالأدوات التى سبق استخدامها من اجتماعات وتنظيمات من حوض النيل وكنا شركاء فيها ومع ذلك يبدو النظام فاقد الصلة بكل ذلك، وبالتالى فاقد الصلة بمجمل الأخطاء، بل هو ينتج أخطاء جديدة أنه يفتقر المهارة السياسية والذكاء المطلوب للتعامل مع تلك الأزمة وتزداد دهشتنا عندما نعلم أنه وللمرة الأولى تواجه مصر كارثة كتلك فيما يتولى رئاسة الحكومة مسئول كان من قبل مسئولاً فى مؤسسة الرى ثم وزيراً للرى.
< بالفعل يبدو الأمر مدهشاً؟
- مدهشاً للعالم كله حينما يبدو هذا المسئول مرتبكاً ومتوتراً وكأنه قد فوجئ بما قامت به إثيوبيا على الرغم من أنه من المفترض على علم بكل صغيرة وكبيرة فى الأزمة منذ اندلاعها ولديه سيناريوهات للتعامل معها هكذا يتخيل الإنسان.
< يقول البعض إن ما قامت به إثيوبيا كان مفاجئاً؟
- لا هذا الكلام لا يقول به عاقل أبداً.. القضية برمتها (مشروع سد النهضة وغيره من المشروعات المرتبطة به) من المفترض أنه مبكر للغاية لكل من هو على صلة بمسائل النيل والدولة المصرية على علم بأبعاد تلك المسائل وما نجم عنها من مشاكل منذ أن قامت أزمة بسيطة مع تنزانيا عامى 1968، 1969 وعالجها عبدالناصر بإرسال خبراء ليكذب مزاعم إسرائيل بشأن بحيرة فيكتوريا وعقب ذلك أنشأ عبر الأمم المتحدة أول مشروع تحاليل خاص بالنيل، ثم تطورت المشروعات وفى عهد بطرس غالى تم عمل مبادرة مياه النيل على عدة مراحل حتى تبلورت عام 1997، إذن فالمشروعات بيننا وبين الأفارقة قائمة.
< ومتى بدأت بوادر الأزمة مع إثيوبيا؟
- إثيوبيا طوال الوقت وهى تلوح بحقوقها ومشاريعها التى تسعى لإقامتها والتى كان يحول بينها وبين أن ترى النور رأس المال الذى لم يكن متوفراً لكى يمضى ذلك البلد الفقير فى إتمام أحلامه، لابد أن تعلم أن إثيوبيا ليست ذلك الحصان الجارح الذى انطلق بعنف نحو أهدافه، فقد ظلت أحلامها على الورق طيلة عقود مضت لا تستطيع أن تحولها لواقع ملموس.
< وما الذى تغير على وجه التحديد؟
- ما حدث أن الاقتصاد العالمى متمثلاً فى الكيانات الثرية الباحثة عن الاستثمارات أياً كانت امتد بصرها لتلك المنطقة المهملة من العالم سواء الخليجية منها أو الأوروبية والأمريكية وبتنسيق من البنك الدولى الذى وضع يده على معظم مصادر الثورة فى العالم الذى وضع بين أولوياته الموارد المائية كثروة ينبغى الحفاظ عليها واستثمارها ومنع إهدارها.
< ولكن ألم يكن كل ذلك متوقعاً؟
- بالطبع كان هناك أحاديث وخطوات تجرى ورغبة جارفة لدى بعض القوى للتسلل لتلك المنطقة من العالم لكن اللافت فى الأمر بالنسبة لنا أنه رغم وجود وزير متخصص فى هذا الشأن ذى مركز قوى فى الحكم، إلا أننا لم نعرف من خلاله أن المشكلة معقدة لهذا الحد.. وبالرغم من أن مؤسسة الرى المعنية بالأمر من البديهى أنها تعرف بجذور المشكلة وما يجرى على الأرض بل وتشارك فى المؤتمرات والندوات فى حوض النيل لكنها ساهمت

فى تعقيد الأزمة بدلاً من أن تكون أداة لحلها.


< كيف ذلك؟
- عمدت عبر مسئوليها المتواترين على عدم طرح الحقائق كاملة للرأى العام للحد الذى جعل تلك المؤسسة تهتم بتبسيط كل أزمة تطرأ فى الأفق والتهوين من قدر المخاطر الحقيقية وكأنها باتت مسئولة عن دغدغة مشاعر الرأى العام وبدلاً من أن تلقى الضوء على عمق الأزمنة وضرورة البحث عن أدوات لحلها اكتفت بأن تقوم بدور تخدير للرأى العام من خلال التأكيد على أن الاتفاق كامل مع دول حوض النيل ولا يوجد سوى نقاط خلاف بسيطة للغاية تتراوح ما بين 3 : 5٪.
< ما الذى أثار انتباهك أيضاً حول الطريقة المتخلفة التى تعاملنا بها مع الأزمة؟
- ما يفاجئنى للآن أنه ومنذ عقد اتفاقية 59 بين مصر والسودان والإشارات الصادرة من دول حوض النيل قوية حول تحفظاتهم بشأن الحصص التى نحصل عليها، هناك نقطة أخرى وهى أن الدولة حينما تكون ذات ثقة تصبح ذات اعتبار يراعيها القاصى والدانى، فمصر وقعت اتفاقية 59 مع تجاهلها لعناصر كثيرة كان ينبغى التشاور لأجلها مع دول حوض النيل غير أن ثقل مصر كان أكبر من أن يجعلها تقبل بتدخل بريطانيا الاستعمارية أو قبولها لاعتبارات الإمبراطور الإثيوبى حلا سياسيا الذى كان يتحرك بأوامر أمريكية.
< إذن المشاكل التى نواجهها قديمة فى هذا الملف؟
- بالطبع فمنذ نهاية الخمسينيات ونحن إزاء مشكلات لكن مركزك وثقل نفوذك كان يسمح لك بتجاوزها، لكن حينما جاءت مبادرة مياه النيل عام 1997 قامت على أساس وضع اعتبارات للمصالح المتنوعة لدول الحوض، إذ إن المطلوب على مدار الوقت هو دراسة التوازن لهذه المصالح ومنذ عام 1997 بدا واضحاً أن دول حوض النيل تريد اقتسام المياه ودوائر البنك الدولى ترتب لزيادة الاستثمارات المختلفة فى دول حوض النيل، ومن ثم أصبحت مسائل مياه النيل مثارة فى المنتديات الدولية، وأعتقد أنه فى محاولات ترضية مصر اختيرت رئيساً للمؤتمر الدولى للمياه مطلع الألفية، وفى هذا المؤتمر اعترف بحقوق الدول من المياه وأضيفت عبارة تراعى المصالح.
< إذن خرجنا بسلام من هذا المؤتمر؟
- لا، لقد وصل الأمر لأبعد مما كان يتخيل البعض، فقد وصل التدخل الدولى للحد الذى طرحت قضية تسعير المياه وتم إقرار هذا الأمر من حيث المبدأ فى ذلك المؤتمر.
< إذن نحن بصدد كارثة جديدة؟
- بالفعل يجب أن نحذر من أن الكارثة أو الورطة القادمة تتمثل فى قضية تسعير المياه.
< ومن بوسعه وضع آلية ذلك؟
- جهات عديدة على رأسها البنك الدولى.
< على أى أساس سيجرى التسعير؟
- على أساس أن لكل دولة نصيباً من المياه، والدولة التى تحتاج لمزيد من تلك السلعة تقوم بشراء ما تحتاج إليه بالسعر الذى سيحدد.
< إذن لابد أن نعد للأمر عدته؟
- «ضاحكاً».. مفروض طبعاً لكن من سيقوم بذلك.. الدولة فى زمن مبارك خلال سنوات كانت رخوة لا تقدر للأمر خطورته، وفى حالة مرسى ها أنت ترى لا تستطيع أن تمد نفوذها لوسط البلد فكيف تطلب منها أن تبسط نفوذها لأوساط وأعالى إفريقيا.. إنت بتحلم.
< قلت له ومن قبيل الحلم أيضاً هل بات نهر النيل خارج السيطرة المصرية؟
- أصبح النفوذ الدولى بصدد أن يسيطر على تلك الثروة عبر استثمارات هائلة تتعطش لها تلك الدول، وكان من المفترض أن تلبى أنت هذا الدور لكن ظللت طول الوقت تتعامل مع إفريقيا بصلف وغرور واستكبار حتى خرجنا من الملعب ودخل لاعبون أكثر حنكة وتجربة فكان ما كان وبقيت أنت تبكى على «اللبن» المسكوب وتطلق لهجات التهديد ونسيت أنك فى زمن لا يصلح معه التهديد.
< تقصد تهديدات مرسى الأخيرة بشأن أن كل الخيارات مطروحة فى التعامل مع إثيوبيا؟
- تهديدات مرسى وغيره من بعض رموز الدولة أو حتى بعض من تحدثوا فى القضية وهددوا أو طالبوا بالحل العسكرى هذا كله عمق الأزمة ولا يمكن أن يساهم فى حلها بأى حال من الأحوال ولا أفهم كيف يفشل مرسى فى بسط نفوذه على منطقة وسط القاهرة ثم يهدد إثيوبيا التى تبعدنا بمئات الآلاف من الكيلومترات.
< وكيف تنظر لسبل معالجة الأزمة؟
- هناك مشكل خاص بمصر عن طريق معالجتنا للنزاعات والخلافات التى تطرح فى هذا الملف، وهذا المشكل خاص بالأجهزة التى من المفترض أن لها علاقة بالقضية فهى متشابكة فيما بينها وفى طليعتها مؤسسة الرى وأجهزة المخابرات ووزارة الخارجية، فضلاً عن مؤسسة الإعلام التى تستهدف على مدار الوقت استخدام لغة هجومية غير علمية وليست مدروسة مما يؤدى لاستفحال المشكل وليس حله.
< وماذا عن مؤسسة الرى على وجه التحديد؟
- تلك المؤسسة التى كنا نقول إنها المؤسسة الوطنية الوحيدة العارفة بالمشكلة فى رأيى أنها شديدة البيروقراطية من ناحية ومليئة بالمرتزقة من المتعاونين مع الدوائر والشركات العالمية وبيوت الاستشارات الدولية فى مجال مشاريع المياه.
< فضلاً.. تقول عن مؤسسة الرى إنها مليئة بالمرتزقة؟
- نعم أقول ذلك عن تجربة، وللأسف هذه المؤسسة تعلم كل شيء لكنها سيئة التقدير ونظام العمل بها وهيمنة البيروقراطية تجعل من مسئوليها مجرد تابع للوزير القادم مهما كان توجهه.
< وما الدليل على ذلك؟
- الدليل أنه توارد على منصب وزير الرى خلال الفترة الماضية بعد الثورة ثلاثة وزراء من مدارس مختلفة ظل موقف مؤسسة الدعاة منهم موقف التابع الأمين لكل منهم بدون أن تكون لها اجتهاداتها التى تطرح رأيها عبر أبحاثها ومعلوماتها من هذه القضية أو تلك.
< بالإضافة إلى ما سبق هل هناك فرص لم نستثمرها فى ذلك الملف؟
- إذا نظرنا على سبيل

المثال لاتفاقية «عنتيبى» منذ إعدادها منحت فرصاً للتفاوض طوال الوقت حول إمكانيات الحوار حول المصالح المتبادلة وكان لابد من الفصل بين اتفاقية عامة ستبقى لأطول مدة متضمنة معنى توازن المصالح والتفاوض حولها كاتفاقية وبين التفاوض المباشر مع إثيوبيا حول مشروعات السدود التى تريد إقامتها أديس أبابا وذلك لأن هذه المشاريع تتعلق بتفاصيل إمكان القيام بمساهمات تقنية مصرية تقوم بها مصر وإمكان جذب المساعدات العربية عن طريقنا نحن وليس من خلال الالتفاف من وراء ظهورنا.
< وما الذى كان من الممكن إحرازه فى هذا الشأن؟
- كان من الممكن من خلال تقديم مساعدات فنية نمتلكها بالفعل لإثيوبيا أو غيرها من بلد أن حوض النيل أن نضمن القيام بمشاريع زراعية مهمة تعود بالنفع على كل الأطراف، فضلاً عن أننا كنا سنضمن الحفاظ على مناطق نفوذها هناك وفى ذلك هدف عظيم، حيث كان بوسعنا أن تكون أهم أطراف التعاون فى تلك المشاريع التى تقام هناك ومن ثم التفاوض بشأن ما يقلقنا أو يهددنا نحوها.
< وما المشكل الذى وقعنا فيه بشأن تلك الاتفاقية؟
- نحن لا نفصل بين إمكان التراضى مع الأطراف فى توقيع الاتفاقية وبين أن نتعاون حول المشروع بشكل مختلف يضمن مصالحنا بالنسبة لـ«عنتيبى» وما حولها كان هناك مبكراً علاقتنا مع جنوب السودان كان ممكن أن نصيغها بشكل أفضل، لقد واجهنا توتراً مع شمال السودان بشكل غير مفهوم، فضلاً عن الموقف مع الكونغو، إذ نتعامل على أساس علاقة الود التاريخية القديمة وهذا غير صحيح لأن الاقتصاد ولغة المصالح التجارية باتت هى اللغة الشرعية فى المعاملات، فنهر الكونغو من أكبر أنهار العالم، وأقيمت عليه أكبر مشروعات توليد الكهرباء «سد أنجا» الذى يعد أكبر سدود العالم وشرع فيه منذ عشر سنوات ومن المقرر إنجازه ما بين 2014: 2017 وبالطبع سيؤثر فى حجم الطاقة المتاحة للتصدير والتداول.
< وماذا تأمل الدول المطلة حول حوض الكونغو؟
- تريد الكونغو تزعم تكتلاً يضم رواندا وبوروندى وأوغندا وتنزانيا فيما يشبه المنافسة مع تكتلات أخرى كل ذلك يأتى فى إطار الصراع بين مصالح رأسمالية عالمية كبرى تسعى للاستفادة من إمكانات تلك الدول.


< إذن هناك تكتلان الأول حوض الكونغو والثانى حول حوض النيل؟
- بالطبع وما أريد أن ألفت النظر له أننا لو كنا دولة فاعلة أو ذات معنى لكان لنا دور إزاء هذه التكتلات والتوازنات لنحصد بعض ثمار مشاريعها بدلاً من أن تقطف الثمار دول أخرى ومؤسسات من أقصى أطراف العالم فيما نحن نغرق فى الحديث حول حديث المجاعة والعطش والتهديد بشن الحروب.
< ما الذى على المفاوض المصرى أن يدركه وهو يتعامل مع ذلك الملف؟
- لابد أن يضع فى ذهنه هذا الاعتبار «العولمى» فى القضية فلابد أن ندرس أين رأس المال العربى ورأس المال الصينى والهندى المشارك بقوة فى سد النهضة وتوابعه وذلك لأن السد لا يعنى مجرد الاستثمار فى عمليات بناءة فقط، والذى تقوم به شركة إيطالية بينما تسوق الطاقة شركة إسرائيلية وهاتان الشركتان وما تقومان به يعد أضعف الحلقات فى المشروع الإثيوبى، وذلك لأن الأطراف الأخرى المشاركة أكبر من ذلك بكثير وتبدأ من ضمان إقامة هيكل السد وتنتهى بالعائد من المياه والمساحات المستخدمة حوله من الأراضى، بالإضافة للترتيبات الاجتماعية للقبائل المحيطة فى المنطقة، هذا بالإضافة لمشروعات زراعية حيوية وأهم ما تهدف إليه إثيوبيا هو أن تنظم المياه يوفر للمؤسسات المالية الكبرى فرصاً زراعة واسعة للزراعات الحيوية التى ترغب فيها السوق الأوروبية والتى تحتاج لملايين الأفدنة.
< إذن، بوسع إثيوبيا أن تتحول لمزرعة خاصة بالاحتياجات الأوروبية؟
- بالطبع هى تسعى لذلك وهذا أهم ما تستهدفه من خلال مشروع سد النهضة وملحقاته.
< كذلك فإن ما سبق وذكرت يوحى بأننا سنواجه بحرب مع القوى الكبرى العالمية إذا ما قررنا اعتماد الحسم العسكرى؟
- قلت لك من يتحدث لغة الحل العسكرى مغيب ولا يدرى بما يجرى حوله.
< بماذا تنصح الدوائر العربية المساهمة فى مثل تلك المشاريع؟
- أحذرها من تكرار تجربة مريرة حدثت فى سبعينات القرن المنصرف حينما وضع العرب نحو ثلاثين مليار دولار للشركات الأوروبية فيما سمى بالطرف الثالث فى التعاون العربى الإفريقى الذى قاده الرئيس الفرنسى الأسبق جيسكا رديستان حيث قامت دول خليجية بضخ تلك المليارات للمشروع ولم تجن منه شيئاً، ولم يسفر عن إنعاش الدول الفقيرة.
< هل بوسع الإخوان مواجهة تلك المشروعات؟
- الإخوان مشغولون بسيناريوهات التمكين ولم يتح لقاءاتهم أى تفكير منظم لمواجهة أى مخاطر أو تهديدات تواجهها الأمة.
< يشبهون مبارك فى التعامل مع الأزمة؟
- مبارك انشغل بدعم الدول الأمنية للمحافظة على عرشه فيما انشغل الإخوان بالتمكين فى عهد مرسى وفى الحالتين مصر غابت عن الوعى وتاهت منها البوصلة، لذا من الطبيعى أن تصبح إفريقيا التى كانت على رأس مناطق نفوذنا ملعباً مفتوحاً للكبار والصغار من دوننا.
< لماذا تؤمن بأن النزاع على المياه لن يسفر عن نشوب حرب؟
- لأنه لم يحدث على مدار التاريخ أن قامت حرب بسبب صراع على المياه فأى خلافات تحل بواسطة التفاوض والحلول الأخرى.
< لكن أزمة المياه قد تسفر عن مجاعة تشهدها مصر؟
- مصر تواجه مشكلة مياه منذ عهد محمد على الذى واجه التحدى بأكبر شبكة سدود أنشأها على النيل فى مصر والسودان، وبالتالى فهذا الفزع من وجود سد النهضة أو غيره غير مبرر بل يجب التعامل معه وفق وسائل علمية مدروسة، هذا بالإضافة لإدراكنا أن معظم ما يأتينا من حصة من مياه النيل إنما يأتى وفق مشيئة إلهية لم تتغير منذ قرون والأفارقة يتذرعون دوماً بأن المياه التى كانت تأتينا كانت تكفى لعشرين مليون نسمة باتت تكفى لتسعين مليون مواطن وبالتالى هم يرون أننا نهدر المياه ويستشهدون بارتفاع المساحات التى نزرعها من الأرز خلال الأعوام الأخيرة.
< وكيف ترى تعامل الحكام الجدد مع الأزمة؟
- يريد أن يضعنا النظام فى مأزق كبير متى ننسى فشله فى التصدى للأزمات التى تواجهها وعجزه عن إحراز أهداف الثورة.
< هل فى الأمر خطورة ما؟
- طبعاً.. التصعيد مع إثيوبيا وغيرها من البلدان الإفريقية ليس فى مصلحتنا ولا بديل سوى التفاوض.
< وما العمل؟
- لابد من دراسة الحالات المشابهة من النزاعات والحوار مع الدول المشاركة فى السد لأنها تسعى نحو استثمارات كبرى وبوسعنا أن نكون شريكاً فى إحدى تلك المشروعات، ولكن كل ذلك كان يستدعى أن نكون دولة لنا نفوذ وثقل حقيقي، كذلك النفوذ الذى كنا نمتلكه عند إنشاء السد العالى.
كان لابد أن يكون لنا ثقل فى التعامل مع الصين والخليج وإيطاليا وسائر الدول المشاركة فى تلك المشاريع لكن للأسف أصبحنا دولة رخوة بلا ثقل بعد أن بات الهم الأكبر للإخوان تدشين نفوذهم والسيطرة على مفاصل الدولة.
< وما رأيك فيمن يؤكد إمكانية اللجوء للإسلاميين فى العمق الإفريقى من أجل إجبار إثيوبيا على التراجع عن مشاريعها؟
- هذا رأى يكشف عن سذاجة أصحابه وأتحدى الإخوان ورئيسهم أن يلجأوا لمثل هذا الحل وذلك لأن القوى الكبرى وأمريكا تحديداً على تماس بمناطق النفوذ من إفريقيا والعالم. لقد بات الإسلاميون خاتماً فى أصبع صانع القرار الأمريكى يديرهم لخدمة مصالحه.
< هل يدهشك ذلك الأمر؟
- يدهشنى للغاية فقد تعلمنا من الإخوان فى السابق أن أمريكا هى العدو الأكبر، لذا فمن المحزن أن يهرول مرسى نحو المزايدة على الموقف الأمريكى فى سوريا من أجل البقاء فى منصبه. إنها فضيحة بكل المقاييس.

بطاقة شخصية
< محمد حلمى شعراوي، أستاذ علوم سياسية وخبير شئون إفريقية ومؤسس مركز البحوث العربية والإفريقية.
< تخرج فى قسم الاجتماع جامعة القاهرة عام 1958.
< مسئول حركات التحرير الإفريقية فى مصر من 1975 إلى 1960.
< أستاذ علوم سياسية بجامعة جوبا - السودان من 1981 إلى 1982.
< خبير العلاقات العربية الإفريقية بالمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم من 1982 إلى 1986.
< الرئيس الأسبق للجمعية الإفريقية للعلوم السياسية.
< أمين لجنة الدفاع عن الثقافة القومية منذ عام 1979.
< مدير مركز البحوث العربية والإفريقية.
 

أهم الاخبار