رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

مصر ورومانيا يا ثورة ما تمت!

حوارات وملفات

الأربعاء, 08 مايو 2013 07:18
مصر ورومانيا يا ثورة ما تمت!
كتب: أحمد السكري

المصائب تجمع المصابين، هكذا حال مصر ورومانيا بالنسبة لثورتيهما. هكذا تجمع المصريون والرومانيون علي شيء واحد وهو انحراف الثورة عن طريقها الذي كان مرسوما لها في بادئ الأمر ثم حادت عنه، ولم يشفع للثورة المصرية الدماء التي سالت ولا الأرواح التي زهقت تحت حلم الوطن الحر وعودة قيم العدالة الاجتماعية.

وتدرك جماعة الإخوان المسلمون جيدا أن المعارضة الوحيدة لهم تتمثل في شباب الثورة وفرط حماستهم ومدي استعدادهم لتقديم أرواحهم في سبيل استكمال مكتسبات الثورة، الأمر الذي ظهر جليا في مواقع العباسية والاتحادية وأحداث شارع محمد محمود ومن ثم دأب النظام الحاكم في مصر علي التفتيش في دفاتر الثوار لتشويههم معنويا ومحاولة تقديمهم للمحاكمة بحجج يدرك القاصي والداني مدي زيفها وبعد عن الواقع، فبدءا من حبس حسن مصطفي ومحمد عواد وانتهاء بأحمد دومة ومرورا باستشهاد كريستي وچيكا والحسيني أبوضيف، يظل الثوار وقود الثورة وحطبها ونارها.

يا عزيزي كلنا فلول
في رومانيا استولت جبهة الخلاص الوطني علي الحكم، وتعقدت الأمور أكثر وأكثر، وفي مصر وصلت جماعة الإخوان المسلمون لسدة الحكم، وساءت الأمور أكثر، فطوال العام المنصرم وعلي مدار 12 شهرا تقريبا من إدارة الجماعة لدفة الأمور في البلاد ومصر تعيش في أزمات سياسية واجتماعية واقتصادية شديدة، وهو ما دفع الكثيرين الي القول بأن نهاية الثورة المصرية ستكون مثل نهاية ثورة رومانيا، والتي قضي عليها باختيار ديكتاتور آخر خلفا لـ«تشاوشيسكو» ليحكم البلاد، بينما في مصر استبدلنا الحزب الوطني بجماعة الإخوان المسلمين التي سيطرت علي كل شيء في البلاد في محاولة لأخونة الدولة.
وتتشابه الملابسات وظروف كلتا الثورتين في محاولات الإجهاض التي تعرضت لها الثورة المصرية، سواء بوصول الفلول لجولة الإعادة أو وصول محمد مرسي لسدة الحكم ومحاولة تصفية الثوار والناشطين السياسيين بعد ذلك بمحاكمات وبلاغات واهية تارة وبالقتل والتصفية الجسدية تارة أخري.

السيكوريتات
قامت الثورة الرومانية في ديسمبر 1989 بسبب الأوضاع الاقتصادية السيئة وسياسة التقشف التي اتبعها الرئيس تشاوشيسكو وسيطرة الحزب الشيوعي الحاكم علي موارد البلاد، ناهيكم عن سياسته الديكتاتورية والقبض بيد من حديد علي المعارضين والحكم الشمولي للحزب الاشتراكي الروماني الذي كان يماثل الحزب الوطني، وعلي نفس وتيرة الثورة المصرية خرجت المظاهرات في الشوارع تطالب بسقوط النظام.
اندلعت شرارة الثورة الرومانية بسبب الدولة البوليسية والبوليس السري المنتشر في كل مكان، الأمر الذي أدي لقمع الحريات والتنكيل بمن لا يمتدح الحزب الشيوعي الحاكم، ونظام التقشف الصارم الذي اتبعه تشاوشيسكو لإدارة البلاد من أجل تسديد كل ديون رومانيا في سنوات قليلة فاشتمل هذا التضييق علي كل موارد الدولة حتي التليفزيون الرسمي، تم تقليل قنواته لتصبح قناة واحدة تبث لمدة ساعتين فقط يوميا، كما كان يتم قطع الكهرباء لساعات طويلة خاصة في الليل من أجل التوفير مما جعل الشعب يعيش في فقر شديد.
وابتدع نيكولاي تشاوشيسكو فكرة «القائد المعبود» فكان يتم استغلال الإعلام والأحداث الرياضية في الملاعب والشوارع له وزوجته والحزب الشيوعي الحاكم وقام بمشاريع تعكس جنون العظمة عنده مثل إنشاء «بيت الجمهورية» شديد الفخامة والأبهة وهو أكبر قصر في العالم وأيضا متحف شاوشيسكو والمستقبل الشيوعي الضخم مما أرهق ميزانية الدولة أعباءً إضافية.
وأصيب تشاوشيسكو بجنون العظمة في نهاية حياته فكان يطلق علي نفسه القائد العظيم والملهم ودانوب الفكر «نسبة لنهر الدانوب» والمنار المضيء للإنسانية والعبقري الذي يعرف كل شيء وكان لا يقبل أي انتقاد ولا يبدي أي رحمة لمعارضيه ومما زاد في غروره وفي جنون العظمة عنده وجود المنافقين حوله يصفونه بأوصاف مبالغ فيها كوصفه بيوليوس قيصر وبالإسكندر الأكبر ومنقذ الشعب وأن عصره هو العصر الذهبي وبأنه الشمس التي تشع الدفء.
وقمع كل المعارضين اعتمادا علي جهاز شرطته السري الوحشي سيئ السمعة «السيكوريتات» وأكبر شبكة من الجواسيس والمخبرين في أوروبا الشرقية وسرعان ما انقلبت شعارات من قبيل «نريد الخبز» الي «يسقط تشاوشيسكو»، وفي يوم الكريسماس سنة 1989، وبعد ثلاثة أيام من فراره من منصبه تم إعدام تشاوشيسكو وزوجته إيلينا رميا بالرصاص.

الشعب يريد إسقاط النظام
بعد أن استطاع ثوار رومانيا التخلص من رأس الأفعي وتمكنت «جبهة الإنقاذ الوطني» التي تشكلت من

قيادات الصف الثاني بالحزب الشيوعي الحاكم، وبمساعدة جنرالات الجيش علي مقاليد الأمور، وهذا هو وجه الخلاف الوحيد بين الثورتين المصرية والرومانية فجبهة الإنقاذ بقيادة «ايون ايليسكو» كانت تابعة مباشرة للحزب الشيوعي الحاكم، أما في مصر فقد جاء جنرالات الجيش بجماعة الإخوان المسلمين التي كانت محظورة طوال 81 عاما وتم منحها شرعية تكوين حزب سياسي وباسم الدين نجح هؤلاء في تمرير التعديلات الدستورية الكارثية في 19 مارس من العام الماضي وباسمه أيضا نجحوا في الوصول للبرلمان وحصلوا علي الأغلبية وبدأوا في السعي لتشكيل الحكومة، بل الوصول الي منصب رئيس الجمهورية، وكأن الثورة قامت لتحل جماعة الإخوان المسلمين محل الحزب الوطني المنحل ويصبح الاثنان وجهين لعملة واحدة.
وشهدت رومانيا موجات متعاظمة واعتراضات شديدة بسبب سيطرة الحزب الشيوعي علي مقاليد الحكم مرة أخري، وخرج الطلبة في مظاهرات مما جعل الجبهة الحاكمة تسخر وسائل الإعلام لتشويه صورة الثورة والثوار، الأمر الذي تكرر في مصر سواء أثناء حكم المجلس العسكري أو بعد تولي جماعة الإخوان المسلمين الحكم، وحاول الحزب الشيوعي إيجاد أزمات متوالية في السلع الأساسية والوقود لإيجاد رأى عام مضاد للثورة، وهو النهج نفسه الذي انتهجه النظام الجديد في مصر. كما تم تشويه صورة أحزاب المعارضة الحقيقية، وفي يناير عام 1990، قام عمال المناجم بمساعدة رجال الشرطة بالهجوم علي الطلبة والمثقفين أثناء تظاهرهم احتجاجا علي اختطاف الثورة علي يد أعضاء الحزب الشيوعي المنحل بعد أن قام ايليسكو بتحريض العمال وأطلق عليهم لفظ «المواطنين الشرفاء» وفقدت رومانيا 942 قتيلا بسبب أحداث الانفلات الأمني المفتعلة فيما بعد القبض علي تشاوشيسكو، بينما راح ضحية الثورة الأولي إبان حكم الديكتاتور 162 شخصا فقط، وأصيب 2245 جريحا بينما أصيب 1104 أشخاص فقط في أحداث الثورة، المفارقة الغريبة أن أحداث مصر لم تختلف كثيرا عن ذلك، حيث أسفرت الثورة المصرية عن 848 شهيدا و5500 مصاب بينما بلغ ضحايا الفترة الانتقالية 2286 شهيدا و7811 مصابا نتيجة الاعتداءات علي المتظاهرين في فض اعتصامات ميدان التحرير المتكررة، والاعتماد علي المتظاهرين أمام السفارة الإسرائيلية، ثم أحداث ماسبيرو وشارع محمد محمود ومجلس الوزراء ثم مجزرة بورسعيد، بالإضافة الي حوالي 16 ألف معتقل يحاكم عدد كبير منهم أمام المحاكم العسكرية الآن.

مسلسلان وسيناريو واحد!!
الناظر ملياً لتسلسل الأحداث في مصر يدرك جيدا مدي تشابه السيناريو الذي تسير فيه الآن مع ما حدث في رومانيا، بل إن حالة الفوضي التي تعيشها مصر الآن وما تسبب فيه الانفلات الأمني ومحاولات تأليب الشعب علي بعضه، والصراعات الموجودة بين التيارات السياسية المتصارعة، سواء كانت دينية أو تابعة للفلول، كل هذه الحالة من الفوضي والارتباك ترشح ثورة مصر لتفوق الثورة الرومانية وتنتهي الي لا شيء.
يعيد التاريخ نفسه لأن معظم الناس لا سيما الحكام لا يستمعون إليه في المرة الأولي، وعلي نهج الثورة الرومانية يري البعض أن الثورة المصرية تسير بنفس الوتيرة، فلم تستقر رومانيا بعد ثورتها ولم تتقدم ولم تصبح دولة مدنية ديمقراطية حيث تولي الرئاسة بعد الثورة إيون ايليسكو وهو أحد رجال الرئيس السابق تشاوشيسكو فقام ايليسكو بالانتقام من الثوار عن طريق الاعتقالات والاغتيالات والإعدام لبعض الثوار بمحاكم عسكرية وبتهم ملفقة، واستطاع إفشال الثورة الرومانية وسرقتها، فالشعب الروماني أطاح بديكتاتور ليأت بديكتاتور آخر اسمه إيون ايليسكو.
كان الشعب في بداية ثورته يحتفل بحرق صور الديكتاتور وكان يلتقط الصور التذكارية أسفل مركبات ومدرعات الجيش، وكانت رومانيا تغني للثورة وكان طلاب الجامعات والمدارس يتهيأون لخلق زعامات شابة وجديدة من بينهم وكانت القوي الديمقراطية المعادية

للشيوعية البائدة ولحكم تشاوشيسكو تستعد للتحول الديمقراطي لكن فجأة اكتشف الشعب أنه أمام أوهام وأن الثورة بالفعل نجحت في أن توقظهم من كابوس تشاوشيسكو لكنها لم تنقلهم لحلم وذهب صدي الثورة وباتت في ذمة التاريخ.
امتدح ايليسكو الثورة واحتفي بها في البداية وعد نفسه من الثوار كما حاولت جماعة الإخوان المسلمين في مصر ايصال ذلك للمواطنين والترويج بأنهم اضطهدوا واعتقلوا في عهد النظام البائد ثم حدث انفلات أمني رهيب في رومانيا تبين فيما بعد أنه من تخطيط ايليسكو حيث بدأت مجموعات من الأشخاص المجهولين يهاجمون بيوت الناس و المنشآت الحيوية وراح جنود الجيش يتصدون لهم حتي أصبحت رومانيا ميدان حرب مما تسبب في إحساس المواطنين بالهلع وانعدام الأمن، ومع الانفلات الأمني المتعمد ارتفعت الأسعار وأصبحت الحياة صعبة للغاية.
في الوقت نفسه لعب الإعلام الخاضع للنظام دورا مزدوجا فهو من ناحية ساهم في نشر الذعر عن طريق الشائعات الكاذبة المتوالية، راح الإعلام يمعن في تشويه صورة الثوار وتوالت الاتهامات لمن قاموا بالثورة بأنهم خونة وعملاء ويتلقون أموالا من الخارج من أجل إسقاط الدولة وتخريب الوطن، ومع الهلع والأزمات الطاحنة، تأثر المواطنون بحملات التشويه الإعلامي وبدأوا يصدقون فعلا أن الثوار عملاء، الأمر الذي اتبعه النظام مع حركات 6 أبريل ومنسقي حركات العدالة والحرية وكفاية.

الثورة مستمرة ولو كره المتأسلمون!!
عندما أحس الثوار بأن ايليسكو يسعي لإجهاض الثورة نظموا مظاهرة كبيرة رفعت شعار: لا تسرقوا الثورة، فما كان من ايليسكو إلا أن وجه نداء عبر شاشات التليفزيون الي المواطنين الشرفاء، طالبهم بالتصدي للخونة، واستدعي الآلاف من عمال المناجم وأشرف علي تسليحهم فاعتدوا علي الثوار، وقتلوا أعدادا كبيرة منهم، وكانت هذه نقطة النهاية لثورة رومانيا، فقد استتب الأمر بعد ذلك لإيون ايليسكو ورشح نفسه للرئاسة وفاز بالمنصب لدورتين متتاليتين في انتخابات مزورة، وهكذا، بعد أن كانت الثورة الرومانية مفخرة تحولت الي مادة للتندر والسخرية، والسبب الرئيسي لفشل الثورة الرومانية أنها كانت نصف ثورة فقط وليست ثورة كاملة ثورة أطاحت بطاغية واكتفت بذلك ولم تقم بالإطاحة برجال النظام السابق.
لذلك فإن أوجه الشبه والاختلاف بين رومانيا ومصر هو أن سقوط الديكتاتور لم يعن انتقال السلطة للثوار بل انتقلت الثورة بعد ما يشبه الانقلاب من داخل النظام، واعتبر الناشط السياسي وعضو الأمانة العامة لاتحاد الشباب التقدمي الجناح الشبابي لحزب التجمع الدكتور محمد الخزرجي أن إيون ايليسكو لا يختلف مطلقا عن محمد مرسي فكلاهما أتي بانتخابات مشكوك في شرعيتها وبعد ثورتين رائعتين ولكن مرسي استشف تجربة ايليسكو تماما فأدخل البلد في دوامة الانهيار الاقتصادي والانفلات الأمني واستخدم الإعلام لتشويه الثوار وإلصاق التهم بهم بل تخطاه مرسي في تحريض الشعب علي الثوار والدعوة لحرب أهلية حين خاطب المواطن المصري قائلا: إذا عطل أحد المتظاهرين المرور انزل من عربيتك وأجبره أنه يفتح الطريق، وهي دعوة صريحة للاقتتال الأهلي، فكما سلح ايليسكو عمال المناجم ضد مظاهرات الطلاب الجامعيين الذين خرجوا لتصحيح مسار الثورة استخدم محمد مرسي ميليشياته المعدة سلفا واصطدم مع الثوار في ثلاثة مواقع حتي الآن بدأت بجمعة كشف حساب ثم موقعة الاتحادية فالمقطم وأيضا إحالة النشطاء الي المحاكم وتلفيق التهم لهم وحبسهم فبعد الثورة في كلا البلدين تتم محاكمة الثوار الحقيقيين في حين أن بقايا النظام السابق في قصر الرئاسة يعقد معهم الصفقات، وأكد «الخزرجي» أن التاريخ لن يعيد نفسه وأن مصر ليست كرومانيا وأن الشعب المصري يرفض الاقتتال الأهلي حتي وإن كان مدعوما من رئاسة الجمهورية وأن جماعة الإخوان المسلمين المسيطرة علي الحكم الان أقلية وسيهزمهم الشعب المصري الثائر ولن يجلس مرسي علي رأس السلطة عشر سنوات كما فعل ايليسكو فمرسي لن يكمل مدته.
ويري رامز المصري المتحدث الإعلامي للجبهة الحرة للتغيير السلمي أن التشابه واضح بين الإخوان وبين الحزب الشيوعي المنحل بقيادة إيون ايليسكو في رومانيا الذي سعي لتحجيم الثورة وحصارها، وإطلاق العنان لجماعته في التحكم في كافة مفاصل ومؤسسات الدولة، ونوه الي أن أوجه التشابه كثيرة وكأن مرسي يسير علي خطي إيون ايليسكو لكن المشكلة الوحيدة هي أنه لم يستطع إبرام صفقات مع قيادات الجيش المصري لأن مصر جيشها له عقيدة وطنية وليست عقيدة سياسية أو دينية علي عكس ما فعله إيون ايليسكو مع الجيش لكن فعل مرسي مثلما فعل ايون ايليسكو حيث سيطر علي وزارة الإعلام بوزيره المتحرش ولكن مازالت معركته مع الإعلام الخاص.
ونفس أسلوب التنكيل بشباب الثورة الذي استخدمه الحزب الشيوعي المنحل في رومانيا يستخدمه الإخوان باتهامهم بالعملاء والجواسيس والعمالة للخارج وتلقي التمويل من الجهات الخارجية، وحصولهم علي الأجندات الأجنبية ثم بدأ محاكماتهم والتنكيل بكل من يعارضه بحجة المرحلة الانتقالية وأنه وحده القادر علي توصيل مصر الي بر الأمان وكأنه يسير علي خطي إيون ايليسكو بكل دقة، وهنا يتضح جليا أن الإخوان يسعون جاهدين إلي إجهاض الثورة مثلما حدث برومانيا ولكن الخلاف الذي حدث طفيف فمن يقوم بهدم الثورة المصرية هو الشريك الخفي لنظام مبارك الذي خرج الشعب عليه من دون الإخوان وأسقطه بينما توجهه قيادات الإخوان الي إبرام الصفقات مع عمر سليمان.

 

أهم الاخبار