4‮ ‬قصص مأساوية في مصنع الموت

حوادث وقضايا

الجمعة, 17 ديسمبر 2010 18:10
كتبت: شيرين طاهر

ترك مصنع التريكو والملابس الجاهزة الذي انهار يوم الأحد الماضي بمنطقة الحضرة القديمة في الإسكندرية عشرات القصص المأساوية للضحايا والمصابين العائدين من تحت الأنقاض بالمصنع المنهار. تحتاج كل قصة منها الي عشرات الصفحات لتروي تفاصيل ساعات الرعب واللحظات الفارقة بين الموت والحياة من بين هذه القصص قصة العامل‮ »‬محمد مصطفي‮ ‬84‮ ‬سنة‮«‬،‮ ‬تقول ابنته‮ »‬إيمان‮« ‬ربة منزل‮: ‬كنا نشعر سوف يحدث لوالدي،‮ ‬وطلبنا منه كثيرا ان يترك العمل في المصنع،‮ ‬لكنه رفض وقال لنا أنتم تريدون أن أجلس في البيت مثل السيدات وتذهبون أنتم للعمل،‮ ‬وتصرفون علي،‮ ‬هو الكون اتشقلب ولا إيه‮.. ‬انا الراجل المفروض أسعي وأنفق عليكم‮. ‬وتفيد ان والدها لم يشعرنا في يوم أنه خرج للمعاش وكان يبذل كل ما في جهده لكي نعيش في حال أفضل لكن ظروف الحياة الاقتصادية كانت أعلي من والدي فقد كان يعمل نهارًا في المصنع وليلا بأحد المحلات لكي يستطيع ان ينفق علينا أنا واشقائي الثلاثة ورفض والدي ان‮ ‬يترك اشقائي الدراسة لمساعدته،‮ ‬حتي أنا المتزوجة عندما كنت أحضر له أموالاً‮ ‬كان يرفضها،‮ ‬ويقول لي إنها ليست من حقة لأنها من تعب زوجي وهو الأولي بها‮.‬

وتضيف قبل الحادث بيومين أصيب والدي بإنفلونزا،‮ ‬ولم يستطع الذهاب للمصنع يوم السبت وعلم من زملائه ان مسئول المصنع خصم له من الراتب رغم أنه كان مريضًا ولم يستطع السير،‮ ‬إلا أنه صمم علي الذهاب للمصنع يوم الحادث رغم أنه كان مريضًا وكنا نرفض نزوله من المنزل،‮ ‬وكأننا نشعر بأن شيئًا سوف يحدث له،‮ ‬ولكنه قال سوف أذهب وأموت هناك،‮ ‬لأنهم خصموا لي من الراتب،‮ ‬أنتم أحق باليوم الذي‮ ‬يخصم علشان مصاريفكم،‮ ‬وتوجه للمصنع‮.‬

وتعجبت‮ »‬إيمان‮« ‬وقالت كأن المصنع منتظر والدي لكي ينهار فوق رأسه فقد وصل إلي المصنع الساعة‮ ‬11‭.‬30‮ ‬لينهار فوق رأسه الساعة‮ ‬12واثناء انهياره كنت أتحدث معه في المحمول للاطمئنان عليه وسمعت صوت صراخ وقال لي إلحقونا المصنع ينهار

فوق رؤوسنا وبعد ذلك انقطع الخط وقمنا بإبلاغ‮ ‬المباحث وحضرنا علي الفور ننتظر خروج والدي علي أمل أن يكون مصابًا مثل الباقين ولكن للأسف خرج والدي جثة هامدة‮.‬

أما القصة الثانية فيرويها والد القتيلة‮ »‬سلوي إبراهيم‮« ‬ويبكي عم إبراهيم صادق‮ »‬بالمعاش‮« ‬ويقول‮: ‬حسبي الله ونعم الوكيل في صاحب المصنع كان يأكل حقهم وهم أحياء ويضيع حقهم وهم أموات،‮ ‬من الذي يرضيه ذلك‮.‬

ويقول‮: ‬حتي هذه اللحظة لم تعلم زوجتي بان‮ »‬سلوي‮« ‬ماتت لانها مريضة بالسكر ومصابة بشلل في يدها بسبب حادث حرق تعرضت له،‮ ‬لذلك أرفض ان اقول لها خوفا من ان يحدث لها هي ايضا شيء لان‮ »‬سلوي‮« ‬كانت الرجل بتاعنا لانها هي التي كانت تتحمل الانفاق علي البيت وهي طفلة عمرها‮ ‬13‮ ‬سنة خرجت من المدرسة عندما وجدتني لا استطيع الانفاق علي دراستها هي وشقيقتها ولكي لا تشعرني بأني عاجز عن الانفاق عليهم وتحججت بأنها لا تريد ان تكمل تعليمها لانها لا تحب الدراسة وخرجت تبحث عن عمل،‮ ‬والتحقت بالعمل في المصنع رغم انهم كانوا يمتصون دماءهم إلا أنها كانت تتحمل من اجلي انا ووالدتها وشقيقتها،‮ ‬خاصة ان والدتها مريضة وتحتاج الي مصاريف علاج عالية‮.‬

ويضيف‮: ‬كانت‮ »‬سلوي‮« ‬تعمل بكل طاقتها ليلا نهار وفي ورديات من أجل أن توفر لنا احتياجاتنا وترفض أي عريس يتقدم لها من اجل ألا يأخذها ويبعدها عنا ولم نجد أحد ينفق علينا فقد ضحت بالزواج من أجلنا ولكنها لم تعلم بأن الموت كان أقوي منها‮.‬

وفي يوم الحادث كانت النوة شديدة وطلبت منها ألا تذهب للمصنع خوفا عليها ولكنها خافت من صاحب المصنع ان يخصم من الراتب وهي تعلم اننا في حاجة

الي كل مليم ونزلت من ورائي وانا اجلس علي المقهي مع صديقي وعندما علمت بانهيار المصنع من الاهالي حمدت ربنا انني رفضت نزول ابنتي من البيت وهرولت مسرعا الي المنزل لكي آخذها في حضني انها كتب لها عمر جديد ولكن المفاجأة انني اكتشفت انها ذهبت للمصنع من ورائي توجهت مسرعًا الي المصنع من كثرة قلقي نسيت ان ارتدي حذاء في قدمي من الصدمة لأجد المصنع منهارًا ورجال الدفاع تقوم باخراج العاملين من تحت الانقاض وظللت ثلاثة ايام منتظرًا جثة نجلتي لأجدها تخرج مشوهة من تحت الانقاض‮ .‬

وتعالت صرخات‮ »‬مروة أحمد‮« ‬12‮ ‬سنة عاملة،‮ ‬وهي من المصابين الذين تم انتشالهم من تحت الانقاض التي تعالت صرخاتهم عندما علمت ان شقيقتها التوأم‮ »‬صفاء‮« ‬12‮ ‬سنة خرجت جثة هامدة من تحت الانقاض وقالت اختي فقدت حياتها بسبب باكو باسكوت،‮ ‬انا وشقيقتي منذ ان فتحت اعيننا علي الدنيا واحنا مرتبطين ببعض فوق الوصف،‮ ‬حتي لما خرجت من المدرسة لأن والدي لم يستطع الانفاق علي مصاريف الدراسة قررنا احنا الاثنين ترك الدراسة وحضرنا الي المصنع اشتغلنا فيه وفي يوم الحادث كانت‮ »‬صفاء‮« ‬تعمل في الماكينة التي بجواري وتوجهت الي المخزن لاحضار البسكويت وفجاة سمعنا صوتا قويا وشعرنا بهزة ارضية وكأن قنبلة انفجرت ثم وجدنا نور المصنع والماكينات وكأن شيئًا يسحبنا الي اسفل وقمنا بالاختباء تحت ترابيزات الماكينة وكان ما يتردد علي لسان الضحايا يارب اشهد إن الا اله الا الله محمد رسول الله حتي دخلت في‮ ‬غيبوبة وفتحت عيني وانا هنا في المستشفي وعندما سألتهم عن شقيقتي‮ »‬صفاء‮« ‬قالوا لي انها في حجرة اخري إلي ان حضر شقيقي يبكي وقتها علمت بأن‮ »‬صفاء‮« ‬راحت والموت فرقنا عن بعض‮.‬

وقالت رشا عبدالحميد أحمد‮ ‬23‮ ‬سنة‮: ‬أعمل منذ عامين بالمصنع وأتقاضي‮ ‬550‮ ‬جنيهاً‮ ‬في الشهر وكنت موجودة بالدور الثالث أمام ماكينة خياطة أتحدث وزميلتي وفجأة وجدت الأدوار العليا تنهار فوق رؤوسنا واحتمينا أسفل منضدة الخياطة والأرض تتشقق من تحت أرجلنا ولحسن الحظ كانت صديقتي تمسك بالتليفون المحمول الخاص بها وكانت تضئ لنا المكان الذي كان يشبه ظلمة القبر‮. ‬وكنا نتحدث سوياً‮ ‬لنطمئن علي بعضنا البعض‮. ‬وأضافت‮: ‬بعد‮ ‬5‮ ‬ساعات وكانت حوالي الساعة الخامسة والنصف بعد المغرب بدأنا نسمع أصوات المنقذين وتحدثنا معهم وطلبنا منهم استخدام اللوادر خوفاً‮ ‬من دهسنا‮. ‬وظللنا علي أوضاعنا حتي امتدت أيادي المنقذين إلينا‮. ‬وكتب الله لنا النجاة من تحت الانقاض‮.‬

 

 

 

 

أهم الاخبار