رئيس حزب الوفد

بهاء الدين أبو شقة

رئيس مجلس الإدارة

د.هانى سري الدين

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

بريد الوفد..ريم

حوادث

الخميس, 29 أغسطس 2019 19:36
بريد الوفد..ريم

كتب - رامى المنشاوى /إشراف - شادية السيد:

ليست هذه هى مرته الأولى فى الحديث عنها، وكلما تطرق لذكر اسمها انتابه حال أشبه بأحوال الدراويش أثناء هيامهم ووجدهم وتسبيحهم الصامت فى الملكوت، بريق فى العين، ثم تركيز مع مخارج الأحرف التى يخرجها فمه، فكأنما يستعذب الكلمات حين يتحدث عنها أو يهمس باسمها، أو أن السماء قد وكلته بمسئولية هذا الكائن الآدمى الذى يحمل اسم ابن آدم والحيوان فى أن واحد ومعًا، فكأنما قد أوتى حظه من الدنيا بأن تحيا فتاتنا جامعة بين تركيبة ابن آدم وذلك الكائن المرهف التى نالت من الدنيا حظ اسمه، حيث «ريم»

وفى كل مرة كان يتطرق صاحبنا- مأمون العابد- فى الحديث عنها أو ذكر تفصيلة قد مرت بها كان ينتابنى تركيز هو فاعله مع سبق الإصرار والترصد عبر ذلك الحال الذى يتبدى عليه وتلك الهيئة التى تتلبسه، هائمًا فى ترديد الاسم مع صدى ما حولنا، وكأنما يريد لجلوس المقهى مشاركة عذوبة الاسم وترديده «ر ى م»، ومع ترديد اسمها عبر لسانه، كنت أخترق سنا عينيه للتعرف على طبيعة الحس والانفعال والمشاعر التى يملكها صاحبنا لتلك الفتاة التى لم أعرفها ولم أرها ولم يتبد لى منها سوى ثلاثة أحرف فى لغتنا، تحمل صفة الغزال برقته وعذوبته وبراءته، كان صاحبنا يذوب عبر الحرف الأخير، فما أن ينطقه حتى تجده قد تبدد بمفهوم أهل الطريق، وسر حرف الميم بتمايله ورقته وانسدال خطه من أعلى لأسفل، ثم ميم أخرى ناعسة رقيقة على السطر كأنما تنعم بنومة ملائكية على سطر من نور قد أدارت رأسها فأضحت فى وضع ورسم دائرة الحرف، بينما تمددت الروح مع مفعول الحرف بانحناءة ملقاة على السطر، فلتقل عزيزى القارئ إن الفاعل فى هذا هو صاحبنا مأمون العابد الذى كان ينطق الاسم فى عذوبة فجعلنى وجعلك نسترق السمع وندقق البصر فى تفكيك بنية الاسم وتدبر إيقاعه ورسم شكله.

قال لى مأمون العابد: أتعلم؟

فأجبت: ماذا أعلم؟

فقال: ليس كل من ادعى الوصل بطريق الله والحضرة الإلهية موصول، هل سمعت يومًا عن قول الشاعر «كل الناس مفتون بليلى»؟

فأكملت البيت «ولكن ليلى مفتونة بمن؟

ثم أكمل صاحبنا العابد: هذه الفتاة هى نموذج

للوصل بلا تعقيد أو زيف أو إدعاء، لها طلة من زهد يتسرب إليك فلا تملك أمامها سوى التسبيح لله، فى صياغته لهذا القالب الروحى، هذه الفتاة هى نموذج
لحالة الحضور التى تنتاب الدراويش لحظة هيام الروح داخل الحضرة الإليهة، بلا تصنع ولا زيف ولا مساحيق تجميل. لا أعلم لما تنتابنى تجاهها مسئولية إنسانية أعقد بكثير من الحس الأخوى، هل أقول لك شيئًا ولا تعتبرنى فقدت عقلى؟

قلت له: أسمعك فأكمل هو: فى أحيان كثيرة، أظنها ابنتى التى لم أنجبها، كل الجهد أبذله لمحاولة تطويقها من أراذل القوم ممن يحيطوننا فى العمل، بعض اللحظات تعترينى نزعة تعهد بالحفاظ عليها، أمدها أوقات بما أقرأه، أتوقف أمام عقلها لمحاولة تبصرتها ببعض الأمور. لا أعلم سر وصلى بهذه الفتاة وشعوى بهذا الحس من المسئولية والتعهد لها.

سألته: وماذا يعمل أبوها؟

أجاب مأمون العابد: أبوها فى دار البقاء، ارتحل عن دنياها منذ بضعة أعوام قاربت على التسع، لا أعلم لما استشعر أحياناً، كأنما يأتينى بلا رؤية ودون أن أراه ليوصينى بها خيرًا، يشد على يدى، ويقول لى فى صمت أو لغة غير منطوقة أو غير مفهومة: «احفظ العهد».

سألته: هل لها أسرة وحياة مستقلة؟

فأجاب: هى فى هذه الدنيا بصحبة أمها، تمرضها وتداوى ألمها فى صمت، كل جهدها فى الحياة هى اتساقها مع ذاتها، ترى نفسها متخلفة عن ركب كثيرين فى مثل عمرها، لا أعلم أكان هذا بسبب تلك الحياة التى عاشتها أم هو منهاج قد اخترته لنفسها؟

كان صوت أم كلثوم يأتى خفيفًا من بعيد على الروح كأنما تحمله بعض نسائم هذا الليل، «الليل.. الليل.. ودقت الساعات تصحي الليل» أبدع مرسى جميل عزيز فى صياغة كلمات هذه القصيدة، ويبدو أن الست قد تلقتها رويدًا فاختمرت بحشاها وأخرجتها لنا بهذه الدفقة التى تخترق أرواحنا، وجدتنى

مع الليل وصوت الست وكلمات مرسى جميل عزيز أغمض عينى مستندًا بظهرى على المقعد ومادًا قدمى للأمام، تراءت لى ريم، محاولة السفر عبر الأزمنة وترك مجال الجسد، فسحة الروح للتجوال فى عالمها دون إذن منها، فكأنما صرت طيفًا داخل بيتها أرقبها فى صمت وتأدب، انتابنى هذا الحس وهذا التطواف دون دراية منى، ريم.. ثوب طفولى أشبه بثوب الأطفال مزركش بزهور برتقالية وضفيرة شعر لفتاة تبدو فى مظهرها أنها بلغت المحيض غير أن لروحها وبدنها حضور طفل داخل جسد فتاة مكتمل النضوج، شاهدتها وهى تدخل غرفة والدتها، تطمأن إلى نومتها الهادئة، ثم تطبع قبلة على الجبين واليد اليمنى، تترك باب الغرفة منفرجًا قليلًا، لتخرج عابرة الصالة إلى غرفتها حيث صورة لـ«فتاة الجليد- سنو وايت» بجوار أدواتها الملقاة على المكتب، تزين الحائط المقابل صورة للفتاة صاحبة الشعر الأسطورى «روبنزول» الرواية الخيالية التى بهرت الأطفال كون الفتاة تحمل كرامة الشفاء إذ مس شعرها جريح. وهى بثوبها الطفولى تسير بخطى خفيفة كأنما كان الاسم قد طبع على روح صاحبته معناه، فكانت ريم ريمًا رقيقًا يسير بخفة وبراءة وعذوبة بين أركان الغرفة، فتحت ريم نافذتها، استقبلت نسيمًا حلوًا بصدرها، تنسمته بعمق، قالت بصوت مسموع: «لقد تأخرت عزيزى كثيرًا، وطالت غيبتك، ربما أعد لك فى مساء كهذا كوب من مسحوق الكاكو، أنا أحبه، وستحبه معى، كما أننى أحضرت لك موسيقى حالمة إذا سمعتها ستطرب لها، أنا أعرف أنك تهيم مثلى فى الموسيقى، الكون كله يسبح مع مزامير داوود، والموسيقى هى صوت الجمال فى ملك الله نراه بآذاننا مثلما نرى جمال الخلقة والطبيعة بأعيننا، لا يعنينى كل ما يذكره من حولى ومن يجاوروننى، ومن يمصمصون شفاههم، خوفًا أن يفوتنى قطار الزواج والإنجاب، أنا أعلم أنك فى طريقك إلى هنا، ثم نعاود تذكار وقفتى هنا، وحيدة، وعندما تأتى سأقوم بضربك على كتفك كونك تركتنى طيلة هذا الوقت، ولن أطلعك على الخطابات التى أكتبها لك كل يوم، لكنى أشم ريحك، وسترانى أعرفك حتى وإن جهلتنى أنت بين جموع الناس، هل جربت مرة أن تكون روحك هى بوصلتك، أنا أسير إليك ببوصلتى وأتنسم عبيرك ببوصلتى، وأصلى دائمًا لله أن يحفظك».

غفت ريم على نافذة غرفتها، استكان الجفنان، فبان اللون البنى للجفن أسفل العين، لون بنى يسرق القلب والعين، لون بنى بلا مسحوق للتجميل، لون حيث تحيا الريم فى غابتها الودودة، استراحت زهرات البرتقال على ثوبها، ثمة عصفور على الثوب هو الآخر استكان لغصنه هادئًا وديعًا وناعسًا، سرى الصوت حالمًا من مئذنة مسجد سيدى عبدالرحيم النشابى «فــرج بفضــلك يــا إلهــى كــربنـا.. ارحـم بعفــوك يـــا إلهــى ضعفـنا.. نـــور بعلمـــك يـــا إلهـــى قلبنـــا.. يـأخير مـــن مـد الأنـام لــه يـدًا».

أهم الاخبار