حنان البدري تكتب:

أمريكا تسعي لحماية نظام الحكم في مصر

حنان البدري

الخميس, 27 يناير 2011 21:13
واشنطن - حنان البدري


يخطئ من يعتقد أن واشنطن قد فوجئت تماماً بثورة الشارع التونسي، ذلك علي الرغم من حالة الذهول التي هيمنت، ولازالت علي أورقة صنع القرار الأمريكي نتيجة السرعة التي أسقط بها الشارع التونسي نظاما حليفا للولايات المتحدة واسقط معها مفهوما كان راسخاً لزمن طويل ربط دوما بين خيار تفعيل ديمقراطية حقيقة وبين المخاوف من وصول اصوليين الي سدة الحكم وهذا آخر ما تريده واشنطن.

لقد كانت لدي ادارة اوباما قائمة تحدد الدول الهددة وترتيبها علي أساس حجم الاحتقان الداخلي، وكانت تونس من بينها لكنها لم تكن أبدا علي رأس القائمة لذا وقبل التأكد من خروج زين العابدين بن علي سارعت واشنطن بإعادة قراءة اوراقها وليس إعادة صياغتها لتتفاعل مع الأمر ونصب عينيها هدف نهائى وهو منع سريان العدوي التونسية لبقية الشارع العربي، وذلك بالتزامن مع تعامل مباشر وفوري مع ما يحدث بتونس وليس خافيا علي أحد كيف حاولت واشنطن الاتصال بأصحاب الشأن في تونس - كما وضح مما سرب تونسياً لاحقاً عن اتصال السفارة الامريكية بتونس برئىس الاركان اللواء رشيد عمار وابلاغه بضرورة الاخذ بزمام الأمور إذا ما حدث فلتان، ثم اتصال هيلاري كلينتون بوزير الخارجية كمال مرجان ورئىس الحكومة الجديدة الغنوشي وذلك قبل وصول مساعدها جيفرس فيلتمان الي تونس الاثنين لمتابعة الأمور هناك، وبغض النظر عن تصريحاته باسم حكومة اوباما حول استعداد الولايات المتحدة لتقديم الدعم المطلوب في اطار دعم ما يريده الشعب التونسي - حسبما وصفه - فإنه من الضروري اعادة قراءة كلمة هيلاري كلينتون في الدوحة والتي حملت تحذيرا للقادة العرب من سأم الشعوب نتيجة الفساد، وتحديدا حين قالت »ان الذين يتمسكون بالوضع الراهن كما هو قد يتمكنون من الصمود امام مشاكل بلدانهم لفترة قصيرة ولكن ليس للأبد، وان اخرين سيملأون الفراغ اذا ما فشل القادة في اعطاء رؤية إيجابية للشباب وسبل حقيقية للمشاركة«.

الكلام واضح إذن هذه الدعوات العلنية للقادة امام شعوبهم لا تعني بالضرورة ان واشنطن مهتمة بتفعيلها، فالشرق الاوسط الكبير والمحافظة علي استقراره وهدوئه مازالت سياسة امريكية قائمة ولم يتغير محتواها حتي مع وصول اوباما فقط تغير الشكل فبدلاً من خطاب ادارة بوش - تشيني بطريقة فرد العضلات،

اختار اوباما نفس المضمون ولكن عبر استخدام دبلوماسية ناعمة فواشنطن المشغولة بتأمين حدود نفوذها في ذلك الشرق الأوسط الكبير وكذلك افريقيا لتدشن وراثة فرنسا وانجلترا في كل القارة السمراء بثرواتها لن تسمح بأي تعكير لهذا الهدوء لذا ارجو ان لا يصدم من يراهنون علي التصريحات الامريكية العلنية حول دعم الديمقراطية حين يعلمون تفاصيل مشهد التعاطي الامريكي الحقيقي مع ملف الديمقراطية في مصر وغيرها من الدول العربية تحديداً، وهو تعاطي لم يغفل متابعة دقيقة لما يحدث في مصر علي مدي الاعوام القليلة الماضية، متابعة لم تغفل أي شيء بدءاً من تحركات النقابات لا سيما العمالية واتجاه الرأي العام لدي كافة طبقات المجتمع المصري ومروراً بقياس نفوذ مختلف التوجهات السياسية في البلد لا سيما الاخوان واضراب المعارضة وشباب الجامعة، فصولاً لاسعار السلع ومدي توفرها.. الخ. باختصار كان هناك رصد امريكا لكل تفاصيل الواقع المصري في انحاء القطر وهذا موضوع آخر نفصله في مقال لاحق ولكن أود الإشارة هنا الي الرصد الامريكي لتوقعات تفاعل الشارع المصري مع كل من الشرطة والقوات المسلحة، وهو رصد تم تعميمه في التقارير الامريكية عن مختلف الدول العربية التي شملتها قائمة التوقعات التي سبق الاشارة اليها.

ان هاجس حدوث أي هزات في مصر كما لاحظت من خلال نقاشات مع متنفذين في واشنطن قد تعاظم امريكياً، وهؤلاء لم ينفوا قناعة إدارة اوباما بضرورة منع حدوث أية هزات في مصر لأن تداعياتها ستكون اوسع نطاقاً وأكثر تأثيراً في محيط مصر العربي، لذا فمن الواضع ان التحرك الأمريكي الحالي يمكن تلخيصه في النقاط التالية:

* العمل وبسرعة علي ابلاغ الانظمة وبشكل »حاسم« بضرورة التعاطي السريع والانفتاح مع مطالب الشارع بكل توجهاته مع التركيز علي العامل الاقتصادي ودون تلكؤ، ومطالبة هذه الانظمة بمحاربة الفساد، والتقليل من بطش التعاطي البوليسي مع الشارع، ومنح المعارضة الفرصة ولو بشكل محدود للتفاعل مع مطالب الشارع.

* وضع خطة امريكية لمساندة مشاريع التنمية في تلك البلدان مع التركيز علي دعم فئات بعينها »الشباب والنساء« وذلك لاستعادة المشاعر الايجابية نحو امريكا »علي نسق تلك التي عمت الشارع المصري في بداية انفتاح الرئيس السادات«، باختصار فإن واشنطن وهي تعمل علي احتواء سريان عدوي ثورة تونس في المنطقة، تعلم جيدا ان نجاحها في مسعاها ذلك سيتوقف علي المتطوراث في مصر، فمصر هي رأس الحربة لأنها الدولة الكبري في المنطقة والتي رغم مشاكلها وفقرها وتقلص تأثيرها علي مستوي المنطقة إلا ان شارعها احتفظ بتأثيره التلقائى علي شعوب المنطقة، ووفق المفهوم هنا في واشنطن فإن الولايات المتحدة لن تتوقف الفترة القادمة وهي تتحدث علنا وعلي المستويات الرسمية وغير الرسمية لا سيما الاعلامية عن مطالبات للنظام المصري بانتهاج واضح للديمقراطية، لن نتوقف عن متابعة ما يحدث في مصر واعادة النظر في سجل التوقعات وللعلم لم يغفل قط الاضطرار للانحياز للشارع ولكن وفق اطار محدد يضمن للولايات المتحدة وبالتالي للمصالح الامريكية.

وقد بقيت تلك القناعات علي الطاولة الامريكية حتي الساعات الاولي من صباح الثلاثاء »امس الاول« وحين بدأت المعلومات والتي ترصد سير يوم الغضب بمصر تتوالي علي واشنطن، وحيث اجبرت هذه التفاصيل صانع القرار الامريكي علي اعادة قراءة المشهد المصري مجدداً وهي قراءة لا تتعارض مع الهدف الامريكي الاساسي والسالف ذكره لمنع انتشار عدوي تونس، هذه القراءة الجديدة اعتمدت علي رصد ملامح جديدة وغير متوقعة مثل ارتفاع نسبة الشباب في اوساط المتظاهرين وكذلك وجود شباب ليست لديهم انتماءات أصولية لدي السواد الاعظم للمتظاهرين، إضافة لطبيعة الهتافات التي كانوا يرددونها، وهذه النقطة الاخيرة تحذيرا توقف امامها صانع القرار الامريكي قبل ان يصل الي نتيجة وهي نجاح المصريين في كسر حاجز الخوف من الحصار البوليسي الذي يمثل الدولة.

هذه الملاحظة تحديداً ربما كانت تمثل محركاً اساسياً في اعادة واشنطن لقراءة الموقف في مصر وبالتالي تحديد كيفية التعامل مع مصر علي اساسها، وليس خافيا انه وخلال الساعات القليلة الماضية ان الاصوات المتعالية منذ فترة في الأروقة السياسية بواشنطن وتحديدا في مراكز صنع القرار والتي تطالب بعدم تمسك الادارة الامريكية، حتي النهاية بتعضيد نظام لم يعد يحظي بشعبية الشارع، قد بدأت في الوصول الي ادارة اوباما والتي عكف مسئولوها المعنيون علي اعادة قراءة الموقف الامريكي المفترض وفق المستجدات الحادثة في الشارع المصري وقد خرجت وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون بتصريحات. وكذلك مسئولو الخارجية، وقد قال لي احدهم صباح الثلاثاء ان واشنطن تتابع الأمر وتؤيد حق تعبير المصريين والتظاهر السلمي، وعندما سألته عن توجهات ادارة اوباما المبدئية أهي مع الشارع أم مع الحكومة سكت برهة قبل ان يرد بحرص ما مفاده أن علي المصريين مناقشة خصوصياتهم مع حكومتهم، الرسالة واضحة اذن وهي انه في ساعة الجد فإن واشنطن ستحترم خيار الجماهير.