رئيس حزب الوفد

بهاء الدين أبو شقة

رئيس مجلس الإدارة

د.هانى سري الدين

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

هل يدان ذاك؟

حمدي عبد العزيز

الأحد, 11 سبتمبر 2011 09:59
بقلم- حمدي عبد العزيز

"كما تدين تدان"، كلمات نقرأوها ونسمعها كثيراً، ولعلنا نستعيدها الآن عندما نرى الفرعون، المخلوع، قد بلغ من العمر أرذله، يساق على سرير متحرك (واقعاً أو إفتعالاً)، ليحضر جلسات محاكمته أمام قاضيه الطبيعي، المتهم فيها، مع ابنيه ووزير داخليته، ومساعدي الأخير بقتل المتظاهرين السلميين خلا أحداث ثورة 25 يناير..

ونظراً لأننا شعب يتسم بالعاطفة الجياشة، فإن مشهد رقوده على سرير المرض، ربما أثر في قلوب كثير من المصريين، وكأنه يستعيد لأذهان الكثيرين – مع الفارق – حكاية "النشال"، الذي يضبط متلبساً في أحد باصات النقل العام، وعندما يريد الضحية أو أحد المتعاطفين معه الاقتصاص من "الحرامي" ينادي عليه الراكبون قائلين: اتركوه هذه المرة.. يعود لأولاده!.. وإن شاء الله يتوب.

لكن الكثيرون منا، يعودون، إلى رشدهم وسكينتهم، فيما يتعلق بموقفهم من محاكمة المخلوع، عندما يذكرنا قادة الرأي، من العلماء والمثقفين والساسة، بألا نشمت فيه، وننتبه لمستقبلنا، وندع الكلمة الفصل للقضاء العادل والنزيه.. لكن "أولاد المخلوع" يأبون ذلك، ويستعيدون أساليباً بالية، لـ (أمن الدولة المنحل)، في الدعاية لذاك وأسرته، أو الدعاية ضد الثورة المصرية وشبابها ومقاصدها.. آملين أن تعود عقارب الساعة إلى الوراء.. ولكن هيهات.. هيهات.

وإذا كنا راضين على الصمت على عدم إحالة المخلوع (لمحكمة خاصة) برموز النظام السابق، حتى لا نعود لفترة المحاكمات العسكرية، التي حاول ذاك أن يقيم لها قضاءً موازياً وفق قانونها العسكري بل قام بتعديل دستوري خاص بها، فإننا لابد أن نستغرب من بعض فصول هذه المحاكمة، حيث لا يلتزم ذاك

بزي المسجونين، ويحصل أولاده داخل وخارج أسوار قاعة المحكمة على معاملة غاية في اللطق والرقة، ناهيك عن المماحكات والتطويل التي لا تصب في صالح العدالة مطلقاً.. وقد تصرف إنتباهنا على أولويات الثورة.

وبرغم المعاملة الـ (سبع نجوم) لذاك المخلوع وأولاده وأركان حكمه، والتعامل برفق مع (الفلول) بدءاً من زوجته إلى أركان نظامه السابق، إلا أن مشهد المحاكمة نفسه، يجعلنا نقول: "كما تدين تدان"!.

وأتذكر في هذا السياق أنني كنت أعمل ضمن فريق من الحقوقيين والمحامين والصحفيين، لمراقبة إحدى المحاكمات العسكرية، عام 2006م واستمرت لما يقرب من عام ونصف (من المفارقة تلت فقرات إستعراضية لطلاب الأزهر، ولم يدان فيها الطلاب، ونفخت فيها وسائل إعلام مستقلة، بما أعطى فرصة سانحة للنظام الأمنوقراطي لتوجيه ضربة قوية لمفاصل الإسلاميين الطلابية والإقتصادية والتنظيمية).

لقد انطبقت على المسجونين في تلك القضية مواصفات مصطلح "سجناء الرأي"، وأهدرت حريتهم رغم أحكام قضائية متتالية، قبل أن يحكم عليهم بأحكام قاسية، لمدد تتراوح بين 3- 7 سنوات.. وطوال أيام المحاكمة كان الآلاف من المتعاطفين يذهبون إلى خارج قاعات المحكمة العسكرية في منطقة الهايكستب لساعات طويلة، رافعين لافتات الحرية والعدالة، دون اصطدام مع أحد.. ما زاد من إحترام جنود الشرطة والجيش معهم.

هذه لم تكن المحاكمة العسكرية الوحيدة في عهد ذاك، بل عقدت عشرات المحاكمات

للمعارضة الإسلامية، السلمية والعنيفة، على السواء، ولم يكن معظمها يستند لأدلة مادية، وأتذكر من بينها محاكمة شاب حاصل على كلية دار العلوم، حيث تم إعدامه بتهمة التخطيط لأحد عمليات المواجهة المسلحة، (وأعتقد أن النتائج الأسوأ كانت ستتحقق لو أنه خطط ونفذ بالفعل، حيث كان سيلتحق بعض أفراد عائلته بالقضية إعتقالاً وسجناً وإعداماً).

وطوال ثلاثين سنة من حكم ذاك تدهورت مكانة مضر وأوضاعها الداخلية لتهبط أسفل خط الكفاف الإنساني، حيث اتسعت دوائر الفقر والجريمة والمشكلات الاجتماعية.. وأصبح التعذيب ممنهجاً في السجون والمعتقلات والأقسام ومقار أمن الدولة، وحدث ولا حرج عن هدر الإنسان وحالات القتل المتكررة تحت التعذيب والغياب القسري.

والآن يحاكم المخلوع وبعض رموز حكمه في قضيتين فقط هما: قتل المتظاهرين والفساد، وكان الأولى أن تقام له محكمة خاصة على ما تسبب فيه من جرائم لمصر وشعبها، إلا أننا بدلاً من ذلك نوافق على تنظيم محاكمة عادلة له أمام القضاء الطبيعي أملاً في إدانته بما يستحق .. ونواجه مؤشرات وتطورات تستدعي القلق العميق، ليس فيما يتعلق بمجريات المحاكمة فحسب بل ما يرتبط بما يقترفه "فلول" ذاك ونظامه الأمنوقراطي أيضاً، (وبرغم أن هذه المؤشرات والتطورات واضحة للعيان نجد أن النظام العسكري الإنتقالي ومعظم القوى السياسية تتناسى أننا في مرحلة ثورية وتدخل في مساومات من أجل ترتيب مرحلة ما بعد مبارك وليس مرحلة ما بعد نجاح الثورة).

هذه الأمور المقلقة قد تستنفر الشباب أو تزيد من قلق المراقبين لتطورات الثورة المصرية، إلا أن مشهد محاكمة المخلوع ورقوده على السرير (سواء كان حقيقياً أو دعائياً)، هو بداية الإدانة السماوية للمخلوع، التي قدرها الله تعالى على يد الشعب المصري وشبابه.

ربما يتوب المخلوع، كما فعل صدام حسين بعد كل ما ارتكبه من جرائم، لكن سر بين العبد وربه.. ولكن ما يهمنا هو أن إدانته بدأت.. ولن تكون بعيدة عن كل من يقترف مظالم إزاء حقوق الناس في بلادنا.