الحزب الوطنى‮.. ‬ينحاز للأغنياء

حسين عبدالرازق

الخميس, 30 ديسمبر 2010 18:09
بقلم: حسين عبدالرازق

لا‮ ‬يستطيع أى مصري‮ ‬مهتم بالشأن العام أن‮ ‬يتجاهل المؤتمر السنوى السابع للحزب الوطني‮ ‬الديمقراطى الذى افتتحه الرئيس حسني‮ ‬مبارك‮ - ‬رئيس الحزب‮ - ‬مساء السبت الماضى واستمر لمدة ثلاثة أيام،‮ ‬ولا‮ ‬يعود ذلك لقوة الحزب وشعبيته التي‮ ‬يدعيها قادته،‮ ‬ولا لاتساع عضويته والتى بلغت ‮٣ ‬ملايين و357‮ ‬ألفاً‮ ‬و138‮ ‬عضواً‮ - ‬كما‮ ‬يقول زكريا عزمى الأمين العام المساعد لشئون التنظيم في‮ ‬الحزب‮ - ‬وإنما لسبب رئيسى هو اغتصاب هذا الحزب لسلطة الحكم طوال‮ ‬32‮ ‬عاماً‮ ‬عبر تزوير منهجى للانتخابات العامة،‮ ‬وكون رئيس الحزب هو رئيس الجمهورية،‮ ‬آخذين في‮ ‬الاعتبار أن رئيس الجمهورية في‮ ‬مصر‮ - ‬وطبقاً‮ ‬لدستور‮ ‬1971‮ - ‬هو صاحب القرار الوحيد،‮ ‬سواء كان قراراً‮ ‬سياسياً‮ ‬أو تنفيذياً‮ ‬أو تشريعياً‮ ‬أو إدارياً‮!‬

وقد عقد المؤتمر تحت شعار‮ »‬فكر جديد‮.. ‬علشان تطمئن علي‮ ‬مستقبل أولادك‮«‬،‮ ‬وشعار‮ »‬الفكر الجديد‮« ‬ارتبط ببروز دور‮ »‬جمال مبارك‮« ‬السياسى كشريك لرئيس الجمهورية في‮ ‬الحكم ورويث قادم للمنصب،‮ ‬وإنشاء لجنة السياسات،‮ ‬وهو الشعار الذى عقد المؤتمر العام الثامن للحزب في‮ ‬ظله عام‮ ‬2002‮ ‬وظل‮ ‬يتكرر مع كل مؤتمر سنوي‮ ‬منذ المؤتمر السنوي‮ ‬الأول عام‮ ‬2003‮ ‬وكان شعاره‮ »‬الفكر الجديد‮.. ‬وحقوق المواطن‮«‬،‮ ‬وتحول فى المؤتمر السنوي‮ ‬الثاني‮ ‬عام‮ ‬2004‮ ‬إلي‮ »‬الفكر الجديد‮.. ‬وأوليات الإصلاح‮«‬،‮ ‬وفي‮ ‬العام الماضى‮ ‬2009‮ ‬كان الشعار‮ »‬الفكر الجديد‮.. ‬من أجلك أنت‮«.‬

والفكر الجديد حسب ما قاله جمال مبارك‮ ».. ‬رؤية مفصلة لمجتمعنا المصري‮.. ‬كيف‮ ‬يعمل وكيف‮ ‬ينمو مجتمع قائم علي‮ ‬الوسطية الإيجابية،‮ ‬يعلى من فهم المواطن وحقوقه‮.. ‬ويؤمن بدور جميع فئات الشعب فى المسيرة الوطنية،‮ ‬مجتمع قيم‮ ‬يستمد الصدق والنزاهة والوئام والتضامن من أدياننا السماوية،‮ ‬يحمي‮ ‬الضعيف ويحافظ علي‮ ‬غير قادر،‮ ‬مجتمع تتضامن جميع فئاته لمواجهة مصاعب الحياة‮.. ‬مجتمعنا مجتمع الحرية في‮ ‬الرأي‮ ‬والكلمة‮.. ‬حرية ترعي‮ ‬الآخر وتحترم رأيه‮.. ‬مجتمعنا‮ ‬يقوم علي‮ ‬الثقة،‮ ‬ثقة في‮ ‬النفس تسمح لنا بأن نقتحم العالم وأن نخاطب دون خوف أو ريبة‮«. ‬وبصرف النظر عن الإنشائية الواردة في‮ ‬هذا التعريف لشعار الفكر الجديد،‮ ‬فعملياً‮ ‬انقسم الفكر الجديد إلي‮ ‬محورين أساسيين‮:‬

‮- ‬الإصلاح الاقتصادى والاجتماعى‮.‬

‮- ‬الإصلاح السياسى‮.‬

والإصلاح الاقتصادى هو تأكيد للسياسات المعتمدة منذ عام‮ ‬1974‮ ‬في‮ ‬عهد الرئيس الراحل أنور السادات والقائمة علي‮ ‬التحول إلي‮ ‬نوع من الرأسمالية‮ »‬المتوحشة‮« ‬والتي‮ ‬تعمقت خلال التسعينيات من القرن الماضي‮ ‬في‮ ‬ظل الرئيس حسني‮ ‬مبارك‮.‬

وأعلن الرئيس مبارك فى المؤتمر السنوى الثاني‮ ‬للحزب في‮ ‬كلمته في‮ ‬ختام المؤتمر عام‮ ‬2004‮ ‬أن الإصلاح‮ ‬يتطلب انسحاب الدولة من عملية الإنتاج،‮

‬وتزايد الاعتماد علي‮ ‬القطاع الخاص وتوفير ‮٢ ‬مليار جنيه كموارد جديدة له،‮ ‬ودخول القطاع الخاص في‮ ‬مجالات حيوية كانت حكراً‮ ‬علي‮ ‬الدولة منها توليد الطاقة والاتصالات وإدارة الموانئ والمطارات،‮ ‬وتنفيذ برنامج الخصخصة ببيع وتصفية‮ ‬172‮ ‬شركة فى مختلف القطاعات وبيع نصيب الدولة في‮ ‬695‮ ‬شركة مشتركة بين القطاعين العام والخاص،‮ ‬وتشمل التصفية والبيع طبقاً‮ ‬للبيانات الرسمية شركات صناعية وخدمية وبنوكاً‮ ‬وشركات تأمين‮.‬

وحدد المؤتمر العام التاسع للحزب عام‮ ‬2007‮ ‬ثلاثة محاور رئيسية أكد عليها الرئيس مبارك،‮ ‬من بينها‮ »‬توفير الحماية الاجتماعية للفقراء ومحدودى الدخل،‮ ‬باعتبار أن العدالة الاجتماعية ركن أساسى في‮ ‬سياستنا العامة‮. ‬إنها العدالة في‮ ‬توزيع ثمار النمو والتنمية‮«.‬

وعاد المؤتمر السنوى السادس فى‮ ‬2009‮ ‬لتأكيد هذه السياسات والإعلان عن إصرار الحكم علي‮ ‬المضى فى بيع ما بقى من القطاع العام ومؤسسات وشركات الدولة تحت اسم‮ »‬صكوك الملكية الشعبية وإصدار القوانين اللازمة للبدء في‮ ‬التنفيذ خلال الدورة البرلمانية‮ ‬2009‮ - ‬2010‭.‬

وفي‮ ‬يوم السبت الماضي‮ ‬فى افتتاح المؤتمر السنوي‮ ‬السابع للحزب الوطني‮ ‬قال الرئيس حسني‮ ‬مبارك‮: ».. ‬وفضلاً‮ ‬مما حققناه من إصلاح سياسي‮.. ‬فقد قام برنامجنا للإصلاح الاقتصادى علي‮ ‬تحول مهم وجذرى لإعادة صياغة دور الدولة من كونها المحرك الأوحد للنشاط الاقتصادى والمصدر الرئيسي‮ ‬للتشغيل،‮ ‬إلي‮ ‬دور جديد ومتطور‮ ‬يضع الأطر المنظمة للنشاط الاقتصادى ويفسح المجال للقطاع الخاص‮. ‬يتابع ويراقب أداء الاقتصاد ويعني‮ ‬بتصحيح مساره‮«‬،‮ ‬مضيفاً‮: »‬لقد خضنا هذه التحولات الاقتصادية الكبري‮ ‬وعيوننا علي‮ ‬غير القادرين من أبناء الشعب،‮ ‬واخترنا البديل الصعب عندما اتبعنا منهجاً‮ ‬متأنياً‮ ‬للإصلاح‮ ‬يحفظ التوازن بين فئات المجتمع حتي‮ ‬لا‮ ‬يدفع‮ ‬غير القادرين الفاتورة الباهظة للتحول الاقتصادى‮.. ‬كان البعد الاجتماعي‮ ‬وسيظل المحور المحرك لجميع سياساتنا الاقتصادية‮. ‬وضعنا سياسة واضحة لتحقيق العدالة الاجتماعية،‮ ‬ولتوسيع شبكة الضمان‮. ‬اتبعنا سياسات محددة لاستهداف الفقر تقوم علي‮ ‬تمكين‮ ‬غير القادرين والأخذ بأيديهم للخروج من دائرته ومعاناته‮.. ‬كان شاغلنا الشاغل وسيظل هو تحسين نوعية الحياة ورفع مستوي‮ ‬معيشة الإنسان المصرى وتطوير ما‮ ‬يقدم له من خدمات التعليم والرعاية الصحية والإسكان والمرافق وغيرها‮«. ‬وحدد الرئيس ثلاثة أولويات للمرحلة القادمة،‮ ‬أولها‮ »‬المزيد من الاستثمار والنمو وإتاحة فرص العمل‮«‬،‮ ‬وثانيها‮

»‬المزيد من تدعيم قاعدة العدل الاجتماعى بين أبناء الوطني‮ ‬ومحافظاته‮«.‬

وللأسف فالواقع عكس هذه الأقوال تماماً‮.‬

لقد خضع الحكم لضغوط صندوق النقد والبنك الدوليين وهيئة المعونة الأمريكية والفئات الطفيلية من الرأسمالية المصرية،‮ ‬لتنفيذ ما‮ ‬يسمى بسياسات التحرر والتثبيت والتكيف الهيكلى للتحول إلي‮ ‬اقتصاد سوق رأسمالى منفتح ومندمج في‮ ‬الاقتصاد الرأسمالي‮ ‬العالمى،‮ ‬وبدأت هذه السياسة عام‮ ‬1974‮ ‬تحت اسم الانفتاح في‮ ‬ظل الرئيس الراحل أنور السادات،‮ ‬واكتسبت قوتها وعنفوانها في‮ ‬نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات في‮ ‬ظل الرئيس حسني‮ ‬مبارك‮.. ‬وأدت هذه السياسات إلي‮ »‬أزمة شاملة نعيشها اليوم في‮ ‬ظل هيمنة‮ »‬رجال الأعمال‮« ‬على الحكم وتأسيسهم لدولتهم،‮ ‬تتمثل في‮ ‬تراجع معدل التنمية‮ »‬علي‮ ‬سبيل المثال تراجع معدل التنمية من‮ ‬7‭.‬2٪‮ ‬عام‮ ‬2007‮ ‬إلي‮ ‬4‭.‬3٪‮ ‬في‮ ‬الربع الثالث من العام المالي‮ ‬2008‮ - ‬2009،‮ ‬وانخفاض معدل الادخار القومى وتراجع الاستثمار الأجنبي‮ ‬المباشر بنسبة‮ ‬53٪،‮ ‬وارتفاع الدين المحلي‮ ‬إلي‮ ‬745‮ ‬مليار جنيه والدين الخارجى إلي‮ ‬173‮ ‬مليار جنيه‮ »‬30‭.‬9‮ ‬مليار دولار‮«‬،‮ ‬وتخصيص‮ ‬60٪‮ ‬من الموازنة العامة للدولة لسداد أعباء الديون،‮ ‬وارتفاع نسب من‮ ‬يعيشون تحت خط الفقر،‮ ‬والذى‮ ‬يقدر الصندوق الدولي‮ ‬للتنمية الزراعية التابع للأمم المتحدة عددهم بـ48‮ ‬مليون نسمة،‮ ‬ويعاني‮ ‬2‭.‬4‮ ‬مليون مواطن‮ - ‬أغلبهم من حملة المؤهلات العليا والوسطى‮ - ‬من البطالة،‮ ‬وارتفعت أسعار السلع الأساسية‮ - ‬الغذائية خاصة‮ - ‬بصورة فلكية،‮ ‬وتراجع مستوي‮ ‬معيشة الطبقات الشعبية والفئات الوسطى بصورة مخيفة،‮ ‬ويعاني‮ ‬المجتمع من تفاوت طبقى حاد،‮ ‬وعرفت مصر ظواهر شاذة‮ ‬غير مسبوقة طوال تاريخها مثل وفاة المواطنين في‮ ‬طوابير الخبز،‮ ‬وغرق وموت المئات في‮ ‬قوارب الهجرة‮ ‬غير الشرعية،‮ ‬والآلاف من حوادث وسائل النقل البرية والسكك الحديدة والبحرية،‮ ‬وانتشار العنف والبلطجة،‮ ‬وشيوع التعذيب فى السجون والمعتقلات وأقسام الشرطة،‮ ‬وتراجع مصر فى قائمة الشفافية الدولية من المركز السبعين إلي‮ ‬ما بعد المائة،‮ ‬أي‮ ‬تفاقم واستشراء الفساد،‮ ‬وتفجر كوارث صحية وبيئية تهدد حياة المواطنين،‮ ‬كما عرفت مصر ظاهرة العشوائيات وعددها علي‮ ‬الأقل‮ ‬1300‮ ‬منطقة عشوائية‮ ‬يعيش فيها نحو‮ ‬20‮ ‬مليون شخص أي‮ ‬ربع سكان مصر‮.‬

وفى تقرير أخير للمعهد القومي‮ ‬للتخطيط أن نسبة من‮ ‬يعيشون تحت خط الفقر في‮ ‬مصر ارتفعت من‮ ‬40‭.‬55٪‮ ‬عام‮ ‬2004‮ - ‬2005‮ ‬إلي‮ ‬41‭.‬69٪‮ ‬من إجمالي‮ ‬السكان،‮ ‬وأن هناك ‮٥ ‬ملايين مواطن لا‮ ‬يحصلون علي‮ ‬ما‮ ‬يكفى للانفاق علي‮ ‬مجرد الحد الأدني‮ ‬الضروري‮ ‬من الغذاء،‮ ‬أي‮ ‬يعانون من فقر مدقع‮.‬

ووعد الرئيس بالتوسع في‮ ‬التشغيل وتوفير‮ ‬4‭.‬5‮ ‬مليون فرصة عمل جديدة خلال‮ ‬6‮ ‬سنوات‮ »‬من‮ ‬2005‮ ‬إلي‮ ‬2011‮« ‬بمتوسط‮ ‬750‮ ‬ألف وظيفة سنوياً‮ ‬لم‮ ‬يتحقق،‮ ‬ويستحيل تحقيقه في‮ ‬ظل حجم الاستثمارات العامة والخاصة المحلية والخارجية التي‮ ‬تفتح سنوياً‮ ‬في‮ ‬مصر‮. ‬ومع ذلك لو سلمنا جدلاً‮ ‬بإمكانية توفير هذا الحجم من التشغيل فسنجد أن حجم البطالة القائم حالياً‮ ‬والذى تقدره الحكومة بأقل من مليون عاطل وتقدره منظمات دولية واقتصاديون بما‮ ‬يتراوح بين‮ ‬2‭.‬5‮ ‬مليون و‮٣ ‬ملايين عاطل سيزداد سنوياً‮ ‬بحوالي‮ ‬150‮ ‬ألف عاطل جديد،‮ ‬حيث‮ ‬يبلغ‮ ‬عدد الداخلين سنوياً‮ ‬إلي‮ ‬سوق العمل‮ ‬900‮ ‬ألف طبقاً‮ ‬للتقديرات الرسمية‮.‬

والخلاصة أن النتيجة النهائية للحكم هي‮ ‬مزيد من الفقر والبطالة والفروق الطبقية والفساد‮.‬