البرلمان البديل‮.. ‬والجماهير

حسين عبدالرازق

الجمعة, 17 ديسمبر 2010 09:54
بقلم: حسين عبدالرازق

من أهم النتائج التي ترتبت علي التزوير الفج والشامل لانتخابات مجلس الشعب واستيلاء الحزب الوطني‮ »‬الديمقراطي‮« ‬علي الأغلبية الكاسحة وإقصاء الأحزاب والقوي السياسية المعارضة بصورة شبه تامة عن المؤسسات التشريعية،‮ ‬وبالتالي عن مؤسسات الدولة بصفة عامة،‮ ‬التفكير جدياً‮ ‬في ضرورة ابتداع مؤسسات بديلة أو موازية وممارسة العمل السياسي بأساليب ديمقراطية تركز علي الشارع والعمل الاحتجاجي والضغط الجماهيري أكثر من اعتمادها علي المعارضة داخل المؤسسات الرسمية كمجلسي الشعب والشوري والمجالس المحلية‮.‬

فمع اللجوء إلي تقديم الطعون في نتائج الانتخابات‮ (‬288‮ ‬طعناً‮ ‬قدمت للأمانة العامة بمجلس الشعب سيتم إحالتها إلي محكمة النقض لتحقيقها وإعداد تقارير عنها ترد إلي المجلس ليقرر ما يشاء بشأنها طبقاً‮ ‬للمقولة الفاسدة الشهيرة‮.. ‬المجلس سيد قراره‮!)‬،‮ ‬واتجاه بعض المرشحين للجوء للمحكمة الدستورية العليا عن طريق الطعن علي أحد القوانين الصادرة عن مجلس الشعب الجديد أمام القضاء وتقديم دفع أمام المحكمة بعدم دستورية تشكيل مجلس الشعب،‮ ‬والطلب من المحكمة إحالة موضوع الدفع للمحكمة الدستورية العليا‮.. ‬برزت فكرة إنشاء برلمان بديل أو مواز أو شعبي‮.‬

وكما يبدو فالفكرة ليست بنت اللحظة أو نبتت فجأة كرد فعل لجريمة تزوير انتخابات مجلس الشعب،‮ ‬فوائل نوارة،‮ ‬سكرتير عام حزب الغد،‮ ‬يقول إن فكرة البرلمان البديل طرحت منذ نحو سنتين،‮ ‬وتم تجديد طرحها منذ شهر،‮ ‬وكلفت لجنة مكونة من نوارة ومن د‮. ‬أسامة الغزالي حرب،‮ ‬رئيس حزب الجبهة الديمقراطية،‮ ‬التي قاطعت انتخابات مجلس الشعب ود‮. ‬أيمن نور لوضع تصور لبرلمان بديل يعبر عن جميع التيارات السياسية،‮ ‬إضافة إلي التنوع الجغرافي والعمري والنوعي،‮ ‬وأشار د‮. ‬أسامة إلي أن البرلمان البديل هو فكرة

رمزية عرفتها بلاد أخري مثل أرمينيا وروسيا‮.‬

وبينما يجري تبادل الرأي بين شخصيات عامة ونواب سابقين تم إسقاطهم في الانتخابات الأخيرة وقوي وأحزاب سياسية حول فكرة البرلمان البديل،‮ ‬والتوافق علي تشكيل البرلمان الشعبي من‮ ‬100‮ ‬شخصية حزبية وسياسية تضم حصصاً‮ ‬لكل من جماعة الإخوان المسلمين وأحزاب الوفد والناصري والجبهة والغد‮ (‬جبهة نور‮) ‬والكرامة والوسط والإصلاح،‮ ‬وتخصيص نسب لحركات التغيير‮ »‬الجمعية الوطنية للتغيير‮« ‬و»حركة كفاية‮«‬،‮ ‬بالإضافة إلي الحركات الاحتجاجية التي ظهرت خلال الأعوام الخمسة الماضية،‮ ‬كحركة الضرائب العقارية وغيرها،‮ ‬وتخصيص نسبة لا تتجاوز الـ5٪‮ ‬للمصريين في الخارج،‮ ‬لعدد من أساتذة القانون والعلوم السياسية الذين ليس لهم انتماءات حزبية،‮ ‬وطرح اسم محمد البرادعي وحمدين صباحي لرئاسة هذا البرلمان الشعبي،‮ ‬وتأكيد الجمعية الوطنية للتغيير علي لسان‮ »‬السيد الغضبان‮«‬،‮ ‬المتحدث باسمها،‮ ‬أن المجلس الموازي مازال فكرة تدرس وستطرح علي الأمانة العامة للجمعية للتأكد من جدواها السياسية والقانونية‮.. ‬أعلن عدد من النواب السابقين من المعارضة والإخوان المسلمين والمستقلين‮ (‬تراوح العدد بين‮ ‬86‮ ‬و90‮) ‬في مؤتمر صحفي عقد يوم السبت الماضي،‮ (‬11‮ ‬ديسمبر‮)‬،‮ ‬بمقر حزب الجبهة الديمقراطية عن تأسيس برلمان شعبي‮ »‬شرعي‮« ‬يضم جميع‮ »‬رموز السياسة وتم تشكيل لجنة من د‮. ‬محمد البلتاجي‮ (‬الإخوان‮) ‬وسعد عبود‮ (‬الكرامة‮) ‬وعلاء عبدالمنعم‮ (‬الوفد‮) ‬ومصطفي بكري للإشراف علي عمل البرلمان‮.‬

وفي تحرك إيجابي لا يمكن تجاهل دلالته،‮ ‬وجه هؤلاء النواب السابقون الدعوة للجماهير المصرية للمشاركة

في وقفة احتجاجية في اليوم التالي‮ (‬الأحد‮ ‬12‮ ‬ديسمبر‮) ‬أمام مكتب النائب العام،‮ ‬شارك فيها ما بين‮ ‬1500‮ ‬و2000‮ ‬من الكوادر والقيادات السياسية بمشاركة حزب الوفد‮. ‬في هذه الوقفة الاحتجاجية تطور جديد فرضته التطورات الأخيرة،‮ ‬وهو ما أكده محمد مصطفي شردي،‮ ‬المتحدث باسم حزب الوفد،‮ ‬الذي شارك في الوقفة الاحتجاجية مع نواب وفديين سابقين وأعضاء من حزب الوفد في بورسعيد حملوا لافتة تقول‮ »‬نبدأ‮« ‬عندما قال‮: »‬الوفد لن يترك مجلس الشعب إلا بعد حله أو إسقاطه‮.. ‬وهذه المظاهرة تشهد بداية نزول الوفد إلي الشارع،‮ ‬ولن تكون هذه المرة الأخيرة‮«.‬

والأهم هو الاتجاه إلي ممارسة أساليب الاحتجاج والضغط في الشارع،‮ ‬فالمعارضة داخل المؤسسات وباستخدام الصحف الحزبية والخاصة والقنوات الفضائية الخاصة وشبكة الإنترنت تعقد المؤتمرات والندوات السياسية داخل المقار،‮ ‬وهو ما مارسته الأحزاب في السنوات الماضية،‮ ‬لم تحقق هدف‮ »‬التغيير‮« ‬الذي تجمع عليه القوي والأحزاب الديمقراطية،‮ ‬فهذا الشكل التقليدي للمعارضة يركز علي نقد السياسات وإعلان المواقف وتقديم السياسات البديلة،‮ ‬ولا يشكل حركة ضغط حقيقية علي الحكم الاستبدادي القائم،‮ ‬ولا يجعل الجماهير صاحبة المصلحة في التغيير طرفاً‮ ‬في هذا الصراع‮.‬

والرهان أن تكون الوقفة الاحتجاجية أمام مكتب النائب العام،‮ ‬والوقفة الثانية في اليوم التالي،‮ ‬أمام مجلس الدولة،‮ ‬بداية للنزول للشارع عن طريق توزيع البيانات وعقد المؤتمرات الجماهيرية خارج المقار المغلقة وتنظيم الوقفات الاحتجاجية والمسيرات‮ (‬المظاهرات‮) ‬وصولاً‮ ‬إلي العصيان المدني عندما تتوافر شروطه،‮ ‬وبذل جهود حقيقية لكي لا تكون هذه الممارسات قاصرة علي قيادات وعضوية الأحزاب والقوي والجماعات السياسية،‮ ‬وأن ما يحدث حتي الآن ـ وإنما تجذب إليها بصورة متصاعدة،‮ ‬الآلاف من جماهير المواطنين التي رفضت تزوير إرادتها وقاطعت التصويت في هذه الانتخابات،‮ ‬وتدفع لنا‮ ‬غالياً‮ ‬من قوت يومها ومستقبلها،‮ ‬وحريتها نتيجة لسياسات هذا الحكم الذي جثم علي البلاد طوال‮ ‬34‮ ‬عاماً‮ ‬وأدي إلي تراجع التنمية وازدياد نسب الفقر والبطالة وشيوع الفساد وتأكيد الاستبداد،‮ ‬فبدون مشاركة الجماهير وتنظيمها سيظل الأثر الفعلي لكل التحركات المعارضة محدوداً،‮ ‬ولن تستطيع تحقيق هدف‮ »‬التغيير‮« ‬وإزاحة هذا الحكم‮.‬