رئيس حزب الوفد

بهاء الدين أبو شقة

رئيس مجلس الإدارة

د.هانى سري الدين

رئيس التحرير

د.وجدي زين الدين

الصينيون يتقدمون، ونحن نبحث قضية الأذان في المجلس!

حسين إسماعيل

الأربعاء, 08 فبراير 2012 14:07
بقلم: حسين إسماعيل

رع عمق الصين ليست الجنة الموعودة كما يعتقد البعض أو يتمني، كما أنها ليست الجحيم البائس كما يحاول البعض أن يصورها. الصين بلد مثل كل بلاد الدنيا شتاؤها شديد البرودة وصيفها قائظ الحرارة تتعرض لكوارث طبيعية وبشرية، وهذه الكوارث تحتل دائما الصدارة في نشرات التلفزة والإذاعة والصفحات الأولى للصحف

فلأسباب لا تخفى على أحد هناك في هذا العالم من لا يريد، ولا يسعده، أن يرى الصين هانئة وتسير على درب الرقي والتقدم، وليس خافيا أن أجهزة الإعلام العربي تنساق في الغالب بدون وعي وراء ما تروج له آلة الإعلام الغربية عن الصين دون محاولة تمحيص أو تدقيق، ولا يخفى على من عاش أو عمل في الصين أن معلومات كثيرة تنشر في الوطن العربي عن الصين سواء في الصحف أو المجلات أو الكتب، بل وفي رسائل علمية، تعوزها الدقة. ضارع عمق
الصين ليست قوة عظمى، ولا تسعى علي ما الأقل في الأمد المنظور لأن تكون قوة عظمى.. ربما هناك من يتمنى أن تصبح الصين قوة عظمى، وأنا منهم. ولكن التمنيات شيء والواقع شيء آخر، والصينيون يتعاملون مع الواقع المحسوس ويخططون لمستقبل قابل للتنفيذ؛ فهم في الصين لا يعرفون تقليد وضع حجر الأساس وإنما الافتتاح والتشغيل. ضارع عمق
قد يكون التساؤل هنا، إذا كان الأمر كذلك، أعني أن الصين ليس لديها ما يميزها كثيرا عن غيرها سواء في الجغرافيا أو الموارد والثروات الطبيعية، فمعدل نصيب الفرد في الصين من العديد من الموارد الطبيعية يقل عن المعدل العالمي، فالصين مثلا بها 7% من الأرض المزروعة في العالم، تطعم بهذه السبعة في المائة خُمس سكان العالم. ضارع عمق
مرة أخرى إذا كان الأمر كذلك فما هو السر في هذا التقدم الصيني المذهل، المذهل للآخرين- أؤكد أنه مذهل للآخرين- فما يحققه الصينيون ليس مذهلا لهم، وليس إعجازا بل شيء طبيعي- شيء طبيعي أن تتغير الصين بهذه السرعة الفائقة وأن تحقق معدلات نمو عالية وأن تتفوق في المجالات العلمية والرياضية والفنية في منظومة متكاملة للنهضة الشاملة. ضارع عمق
لماذا ولماذا وألف لماذا عندما يتعلق الأمر بالصين؟
الإجابة عندي كلمة واحدة .. الإنسان .. الإنسان الصيني، وعلي أن أسارع هنا بالقول إن الإنسان الصيني ليس ملاكا منزها عن العيوب والنواقص ولا يمتلك قدرات خارقة تفوق طاقة البشر ولا يحمل عصي سحرية تشق له الطريق، إنما هو بشر عادي للغاية، ويعرف أنه عادي ويتصرف ويعمل منطلقا من حقيقة أنه عادي، فإنك لا تجد في الصين مثلا من يقال له "سبع صنايع والبخت ضايع" فالإنسان الصيني له صنعة واحدة يجيدها ويتقنها فيؤديها علي خير وجه. ضارع عمق
أؤكد مرة أخري علي حقيقة عادية الإنسان الصيني والتي هي من أسرار تفوقه. عادي لا يحاول القفز إلي ما يدور في ذهنك وإخراجه كلاما علي لسانه، عادي يسأل عن تفاصيل تدهشك. وأضرب لكم مثلا بسيطا، إذا كنت تجلس علي مقهى في الصين وطلبت كوب ماء للشرب، مسألة في غاية البساطة، غير أن طلبك بهذه الصورة لا يكفي لأن يجيبك الصديق الصيني ويلبي مطلبك. عليك أن توضح إن كنت تريده ماء باردا مثلجا أم ماء عاديا فاترا أم ماء

مغليا أم ساخنا ثم عليك أن توضح إن كنت تريده ماء معدنيا أم ماء حنفية، وقس على ذلك. ضارع عمق
السؤال الآخر في هذا الإطار، قد يكون ما هي العوامل التي أفرزت إنسانا بهذه المواصفات العادية للغاية، وبمعني أدق العوامل التي جعلت الإنسان الصيني يشعر ويعيش ويتصرف بهذه العادية. ضارع عمق وقبل أن أبدي ما أعتقد أنه السبب في ذلك على أن أشير إلى أن الإنسان الصيني بمعناه الشامل والجامع ليس فقط المسئول الذي نلتقيه وليس أبناء العاصمة بكين والمدن الكبرى من شاكلة شانغهاي وقوانغتشو وشنتشن، وهي المقاصد التي يتم عادة ترتيب زيارات الوفود الأجنبية لها في الصين. فمجموع سكان بكين وتيانجين وشانغهاي وتشونغتشينغ، وهي المدن الأربع التابعة في إدارتها مباشرة للحكومة المركزية لا يزيد علي ثمانين مليونا، فإذا أضفنا إليها سكان الحواضر الكبرى للمقاطعات المتقدمة اقتصاديا لن يزيد المجموع بحال عن مائتي مليون فرد، ولكي أقرب الصورة أكثر أشير إلى أن نحو سبعين في المائة من سكان الصين يعيشون في الريف. ضارع عمق
الإنسان الصيني إذن موجود في قويتشو الفقيرة جدا وفي نينغشيا ذات الظروف الطبيعية القاسية والأغلبية المسلمة، موجود في هوبي وهونان وآنهوي وغيرها من مقاطعات الوسط والشمال- الغربي بخاصة. حتى في الحواضر الكبرى مثل بكين، الإنسان الصيني ليس فقط هو ذلك الذي تراه في الأحياء التي يرتادها الأجانب بل إنني أزعم أن الإنسان الصيني الحقيقي، وبمعني أدق الإنسان الصيني على سجيته وجبلته موجود في الأزقة التي يسمونها بالصينية "هوتونغ". فتيات بكين لسن تلك الفتيات التي يراها السائحون في البارات وصالات الرقص والغناء. إنك لكي تعرف الإنسان الصيني ينبغي أن تزيل القشرة الخارجية له وتراه في مسكنه وبين أهله وتقترب منه. ومفتاح شخصية الصيني أن تبتسم له وأن تبدو متواضعا وعاديا مثله. ضارع عمق
وهذا يردنا إلى السؤال عن العوامل التي أفرزت إنسانا بهذه المواصفات العادية. ضارع عمق
هذه العوامل في رأيي فكرية وتاريخية وجغرافية وبيئية. ضارع عمق
فكريا، الإنسان الصيني يحمل في جيناته حضارة عمرها ما ينيف على الخمسة آلاف عام، والحضارة الصينية هي الوحيدة من بين حضارات العالم القديمة التي حافظت على تواصلها دون انقطاع ومن ثم الإنسان الصيني في القرن الحادي والعشرين تمتد جذوره دون شائبة تشوبها إلى أصولها الأولى. وهي حضارة نقية، إذا جاز التعبير، حتى عندما تأثرت بحضارات أخرى فإنها صينت كل دخيل ولهذا فإن العقائد الدينية عندما دخلت الصين تأثرت بالفكر الصيني المتمثل رئيسيا في الفكر الكونفوشي، وينطبق ذلك علي البوذية والإسلام والمسيحية. هذا التصيين للفكر القادم من الخارج استمر ومستمر إلى الآن، فعندما اختارت الصين النهج الشيوعي أخذته من منبته الأوروبي وغرسته في التربة الصينية وألبسته رداء صينيا ريفيا فلاحا من القرية وليس عاملا في
المصنع، وعندما تبنت اقتصاد السوق جعلته اقتصاد السوق الاشتراكي ذا الخصائص الصينية، واللافت، علي الأقل بالنسبة لي، أن الصينيين تركوا تراثا تربويا وأدبيا وصناعيا ولكنا لا نجد شيئا كثيرا من تاريخ الفكر السياسي الصيني، على العكس من العرب والإغريق والرومان مثلا؛ فالصينيون ليسوا بارعين في التنظير وإنما في التطبيق والصنعة، وقد أشار إلى هذا المسعودي قبل مئات السنيين. ضارع عمق
فكريا أيضا، الصينيون متأثرون إلى حد بعيد بتعاليم كونفوشيوس وهي في مجملها تعاليم أخلاقية تربوية تحث على الطاعة واحترام وتوقير الكبير والعطف والحنو على الصغير، والأهم أنها تدعو إلى التعلم، التعلم اللانهائي حيث يقول كونفوشيوس: لو أننا ثلاثة نسير في طريق لاتخذت الاثنين الآخرين معلمين لي، ولهذا تراهم في الصين لا يكفون عن طلب العلم. الذي حصل علي شهادة متوسطة ويمارس عملا يدرس في مدرسة ليلية أعلى والذي حصل علي ليسانس أو بكالوريوس عينه على استكمال دراساته العليا في بلد متقدم، بل إنك تعجب لناس تجاوزوا الستين والسبعين، يتعلمون اللغات الأجنبية، وفي مقدمتها الإنجليزية واليابانية، لغة الأعداء سابقا.
تدهش عندما تدخل سوق خضار في بكين وترى بائعة الخضار تضع كتابا مفتوحا أمامها فوق بضاعتها فإذا فرغت من بيعها واصلت قراءتها. وقد أزعم أنه لا يوجد أحد في الصين لا يقرأ. ضارع ق
تاريخيا، الصينيون عاشوا حتى عام 1911 في ظل حكم أسر إقطاعية وكان الإمبراطور في الصين بمثابة إله فهو ابن السماء ولهذا فقد جُبل الإنسان الصيني على الطاعة. بعد تغير النظام الإقطاعي بقيام الثورة الديمقراطية عام 1911 ثم تأسيس الصين الجديدة عام 1949، ظلت هذه الطاعة مقرونة بالولاء للوطن وللسلطة الحزام الذي يربط بحر السكان الصيني. تعجب عندما ترى طلاب مدرسة بالمئات يخرجون إلى الشارع في صفوف منتظمة تقودهم معلمة دقيقة الحجم، لا تدافع ولا اعوجاج ولا شذوذ علي النظام. ضارع عمق
جغرافيا، الصين هي مركز العالم، بل إن معني الصين باللغة الصينية "تشونغ قوه" أي الدولة الوسطى أو المركز وقد وعى الصينيون قبل آلاف السنين مما قال عالم الجغرافيا ماكيندر أن من يسيطر على المركز يسيطر على العالم، ولهذا كان إمبراطور الصين في الزمن القديم يعتقد أنه إمبراطور الدنيا كلها، والآن عندما تنظر في خريطة صينية للعالم ترى  الصين ليس في أقصى الشرق وإنما في قلب العالم. ضارع عمق
هذه الوسطية أعطت الإنسان الصيني الاعتدال والتسامح، تسامح يعبر عن نفسه في سياسة الصين الخارجية وفي البائع الذي تشتري منه وفي الصديق الذي قد تسيء إليه، وسطية وهبت الإنسان الصيني عاديته البعيدة عن التطرف والشطط. ضارع عمق
بيئيا، الصين فيها كل الظواهر الطبيعية، تضاريس ومناخ وطبوغرافيا، فالصين ليست شديدة البرودة طوال السنة وليست شديدة الحرارة أيضا، فالإنسان الصيني تتقلب عليه الفصول الأربعة واضحة مميزة ولهذا فإنه ليس حاد المزاج كإنسان البلاد الحارة وليس مثل أبناء البلاد الباردة، مزيج بيئي أفرز إنسانا عاديا للغاية. تلك العادية التي كما أسلفت من أسرار تفوقه. ضارع عمق
تلك العوامل التي في رأيي تقف وراء تكوين الإنسان الصيني وبالطبع ثمة عوامل أخرى لم أتعرض لها، فالحديث عن إنسان، حضارته أكثر من خمسة آلاف عام حديث ممتد إلى أبد الآبدين. ضارع عمق
ولكن علي أن أشير إلى أن الإنسان الصيني في الوقت الراهن، في ظل الانفتاح الذي تتبناه الصين وفي ظل العولمة يتعرض لتيارات عارمة، تيارات أقوى من التصدي لها أحيانا وهذا يثير قلقا بين المثقفين الصينيين.ملقد قال الزعيم الصيني الراحل دنغ شياو بينغ، الذي صمم ونفذ سياسة الإصلاح والانفتاح في الصين ووضعها على جادة التقدم، قال في بداية انتهاج سياسة الانفتاح: إنك عندما تفتح النافذة يدخل الهواء المنعش ولكن الذباب يدخل أيضا.
لكل هذا، الصينيون يتقدمون، بينما نحن نهتف ونتكلم ونقطع الطرق، حديدية وبرية. راقبوا ما يحدث في مجلس الشعب لتعلموا ما نحن فيه. القضية الآن عندنا هي: هل يجب قطع جلسات المجلس لرفع الآذان أم تستمر الجلسات. وإلى أن نجيب عن السؤال ستكون الصين قفزت عشر سنوات إلى الأمام