الإعلام والإسلاميون واحتقار الحدود

حسام عبدالعزيز

الخميس, 05 يناير 2012 09:16
بقلم - حسام عبدالعزيز

راعتني بشدة الحملة الإعلامية على الحدود واعتبارها أمرا مستبشعا لم يعد مناسبا لمجتمعنا، فضلا عن الاستخفاف بهذا الباب الذي يشغل مساحة كبيرة من الشريعة الإسلامية. استخفاف يتجلي في العبارة المعلبة الروتينية التي تظهر إفلاس الإعلام الليبرالي وهي: الشريعة ليست الحدود.

حتى الإسلاميون وقعوا في هذا الفخ فانتقلوا بفعل فاعل من خانة الهجوم على كل ما يقلل من فريضة بهذه الأهمية إلى موقف المدافع السلبي المكرر لنفس العبارة: الشريعة ليست الحدود. وهكذا صار الفريقان يرددان العبارة نفسها وإن تناقضت الأغراض والدوافع.
أقولها بصراحة: إن تطبيق الحدود التي يهاجمها الليبراليون ما كان ليسمح بتحول مصر إلى تِلْكُم الدولة المتخلفة. فكافة مشكلات مصر في عهد النظام السابق تعود إلى السرقة والرشوة وسياسات الاحتكار التي طفحت بها كافة مؤسسات الدولة والتي كان أكثر مجرميها من الأثرياء وهو ما يدحض الحجة القائلة إن أزمة الأمة في فقرها. حتى التأخر العلمي الراجع إلى ضعف الإمكانيات لم يكن سببه العوز، فمصر لم تعان فقرًا قط وإنما عانت توزيعا جائرا للثروة وهو ما تؤيده التقارير الاقتصادية الدولية عن مصر منذ عقود.
لقد كان تطبيق الحدود وقت النظام السابق على الجميع ـ ودون استثناء ـ كفيلا بردع الفاسدين عن تلك الجرائم. صحيح أن الحديث عن تطبيقها في هذا الجو القمعي الديكتاتوري يعد ضربا من ضروب الخيال، لكنه يمسي كلاما واقعيا للغاية الآن بعدما بدأت الأمة بناء مؤسستها التشريعية بشكل يستبعد عودة هذا الجو مجددا.
بل أن تطبيق الحدود هو الوسيلة الناجحة الوحيدة لتطبيق المطالبات الليبرالية بشأن رموز النظام السابق على الأقل. فلو قُطعت يد كل من سرق مال هذا الشعب فأفقره وأمرضه وجهَّله لشفيت صدور الشعب الثائر حتى الآن، ولو قُتل كل من قتل متظاهرا لما تسببت نار الغضب الثوري في سقوط المزيد من القتلى في شارع محمد محمود وأمام مقر رئاسة الوزراء ولما وجد العملاء الفرصة لمقايضة الدماء بمكاسبهم الشخصية.
نعم هي الحل حتى لليبراليين الذي لا يفتأ أغلب رموزهم يرددون كلمة القصاص للثوار في اقتباس صريح من القرآن، على الرغم من كلمات أخرى قد تفي بالغرض في هذا السياق كالانتقام أو الإعدام. فهذا ممدوح حمزة يقول: إن المصريين يتطلعون إلى العدل والقصاص لدم الشهداء. وذاك البرادعي

يصرح بأنه لا يمكن أن يستمر إهدار الدم المصري دون قصاص. التحرير نفسه احتفل بما يسمى بجمعة القصاص بمشاركة أغلب الرموز الليبرالية.
إنني أتعجب بشدة من تعليقات الليبراليين المعترضة على أي انتهاك والمسارعة إلى المطالبة بإعدام المجرم في ميدان عام. لا أريد أن يكون كلامي مرسلا ولنتأمل معا تصريحات المهندس ممدوح حمزة معلقا على تأييد بعض المواطنين المجلس العسكري. قال حمزة: أحمدوا ربنا أننا معدمنكوش ولو ده حقهم تك كسر حقهم.
ويكمن الخوف من الليبراليين في أنهم يتبنون القيم الحقوقية الدولية وهو ما يعرض مشروع تطبيق الشريعة للخطر في حالة كتابة دستور توافقي، فمسألة تطبيق الحدود تحظى بإدانة حقوقية دولية واسعة. وهنا يشار إلى واقعة تحرَّش فيها رجل بطفل في السعودية ثم قتله خنقا ثم قتل والد الطفل طعنا حين جاء يبحث عن ولده، وخبأ الجثتين بمتجره ثم هدد رجال الشرطة بسكين حين جاءوا للقبض عليه. وكان هذا الشخص قد أدين من قبل بممارسة اللواط. ورغم كل ذلك، أدانت "العفو الدولية" إعدام الجاني وصلبه في ميدان عام واعتبرته شيئا مروعًا.
وفي ماليزيا التي لا تطبق الحدود إلا على المسلمين، دفعت التوبة امرأة مسلمة إلى المطالبة بتنفيذ عقوبة الجلد بحقها علنا لتناولها الخمر. ومع ذلك ظلت منظمة العفو الدولية تنتقد العقوبة وتطالب بإلغائها بوصفها "مهينة" و"لاإنسانية".
لقد صار التطاول على الحدود فجا لدرجة أن البعض صار ينعت الحدود بالوحشية رغم علم الجميع أن واضع تلك الحدود هو الله الخالق.
في قوانين الدول الغربية عقوبات شديدة الوحشية منها عقوبة السجن مدى الحياة التي تعذب المتهم بقسوة فلا هي خلصت البشرية من شره وأراحته، ولا هي قومته وأعادته للمجتمع مواطنا صالحا. ولنتأمل معا عقوبة الإعدام على الكرسي الكهربائي التي اخترعتها الولايات المتحدة عام 1890، وظلت مطبقة لما يزيد عن قرن كامل قبل أن تتذكر محكمة أمريكية في عام 2008 أن العقوبة "بربرية ووحشية"!
لقد بات الاستخفاف بالحدود مشعرا بأن رفض الحدود كقانون جنائي ليس راجعا لقسوتها وإنما لكونها قوانين مستمدة من الشرع في بلد ينادي ليبراليوه بدولة لا تستند إلى الدين في قوانينها أو نظامها السياسي، إيمانا منهم أن تطبيق الشريعة بمصر ظلم للأقلية القبطية الكافرة بتلك الشريعة ومناقض للدولة المدنية التي ينشدونها.