رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

لماذا يتجه المتظاهرون نحو وزارة الداخلية؟

حسام عبدالعزيز

الخميس, 24 نوفمبر 2011 10:33
بقلم: حسام عبد العزيز

لا يحتاج الآن الوضع إلى وصف فالفضائيات تتكفل بالأمر. لا حاجة أيضا إلى الحديث عن مواقف الأحزاب والقوى السياسية التي أثبت أغلبها أنه لا يستحق أن يدير مباراة لكرة القدم فضلا عن وطن بحجم مصر. ما نحتاج الآن هو قليل من الإنصاف في تلك اللحظة الفارقة من تاريخ مصر.

لا شك أن المجلس العسكري فشل في إدارة البلاد على مدار تسعة أشهر، وهو ما يضع الكثير من علامات التعجب حول إصراره الشديد على التمسك بالسلطة بداعي الاستقرار الذي لم يلمسه المواطن العادي منذ تنحي المخلوع وحتى الآن، إلى درجة تشعرني شخصيا بأن أدائي لن يكون أسوأ من هذا المجلس لو كنت رئيسا لمصر. فللمرة الأولى منذ قرن من الزمان يشعر المواطن العادي أن ماله وبيته بل وزوجته معرضون للخطر في وضح النهار. 
لا شك أيضا أن آثار الثورة أضفت الصبغة الانتقامية على عقيدة معظم عناصر الشرطة على نحو يضعنا بين خيارين أحلاهما مر: فإما تسريح أغلب أفراد هذا القطاع والزج به كمرتزقة ومجرمين بالأجر في المجتمع المصري وإما الإبقاء عليهم ليرتكبوا المزيد من الانتهاكات كلما سنحت الفرصة. بدا كذلك أن الشرطة تعمدت ألا تعيد الأمن إلى الشارع ولم تكن عاجزة أو مكسورة كما تزعم.
لا أشك أيضا أن الثورة كان بإمكانها الوصول إلى قدرتها الحالية على الضغط دون هذا الكم من القتلى والمصابين لو عاد المعتصمون المضروبون السبت إلى بيوتهم حقنا للدماء التي أريقت بعد ذلك واكتفوا بالخسائر ريثما

يعودوا إلى الميدان في مليونية الجمعة القادمة بحجم أكبر يكفل لهم الحماية. لا مجال للحديث عن أن الشرطة هي التي تسببت بوحشيتها في تفاقم الأمور فافتراض الرحمة في موتور يمسي ضربا من الغباء.
بيد أن الإنصاف يقتضي أن نطرح بعض الأسئلة حول الوضع الراهن. لماذا تتجه كل التظاهرات إلى مقر وزارة الداخلية ومديريات الأمن وأقسام الشرطة في المحافظات خلافا للأمر القرآني ولا تزر وازرة وزر أخرى؟ مبرر الناشطة نوارة نجم إن الهدف من هذا التصرف التعبير عن الرأي وإيصال الكلمة، وكأن القنوات الفضائية ومنها الجزيرة ليس لها كاميرات سوى أمام أقسام الشرطة ووزارة الداخلية، لا أعتقد أيضا أن متظاهري شارع محمد محمود يظنون أن كلماتهم أمام المقار الأمنية ستقتل قوات الشرطة أو توقظ ضمائرهم إلا إذا كان الهدف استفزاز الشرطة وجرها للمواجهات. في الأسكندرية رفض متظاهرون العودة لميدان فيكتور عمانويل مصرين على التقدم نحو مديرية الأمن.
التوجه إلى الأقسام لا يتسق مع سلمية الثورة بل ويشيع الفوضى التي ستحرق الناس في منازلها كما تحرق الشرطة. صحيح أن الشرطة تعمل بنحو ثلث طاقتها منذ تنحي مبارك لكن استمرار تلك الأفعال غير المسؤولة قد تؤدي لضياع هذا الثلث الباقي.
السؤال الثاني الآن هو: ما مبرر التوجه إلى مقر وزارة الداخلية بالتحديد؟
الإجابة الثورية الجاهزة هي صد هجمات الأمن المركزي عن ميدان التحرير لكنها أيضا إجابة غير منطقية. فالمواجهة داخل شارع محمد محمود تفقد المتظاهرين عنصر التفوق العددي وتضطرهم إلى مقابلة الشرطة بعدد مساو بينما يتفوق الطرف الأخير بالسلاح، وكان الأولى أن يتراجع المتظاهرون إلى الميدان فإذا تقدمت قوات الأمن ـ مهما كان عددها وانتشارها ـ واجهت مصيرا مأساويا لأنها سترغم على الدخول وسط عشرات الآلاف من المتظاهرين.
الإنصاف يقتضى كذلك أن نعترف أن التغطية الإعلامية للجزيرة شابها قدر من الانحياز لا يمكن إغفاله، رغم الاعتراف بالحقيقة القائلة إن تغطية القنوات الرسمية ظلت مخيبة للآمال. فبينما انتشرت الانتقادات للادعاءات المثيرة للضحك التي بثها التليفزيون الحكومي، غض نشطاء فيسبوك الطرف عن نشر الجزيرة خبرا عاجلا بالأمس حول احتراق مديريه أمن بورسعيد، وتحطيم الواجهة الأمامية للمديرية، وهو ما لم يحدث.
قلت من قبل إن ثورة بلا قائد هي فوضى بلا عقل أو قرار. ثورة يرتفع فيها سقف المطالب على قدر ارتفاع صراخ الثائرين. الحل الوحيد لإنقاذ هذه الثورة في تقديري هو أن يبايع التحرير عددا من الشخصيات ممن أثبتت التسعة أشهر الماضية موافقة مواقفهم مطالب الثورة، ليضطلع هؤلاء بمهمة قيادة الثورة والتفاوض مع المجلس العسكري وضبط إيقاع التحركات الثورية وتنقية الصف بميثاق شرف يرفع الحماية عن أي متظاهر يخرق الإجماع الثوري. ولكن من يريد ذلك؟
ولي كلمة في النهاية. القوى التي تمتنع عن لعب دور في حدث خوفا من المؤامرة لن تستطيع أن تحمينا من المؤامرات القادمة إذا وصلت إلى السلطة. فالبطولة أن تجهض المؤامرة وتفضحها لا أن تهرب منها وتخشاها. البطولة أن تصنع الحدث لا أن تنتظر حتى يصنعه غيرك فتكيف مواقفك وفق المعطيات الجديدة. البطولة أن تكون سائقا لا مسوقا فاعلا لا مفعولا به لا سيما إذا أردت أن تحكم مصر.
إذا لم تكن بطلا بهذا المعنى فمصر لا تحتاجك.