رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

غزة تغرق في الظلام وفي الدماء

حسام رمضان أحمد

الأربعاء, 14 مارس 2012 11:21
بقلم:حسام رمضان أحمد

لقد سبق الظلام إلى غزة وتعالت الصرخات ولا مجيب!
أغرى العدو صمتكم فأغرقها بالدماء!
ألا هل من مجيب؟

تعالت الصيحات من قلب الحصار؛ الحصار الذي دخل عامه السادس تحت سمع وبصر اثنتين وعشرين دولة عربية، فرَّخت تحت الحصار دولة جديدة لتصبح ثلاثة وعشرين دولة، وأبشركم بأن التفريخ قادم في كل المناطق، لأن أمة خذلت بعضها لا أشك أنها أمة مقسمة، أعداؤها يقسمون المقسم فيها ويفتتون المفتت، أمة تنكبت طريقها فبقي أقصاها أسيراً تسيل حوله الدماء ولا مغيث ولا مجيب، هُجِّر وشردَّ المرابطون حول الأقصى ولا مغيث، حاولت أمتنا المقسمة والمفتتة أن تصنع شيئاَ ولكنها صنعت الهزائم، وهادنت عدوها ليوغل في دمائها، تحت سمعها وبصرها ولا مجيب.
لعل حصار غزة وجبن الحكام قد هز عروش الطغاة فتبينت الشعوب بعد سبات عميق أن المحاصر ليس غزة، غزة هي مشعل الحرية ولهذا حوصرت، لأنها لم تخسر المعركة، بل صبرت وصمدت وثبتت، فدفعت ثمن صبرها ثباتا على الثبات، وصمودا على الصمود، وصبرا أشد على النفس من الصبر، حول غزة؛ ينتج أشقاؤها الوقود ويبيعونه وتبقى غزة بلا وقود، يغرقها العدو في الظلام ويراقب، هل تحرك أحد؟ ينظر إلى دويلات في الشرق، ودويلات في الغرب، يتساءل هل نبس أحدٌ ببنت شفة، ويأتي الجواب: لا.. إنه صمت القبور، تتعالى الصرخات من قلب غزة: أن يا عرب ولا مجيب! يا مسلمون، أيضاً لا مجيب! يا مصر الثورة، صوت خافت: سنحل المشكلة، أعطونا حتى شهر يونيو نكمل الاستعدادات! العدو يتربص حتى شهر يونيو لحل مشكلة الكهرباء! إنها فرصة كافية لتصفية الحسابات ولاستكمال تهويد القدس، الوقود لا يحتاج إلى كل هذه المدة ليصل غزة! غزة تنادي من جديد يا مصر الكنانة! أخيراً خرج صوت إلى مجلس الشعب المصري هل يجيب؟
يا أحبابنا يا أهلنا يا ربعنا صمتكم أغرى بنا عدونا فأغرقنا في دمائنا أغيثونا، أغيثونا.. أغيثونا.
قبل أيام وصل المرشد العام للإخوان المسلمين في الأردن د. همام سعيد إلى مطار القاهرة، لزيارة مصر، وفوجئ بطلب الأمن المصري منه بالرجوع إلى الأردن، لأن اسمه على قائمة المرفوضين من دخول مصر، فاتصل بفضيلة المرشد محمد بديع، وأخبره بأنه وصل إلى مطار القاهرة، وسوف يرجع إلى الأردن بناء على طلب الأمن المصري، فاستأذنه بديع في دقيقة لاستيضاح الأمر ومعالجته، وبعد فترة بسيطة تم استقباله وختم على جواز سفره عبارة (في ضيافة المرشد العام).. يلحُّ عليَّ السؤال: هل مشكلة كهرباء غزة مثل مشكلة د. همام سعيد؟ وهل يستطيع فضيلة المرشد حلها في اتصال هاتفي؟ وتلح مئات الأسئلة ما الذي يفصل غزة عن مصر؟ يبدو السؤال بسيطاً، ولكن الإجابة عليه تبدو معقدة أكثر.

أول ما يفصل غزة عن مصر هو الجغرافيا:
فالجغرافيا بين غزة ومصر لا يمكن اختزالها بالشريط الحدودي بين رفح في الجانب المصري ورفح في الجانب الفلسطيني ولكن يجب النظر إليها من عدة

زوايا كما يلي:
المساحة: قطاع غزة يمتد في 364 كم2، بينما مساحة مصر 1,000,000 كم2 بمعنى أن نسبة غزة إلى مصر هي (29:01) بمعنى أن غزة مساحة قد تساوي 2/1 مساحة محافظة من محافظات مصر.
السكان: يسكن في غزة أقل من 1,800,000 نسمة، مقابل 85,000,000 نسمة.
الحدود بين غزة ومصر: تغيرت الحدود بين غزة ومصر عدة مرات في القرن الماضي كما يلي:
• 1906: كان خط الحدود الفاصل بين فلسطين ومصر يمر من غرب مدينة العريش، ولكن قوات الاحتلال البريطاني التي كانت تحتل مصر في ذلك الوقت، لم تكن حينها قد بسطت سيطرتها على فلسطين التي كانت تحت حكم الدولة العثمانية، فأجبرت بريطانيا الدولة العثمانية على تعديل حدودها إلى مدينة رفح كما نراه اليوم.
• 1948: بعد خروج بريطانيا من فلسطين عام 1948 واشتعال حرب عام 1948 وانتهائها بطرد الفلسطينيين من ديارهم دخلت القوات المصرية حتى وصلت كتائب المتطوعين المصريين مدينة يافا غربا وصور باهر في مدينة القدس شرقا.
• 1949: وقعت مصر اتفاقية الهدنة مع العصابات الصهيونية التي احتلت فلسطين لتصبح الحدود شمال مدينة بيت حانون وتصبح كل هذه المنطقة تحت السيطرة المصرية.
• 1967: وقعت حرب 67 واحتلت القوات الصهيونية شبه جزيرة سيناء ووصلت حتى مشارف قناة السويس وأصبحت القناة هي الخط الفاصل بين القوات الصهيونية والقوات المصرية.
• 1979: وقعت مصر اتفاقية كامب - ديفيد فاستعادت شبة جزيرة سيناء وانتقلت الحدود مع فلسطين إلى مدينة رفح كما هي عليه الآن.

يفصل بين غزة ومصر تاريخ الصراع:
لا ينكر عاقل ما قامت به مصر خلال العقد الماضي ولا تزال في سبيل دعم الشعب الفلسطيني واستعادة حقوقه، ولكن نظرة إلى التاريخ لن تضر بل ستلقي الضوء على قضية هامة وهي: هل يوجد فصل بين مصر وفلسطين في منظومة الصراع القائم منذ مطلع القرن الماضي؟
من البديهي أن الجميع يعرف من كان خلف حفر قناة السويس وما هي الأهداف الحقيقة وراءها؟ حيث أن القناة حفرت في عهد الاحتلال البريطاني لمصر وذلك بهدف تيسير الطريق الملاحي بين بريطانيا ومستعمراتها في الهند والخليج العربي.
ولا يغيب عن عاقل وجود علاقة بين حماية الطريق الملاحي وإصدار وعد بلفور، فلا يوجد في السياسة البريطانية عشوائية, كل شيء منظم ويخدم الأطماع الاستعمارية البريطانية بشكل دقيق.
حماية قناة السويس وحماية المستعمرات البريطانية كانت المحرك لإصدار وعد بلفور، لأن بريطانيا العظمى من غير المعقول أن تسخر قواتها للعطف على أماني اليهود لولا أنها تجد مصلحة في إنعاش هذا

الحلم الكاذب للتخلص من المشاغبين (الحركة الشيوعية اليهودية في بريطانيا) وإقامة قاعدة عسكرية متقدمة تعمل على رعاية مصالحها الاستعمارية.
تحررت مصر من الاحتلال البريطاني، وبقيت فلسطين تحت الاحتلال الصهيوني، وما زالت مصر تحارب بأساليب شتى، ويتم التآمرُ عليها في الخفاء لدورها في قيادة الأمة العربية والإسلامية ولوقوعها في دائرة الأطماع الصهيونية والغربية، ولذلك لن تتعافى مصر طالما أن فلسطين تحت الاحتلال، لأنها ستبقى تحت عيون الاحتلال الذي يتربص بها، ويهدد حتى بتدمير السد العالي.

يفصل غزة عن مصر مشاكل سكان سيناء:
دأبت السياسة المصرية خلال العقود الماضية على اعتبار سكان سيناء من البدو مواطنين من الدرجة الثانية، فحرموا من كثير من الوظائف في سلكي الشرطة والجيش، وحرمت سيناء من مشاريع التنمية والإعمار، رغم أهميتها الإستراتيجية للأمن القومي المصري، ورغم أنها كانت في العقود الماضية ميداناً أو ممراً لكل الحروب التي خاضتها مصر، والموقف المصري الرسمي قبل الثورة من سيناء يشبه الموقف المصري من كثير من القضايا العربية وخاصة القضية الفلسطينية.

الموقف الرسمي المصري قبل ثورة 25 يناير:
شهدت العقود الماضية تراجع الدور المصري من الدور العضوي إلى الدور المحايد، حتى تجرأت وزيرة الخارجية الصهيونية على إعلان حربها على غزة من قلب العاصمة المصرية في ديسمبر 2008، وتحرك الدور المصري على استحياء بعد مضي أسبوعين من بداية الحرب لتتوقف بعد مضي 22 يوماً في يناير 2009 حيث ظهر الدور المصري بأدنى درجات البلادة التي وضعته في دور الشريك السياسي في هذه الحرب.

مصر بعد الثورة:
أنجزت مصر بفضل الله مرحلة الانتخابات البرلمانية، والانتخابات الشورية وهي بانتظار انجاز الانتخابات الرئاسية حتى يونيو القادم، وفي طريق مصر نحو تكريس الحرية السياسية والعدالة الاجتماعية، حاولت أن تستعيد دورها العضوي مع القضية الفلسطينية فقدمت أمرين في غاية الأهمية، كانت حكومة الرئيس المخلوع تؤخرهما وتبتز من خلالهما حركات المقاومة الفلسطينية، وهما: إنجاز صفة تبادل الأسرى، ودعم مشروع المصالحة الفلسطينية بالرعاية القطرية.
والسؤال الآن عن مشكلة كهرباء غزة؛ لماذا يؤجل حلها إلى شهر يونيو؟
هل المشكلة حقاً فنية؟ أم أنها سياسية؟
في اعتقادي أن المشكلة سياسية بامتياز بمعنى أن تزويد غزة بالكهرباء هو قرار سياسي يحتاج إلى توقيع الرئيس القادم لمصر. حيث أن المنظومة السياسية التي تحكم مصر لها أربع مكونات: هي البرلمان ومجلس الشورى والحكومة والسيد رئيس الجمهورية.
القائد الأعلى للقوات المسلحة المشير طنطاوي يتمتع الآن بصلاحيات رئيس الجمهورية في إدارة شئون البلاد في المرحلة الانتقالية، وموضع العلاقة مع غزة مرتبطة بموضوع العلاقة مع (إسرائيل) كون غزة ما زالت تحت السيطرة الأمنية (الإسرائيلية) من الجو والبحر ومسئولة عن قطاع غزة أيضاً من النواحي الاقتصادية. ويبدو أن المجلس العسكري لا يريد أن يأخذ على عاتقه مسئولية الاقتراب من هذه المنطقة شديدة الحساسية، خاصة أنه يدير مرحلة انتقالية تشرف على الانتهاء، وأن مشكلات غزة في الكهرباء والوقود مهما كان حادة ففي مصر مشكلات أكثر حدة من مشكلات غزة، مثل مشاكل سيناء المعقدة، ومشاكل البلطجة والانفلات والبطالة والقائمة طويلة، فغزة بمساحتها وتعداد سكانها ومشاكلها تغرق في مشاكل مصر ومساحتها وسكانها، وقد لا تمثل شيئاً كبيراً من الناحية الاقتصادية والجغرافية. كما أن أهمية غزة بالنسبة لمصر تبرز في دورها المؤثر على الأمن القومي المصري وارتباطها بفلسطين والعضوية المشتركة لكل من مصر وفلسطين في الصراع. وبالتالي فإن الموقف السياسي المصر من غزة سوف يتشكل بعد انجاز الانتخابات الرئاسية.
ولعل رسالة مصر كما أقرأها إلى أهل غزة تتلخص في قول الله عز وجل: "صبر جميل والله المستعان على ما تصفون" فغزة وفلسطين تعيش في الضمير المصري ولكن الأمور يجب أن تؤتى بالحكمة.