مكلمخانة

أمريكا وأوروبا والحريات في مصر

حازم هاشم

الجمعة, 15 نوفمبر 2013 23:10
بقلم: حازم هاشم

عاشت مصر طيلة ستة عقود مضت تحت طائلة قوانين الطوارئ، ولا أتذكر -في حدود علمي- أن الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاءها الأوروبيين أبدوا خلال هذه العقود أدني مشاعر بالتململ والضيق من بقاء قوانين الطوارئ صامدة كل هذه العقود في مصر!، وكان ضيق الولايات المتحدة وأوروبا بحكم الرئيس الراحل عبدالناصر

لا يعود إلي فردية حكمه ورفضه الديمقراطية السياسية والتعددية، وإنما كان مكمن العداء في العلاقات الحميمة التي ربطت مصر عبدالناصر بالاتحاد السوفيتي لتنعكس هذه العلاقات علي ارتباط مصر بأواصر الصداقة مع بقية دول المنظومة الشيوعية، والعداء الذي يكنه عبدالناصر بصفة عامة للغرب، وكان «جون فوستر والاس» وزير خارجية الولايات المتحدة يعبر عن عدائه المستحكم لناصر الذي يعتبره الحاكم الوحيد في المنطقة العربية الذي يتحدي أمريكا والغرب عموماً، رغم كل المحاولات الأمريكية التي بذلت لكي يتحول عبدالناصر من حاكم «متطرف في عدائه للغرب» إلي حاكم عربي «معتدل» وظلت أمريكا لا تنسي لعبد الناصر «جحوده» وإنكاره لفضل الأمريكيين في إدانة العدوان الثلاثي علي مصر 1956، والإصرار علي خروج القوات الثلاثية الغازية من مصر نهائياً وفوراً!، ولكن عبد الناصر اكتفي بالإشارة إلي الدعم السوفيتي فقط وإنذار «بولجانين» الشهير لقوات الغزو بالجلاء، وفضل السلاح السوفيتي في مساعدة

مصر علي الصمود في مقاومتها للغزاة، مما أثار حفيظة أمريكا التي اعتبرته ناكراً للجميل!، وأعلنت صراحة أن «علي ناصر أن يتحمل تبعات هذا النكران»!، وكان أول تعبير عن مشاعر الولايات المتحدة بعد ذلك موقفها - الذي اعتبرته اختبار قوة مع السوفيت - عندما وقعت هزيمة «يونيو عام 1967» التي أنزلتها بمصر ضربة إسرائيلية مفاجئة حطمت الطيران المصري دون قتال!، ودون حرب تخوضها قواتنا المصرية البرية ضد العدو!، فرأت أمريكا أن فرصتها قد حانت للانتقام من ناصر بتأييد احتلال إسرائيل للأراضي المصرية، وهو الاحتلال الذي لم تترك قواته مصر إلا بعد اتفاقيات ومعاهدة سلام رعتها الولايات المتحدة بعد تقارب بينها وبين نظام الرئيس الراحل أنور السادات، والذي زار القدس في مفاجأة صادمة قلبت موازين الصراع في الشرق الأوسط، خاصة بعد أن حارب السادات إسرائيل حربا متصرة عليها عام 1973، وبعد أن غاب عبد الناصر - العدو الأول لأمريكا- عام 1970 في 28 سبتمبر بالوفاة.
وقد كان بإمكان عبد الناصر - وهو حاكم مصر الفرد - أن يلحق
بركب الولايات المتحدة التي كانت ترعي الكثير من الأنظمة الديكتاتورية في الشرق والغرب علي السواء!، لكن ناصر لم يسع إلى ذلك ولم يكن غياب الديمقراطية فى مصر يعنى أمريكا فى قليل أو كثير وإنما بقي رضاها عن مصر رهيناً باستمرار مصالحها مع مصر بعد عبدالناصر علي عهد الرئيسين السادات وحسني مبارك!.
وجري ما جري في مصر بعد ثورة 25 يناير 2011!، فإذا بالولايات المتحدة ودول الاتحاد الاوروبي تبديان قلقا واضحا علي الأوضاع الديمقراطية في مصر ولا تزالان!، وقد طالعت أمس عن ترحيب الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي بقرار مصر رفع حالة الطوارئ، والتي فرضت شهور ثلاثة مما اقتضته الحالة الأمنية المصرية ومقاومة الإرهاب الذي ضرب البلاد من جماعة التخريب التي كانت محل رضا الأمريكيين والأوروبيين!، وقال بيان الخارجية الأمريكية إنها قد أحيطت علماً بأن الحكومة المصرية تنظر في التشريعات الأخري المتعلقة بالأمن!، وأن الحكومة الأمريكية تحث الحكومة المصرية علي احترام جميع حقوق المصريين!، واحترام حقوق التعبير والتجمع، واختلفت كلمات رئيس وفد الاتحاد الأوروبي في مصر أمس عن منطوق البيان الأمريكي لكنها لم تخرج عن المضمون الأمريكي!، ومن يطالع هذا يتعجب من كل هذا «الحماس» الذي حط علي الأمريكيين والأوروبيين لرفع قوانين الطوارئ في مصر!، ووصاياهم لنا بحرية التعبير والتجمع ومراعاة الأصول التي تنظمها الأعراف الدولية في أحوال المحتجزين، واحترام الحريات الأساسية!، فلم تكن هناك أدني بادرة من الجانبين علي هذا الحماس ومصر تفرض الطوارئ كل هذه العقود!، وفيها المعتقلات زاخرة بأعضاء الجماعة المحظورة!، فما الذي استجد حتي يأتي منهم ما أتي!.