رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

قبل النسيان

أباطيل وأسمار حول عمر سليمان

حازم هاشم

الأربعاء, 25 يوليو 2012 23:21
بقلم: حازم هاشم

يظن البعض أن أهمية الناس لابد أن تحول بينهم وبين الميتة الطبيعية!، فعلو المنصب يراه الناس مدعاة للقضاء عليهم عندما تسنح الفرصة!، فإذا سنحت عند مرض صاحب المنصب الرفيع أبى الكثير من الناس - خاصة من لهم ثأر عند صاحب المنصب - أنه قد قضى عندما لبى نداء ربه وفقاً للأجل المحتوم، بل لابد من التشكيك فى هذه الوفاة، والغمز واللمز عن كيفية موته غيلة وقتلاً!، ويظل هذا الجدل واللجج لأيام أو شهور تسود صفحات الصحف بموضوعات ومقالات تكرس فكرة القتل والاغتيال!، دون أن يأتى أصحاب هذه الأفكار بأى دليل على إمكانية وقوع ما يذهبون إليه، حتى تطوى صفحة الفقيد صاحب المنصب الرفيع ويصبح مجرد ذكرى عابرة إذا ما عرضت سيرته على الناس فى مناسبة ربما لا تخص الراحل من قريب أو بعيد.

ولقد سبق لى أن أشرت فى مقال كتبته فى أعقاب وفاة الثائر الراحل زكريا محيى الدين فذكرت أننى لم أوفق فى إجراء حوار صحفى معه إذ رفض هذا بأدب شديد وإصرار أشد!، وقبل أن أغادره سألته عما إذا كانت لديه مذكرات كتبها وتركها تدور حول سيرة حياته، وجهوده فى إنجاح ثورة 23 يوليو 1952 وإنشاء الأجهزة الاستخبارية والمباحثية الحديثة التى لم تكن تعرفها مصر حتى قيام الثورة، وقد رد الراحل ضاحكاً فقال: إن مثله لا يحتفظ بأوراق!، إنما كافة الأوراق تخص الأجهزة التى ترأسها وقد تركت لها، وفيما عدا ذلك فإن السيرة الذاتية والمذكرات الشخصية لا يظن أنها تهم أحداً ولا تضيف أى شيء إلى المعروف عن صاحب السيرة والمذكرات!
أتذكر هذه الكلمات للراحل زكريا محيى الدين بمناسبة رحيل اللواء عمر سليمان نائب الرئيس السابق، وقبلها تربعه على مقعد المخابرات المصرية العامة، ولم يكن معروفاً عن عمر سليمان أنه يعانى من الأمراض!، بل ظلت أمراضه سراً حتى استبعد من قائمة المرشحين الرئاسيين، فقالت أنباء بعد ذلك إنه قد طار إلى ألمانيا للعلاج، ثم عرفت بعد الوفاة أنه كان يعالج فى أمريكا من مرض نادر اختلطت فيه أوجاع السرطان بأوجاع أخرى فى المعدة والعظام، وقد سارع البعض قبل أن يدفن الرجل إلى إعلان «الشماتة» - مجرد الشماتة! - فى موت الرجل!، ولم أكن أعرف قبل ذلك أن تكون الشماتة فى الموت!، خاصة من داعية إسلامى ينتمى إلى جماعة الإخوان!، ولقد سارع الداعية إلى نعت الراحل بأوصاف تصل إلى حد التكفير!، فكانت الشماتة محل استهجان من أصحاب فضل وعلم دينى فى الأزهر معقل علوم الدين الإسلامي!، ولكن مما أثار السخرية أن هناك من وصف عمر سليمان بأنه «الصندوق الأسود» لفترة حكم الرئيس المخلوع مبارك!، وأن الرجل قد رحل عن الدنيا وعنده كنز من المعلومات مات وهو يحملها دون أن يبوح بها لأحد!، وفيما أعتقد فإن الرجل كان عسكرياً منضبطاً كتوماً حتى إنه قد تكتم مرضه فلم يكن هذا معلناً على الناس!، كما أن انضباط الرجل وهو يتولى منصبه الحساس كان نادراً ما تأتى سيرته فى الصحف وباقى وسائل الإعلام إلا عندما كان

يجرى المحادثات بين الأطراف الفلسطينية للتصالح حتى لا تظل إسرائيل مستفيدة على طول الخط طالما ظل الشقاق الفلسطينى قائما، وليس من المعقول أن يتصور أحد أن الرجل قد رحل وهو يحتفظ بملفات وأسرار عمل جهاز المخابرات الذى ترأسه!، فلم نعهد فى مجال العمل المخابراتى أن تكون حقائق وخفايا هذا العمل فى قبضة أحد يختص بها دون غيره من العاملين فى هذا الجهاز أو خارجه، بل كل أوراق الجهاز - وهو جهاز شديد الانضباط - لابد أن تكون مودعة بالجهاز فى أراشيفه وملفاته، وهى ملك خالص له وتراث يخصه مهما تعاقبت الوجوه على قمته، ولم يسبق لى أن طالعت أحاديث مثل التى دارت حول المرحوم عمر سليمان من زاوية رئاسته للمخابرات فى سير الذين تولوا - مثلاً - رئاسة الموساد الإسرائيلى!، فهم على تعاقبهم يتولون منصبهم لمرحلة ثم يتركون المنصب لآخر، فلا يذكر عن أى منهم أنه «صندوق أسود» أو يحتفظ بأسرار وملفات الموساد الإسرائيلى!، و«إدجار هوفر» مدير مكتب التحقيقات الفيدرالى الذى ظل فى منصبه لمدة أربعين عاماً احتفظ خلالها الجهاز الذى ترأسه بملفات لكل الأمريكيين!، فلما ترك المنصب وآل الجهاز إلى رئاسة أخرى، لم يكتب أحد عن «هوفر» أنه ذهب بأسرار الجهاز!، فالأكثر اتساقاً أن يكون الذى على قمة جهاز كهذا أعلم الناس بأن تكون جميع أوراق الجهاز ملكاً خالصاً للجهاز.
ربما كانت لعمر سليمان خصوصيات رحل بها إلى قبره وأبرزها تلك الأيام التى كان فيها «يرعي» كل تصرف لمبارك فى أعقاب اندلاع ثورة 25 يناير 2011، فقد كان عليه أن يحسب كل تصرف، خاصة بعد اختيار مبارك له ليكون نائباً له، وفى ملابسات هى فى حد ذاتها من الأسرار، لكن هذه الأسرار لم تكن فى حوزة عمر سليمان فقط!، بل كان هناك الكثير من الشهود على تلك الأيام، وليترك الذين سارعوا إلى ترويج شائعات حول وفاة عمر سليمان شيئاً للأيام التى ربما صدقت على ما يقولون بالأسانيد، أو دحضت ما يقولون باعتباره «أباطيل وأسمارا»!