رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

عثمان ميرغنى يكتب : الوجه القبيح لأميركا

جولة عربية

الخميس, 25 يونيو 2015 13:27
عثمان ميرغنى يكتب : الوجه القبيح لأميركاعثمان ميرغنى

في مقابلة إذاعية قبل أيام قال الرئيس الأميركي باراك أوباما إن أميركا لم تتخلص من العنصرية، مشيرا إلى أن الطريق لا يزال طويلا، وأن النضال يجب أن يستمر، على الرغم من التقدم الكبير الذي حدث في هذا المضمار. أوباما كان يعقب على جريمة قتل 9 أميركيين من جذور أفريقية على يد الشاب العنصري ديلان روف (21 عاما) داخل كنيسة في شارلستون بولاية ساوث كارولاينا يوم الأربعاء قبل الماضي. فالجريمة أعادت إلى الأذهان ذكريات من فترات الفصل العنصري، وصبّت مزيدا من الزيت على نيران الغضب المتأججة بسبب سلسلة من حوادث مقتل أميركيين من جذور أفريقية على أيدي أفراد من الشرطة أو مدنيين عاديين، في ظروف أقل ما يقال عنها أنها مثيرة للجدل، ومؤججة لمشاعر الغضب إزاء العنصرية التي تأبى أن تزول.

قبل 52 عاما تحدث رئيس أميركي آخر بألم عن ملف العنصرية الذي يمزق الولايات المتحدة، وينكأ جراحا تاريخية عميقة. ذلك الرئيس هو جون كيندي الذي خصص خطابا وجهه إلى الأميركيين في يونيو (حزيران) 1963 للحديث عن عار العنصرية، وليدعم حركة الحقوق المدنية التي كانت تناضل من أجل المساواة للأميركيين من جذور أفريقية. يومها دعا كيندي كل أميركي للتوقف برهة أمام ضميره عند النظر إلى محاولة منع طالبين من الالتحاق بجامعة آلاباما بسبب لونهما، مذكرا الأميركيين بأن بلدهم بني على أيدي رجال ونساء من بلدان شتى وخلفيات متباينة، وأن من حق كل مواطن أن يتلقى

كل الحقوق بغض النظر عن عرقه أو لونه.

ما بين خطاب كيندي الذي وصف بالتاريخي، وانتخاب أوباما رئيسا والذي اعتبر أيضا حدثا تاريخيا، قطعت أميركا بلا شك أشواطا مهمة في معركة الحقوق المدنية ومواجهة التفرقة العنصرية الشنيعة، لكنها بالتأكيد لم تقضِ تماما على الظاهرة التي لا تزال تثير الانقسام في المجتمع. صحيح أن أميركا عندما انتخبت أوباما كأول رئيس من جذور أفريقية ألهبت مشاعر الأمل لدى كثيرين، ووجهت رسالة قوية للتصالح مع نفسها وللابتعاد عن صفحات مظلمة في تاريخها، لكن تلك الخطوة على أهميتها الرمزية والفعلية لم تكن تعني أن العنصرية انتهت، وأن صفحتها قد طويت إلى غير رجعة.

اليوم لا تزال أميركا تعاني من انقسامات عميقة وشروخ بائنة في نسيجها الاجتماعي، فعندما يتحدث أوباما وهو رئيس عن موقف واجهه عندما كان خارجا من مطعم، إذ ظنه أحد الأشخاص عامل موقف سيارات ومدّ إليه مفتاح سيارته ليقوم بإدخالها إلى المرأب، أو تكشف زوجته ميشيل أنه خلال إحدى الحفلات اعتقد أحد الضيوف أن زوجها نادل، وطلب منه إحضار قهوة، فهذا يعني أن المفاهيم والصور النمطية لم تتغير كثيرا. وعندما يقول 79 في المائة من الأميركيين من جذور أفريقية في استطلاع للرأي أجرته صحيفة «نيويورك تايمز»

وشبكة «سي بي إس نيوز» إن الشرطة لديها قابلية أكبر لاستخدام العنف القاتل ضدهم مقارنة بالبيض، وهو رأي وافقتهم عليه نسبة 37 في المائة من البيض، فهذا يعني أن العنصرية لا تزال مشكلة خطيرة في أميركا. غالبية الأميركيين من مختلف العرقيات يتفقون مع هذا التقييم، وفقا لبعض الاستطلاعات التي وجدت أن نسبة 57 في المائة ترى أن العلاقات العنصرية سيئة. أبعد من ذلك فإن الفجوة بين متوسط ثروة عائلة أميركية بيضاء، وأخرى سوداء يبلغ 18 ضعفا، وهو أعلى من معدل الفروقات بين البيض والسود في جنوب أفريقيا إبان فترة الحكم العنصري.

جريمة قتل تسعة أشخاص في كنيسة شارلستون لم تحدث من فراغ، بل لأن العنصرية لم تمت، وهي لأسباب تاريخية، أو اقتصادية أو اجتماعية أو ثقافية، لا تزال مسيطرة على كثير من العقول، وتجد وسائل جديدة عبر الإنترنت للنفخ فيها وفي مشاعر الكراهية. ليس أدل على ذلك أكثر من احتفاء مواقع العنصريين الأميركيين بالجريمة، واعتبار منفذها، الذي قال إنه يريد إشعال حرب عنصرية، بطلا.

إذا كان مقتل أميركيين من جذور أفريقية على أيدي رجال شرطة يثير اتهامات بوجود ثقافة عنصرية مؤسساتية في جهاز يفترض فيه تطبيق القانون، فإن جريمة شارلستون نكأت جراح ماضي العبودية، كون منفذها متشربا من ثقافة فترة الفصل العنصري، فقد نشرت أخيرا صور ديلان روف وهو يرفع علم «الكونفدرالية» الذي استخدمته الولايات الأميركية الجنوبية في حربها للانفصال ولمنع إنهاء العبودية. وللمفارقة فإن هذا العلم لا يزال يرتفع فوق مبانٍ رسمية وكثير من المنازل في ساوث كارولاينا وولايات أخرى جنوبية، وكأنه يشهد بأن العنصرية لم تمت، وأن هذا الوجه القبيح لأميركا ما زال يأبى أن يندثر. فأميركا التي تقول للعالم إنها المدافع عن قيم الحرية والعدالة، أمامها طريق طويل لإنهاء العنصرية والعنف المرتبط بها.

نقلا عن صحيفة الشرق الاوسط