رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

د. مصطفى الفقي يكتب : الفرصة الأخيرة

جولة عربية

الثلاثاء, 23 يونيو 2015 14:23
د. مصطفى الفقي يكتب :  الفرصة الأخيرةمصطفى-الفقى

 

إنني لا أقصد هنا الرئيس عبد الفتاح السيسي الشخص ولا حتى الموقع، ولكنني أقصد بوضوح نتائج 30 يونيو/حزيران و3 يوليو/تموز 2013، حيث جاء النداء الشعبي بشكل غير مسبوق مطالباً بعودة الشرعية إلى أحضان الوطن المصري والتوقف عن العبث بهوية مصر، وأنا الآن بعد عامين من ذلك الحدث الضخم في التاريخ المصري المعاصر وبعد عام من انتخاب الرئيس الحالي فإنني أنبه بشدة إلى محاولات نشر نوع من الإحباط في صفوف الشعب المصري والترويج لفكر انهزامي يحاول الإقلال من الإنجازات والتركيز على السلبيات، إنه تفكير عدمي لا يبحث في مظاهر النجاح ولكنه يتصيد بعض مؤشرات الفشل، وأنا لا أزعم أن الأمور قد بلغت حد الكمال أو أننا حققنا قدراً كبيراً مما تطلعنا إليه، ولكنني أدعي أننا بوجه عام نمضي على الطريق الصحيح ولكن لابد من الوضع في الاعتبار النقاط التالية:

*أولاً: لقد كان قدَر مصر عبر تاريخها الطويل أن تكون هدفاً للطامعين وأملاً للمغامرين لأنها تملك جاذبية شديدة لدى الغزاة والطغاة والبغاة، وقد تحمّلت من الضغوط ما جعلها دائماً دولة ذات مقاومة ذاتية وقدرة تلقائية على الصمود والبقاء. ومصر تمر حالياً بفترة لا نقول إنها وردية بل تتصف بالصعوبة والحساسية، ومع ذلك ورغم كل ما ندركه من تلك الأمور التي تحيط بنا فإننا نعرف قدرة مصر على المضي نحو غاياتها وتحقيق أهدافها، ويكفي أن نتذكر أن «الكنانة» قد واجهت المتاعب والمصاعب وانتصرت عليها، وعرفت التحديات وقهرتها، وظلت صامدة بعمر الزمان لأن هناك معادلة بسيطة يجب أن نتنبه لها، وهي أن من يحقدون على مصر لا يريدون لها السقوط فتغرق معها المنطقة، ولا يريدون لها التحليق إلى أعلى فتمتد أذرعها في الداخل والخارج، فالمطلوب هو أن تطفو فقط على سطح المياه دون أن تعوم مع التيار أو ضده.

*ثانياً: إنني أكتب هذه السطور ولا أضع لما أقوله حسابات أو محاذير، لأن الوطن يمر بمرحلة شديدة الحساسية بالغة التعقيد ويتكالب

عليه أعداء من الخارج - دول وجماعات وأفراد - لا يريدون له خيراً ولا يبتغون له استقراراً، والوطن ماضٍ في طريقه لأن الكل يعرف بأن هذا هو الطريق الذي يجب أن نسلكه مهما كانت العوائق والعقبات، إنه ليس طريقاً سهلاً، ففيه أشواك ندفع ضريبتها دماً وعرقاً ودموعاً على حد التعبير الشهير للداهية البريطاني «ونستون تشرشل»، والشيء المفزع هو أنه قد بدأت تشيع في كثير من الأوساط نغمة انهزامية محبطة تحاول زرع اليأس في قلوب بسطاء الناس بدعوى أننا لا نمضي على الطريق الصحيح وأن الألغام تحيط بنا من كل اتجاه، وقد يكون جزء من ذلك صحيح، ولكن اعتراضنا يكون على رد الفعل الذي يدفعنا إلى الوراء ويحبط مسيرتنا من كل اتجاه، لذلك فإن اختبار المعدن المصري وصلابته وتراكم خبراته التاريخية هو الفيصل في كل ما نرى من أحداث وما يمر بنا من أزمات.

*ثالثاً: إن الوضع الذي تعيشه مصر الآن لم يكن قراراً دكتاتورياً ولكنه كان خياراً شعبياً اتفق عليه المصريون في لحظة معينة، ولذلك فالادعاءات الخارجية بأن مصر شهدت في 3 يوليو 2013 انقلاباً على الشرعية هي ادعاءات زائفة، وإذا كانوا يصرون على كلمة انقلاب فهو «انقلاب شعبي» إذ انقلبت الجماهير على الحاكم عندما اكتشفت أنه لا يتصرف وفقاً لأجندة وطنية ولا يقف على أرضية مصرية خالصة فسحب المصريون «التفويض» وقاموا بإلغاء «التوكيل» وبدأوا مسيرة وطنية من جديد، لذلك فإن الافتراءات التي تروج لها دوائر غربية وعربية وتتحدث باسمها أصوات «تركية» هي استهداف مباشر لاستقرار مصر وأمن شعبها والمصالح العليا التي ترسم طريق مستقبلها، إننا أمام ظرف تاريخي من نوع خاص يتوهم فيه أعداء

مصر أن بمقدورهم العودة إلى الوراء والعبث بمقدرات شعب عانى طويلًا ولن يضيع الفرصة الأخيرة على أجياله القادمة.

 

* رابعاً: إن تكاثر الأعداء ودموية ردود الفعل هو ثمن لابد أن ندفعه إن لم يكن اليوم فسوف ندفعه مضاعفاً الغد، إننا أمام عملية تحطيم للمعنويات وترويج لليأس بينما الحكمة تقول (تفاءلوا بالخير تجدوه)، وليس من حق قوة خارجية مهما كانت أن تفرض وصاية على الوطن أو تحدد مساراً لا يرضى عنه الشعب. ولو تأملنا الأعوام الخمسة الأخيرة فقط لوجدنا أن مصر قد عبرت منعطفات كثيرة وتغلبت على مصاعب جمة ولن يزايد عليها أحد، فالشعب الذي قهر الماضي قادر على النهوض بالحاضر والبناء للمستقبل.

* خامساً: إن المشكلة الحقيقية هي أننا نتعامل مع سطح المجتمع ولا نصل إلى القاع، فالفقر هو القنبلة الموقوتة التي تهدد المستقبل ويتعايش عليها أعداء هذا الوطن مستغلين معاناة الفقراء وحالة العوز المرتبطة بتدني الخدمات الصحية وتراجع الخدمات التعليمية إلى جانب الآثار السلبية للزيادة السكانية، لقد قال لي وزير الاتصالات الأسبق الدكتور ماجد عثمان وهو واحد من أبرز رواد استطلاعات الرأي العام في العالم العربي أن العينات التي تجري عليها دراسات الرأي العام المصري يحصل فيها الرئيس السيسي على تسعين في المئة، بينما يحصل رئيس وزرائه على سبعين في المئة، ويتأرجح الوزراء حول معدل الخمسين في المئة، بينما تهبط النسبة للمحافظين إلى ما دون ذلك بكثير حتى إذا وصلت إلى المحليات وجدنا رفضاً قوياً للأوضاع السائدة في قاع المجتمع واكتشفنا عجزاً شديداً لدى القيادات التي تدير القرى والمراكز والأحياء على امتداد خريطة الوطن، وإذا كانت المعاناة هي المؤشر للحالة المصرية العامة فإن الحق يقتضي أن نقول إن جهوداً كبيرة تبذل على الساحة الداخلية فضلاً عن الاختراقات الناجحة في السياسة الخارجية ومع ذلك تشوه «البيروقراطية» المصرية والعناصر الهزيلة في الإدارة - على كافة مستوياتها - ما يمكن أن يتحقق للوطن بصورة تجهض الجهود البناءة وتعصف بالنوايا المخلصة وتحطم النماذج الصادقة.

.. هذه ملاحظات خمس أردنا بها أن نقول، إن الوصول إلى قاع المجتمع يجب أن يكون هدفنا الرئيسي وغايتنا الأساسية، فالمواطن العادي هو سيد الموقف وهو الذي يعطي تأييده للحاكم الوطني، ولست أدعي أن كل ما يجري على أرضنا صحيح وسليم ورائع ولكنني أزعم أن النوايا طيبة، وأن الوطنية المصرية هي سيدة الموقف رغم المعاناة التي لم تتوقف، والفقر الذي لم يهزم، والخدمات التي لم تتقدم!

نقلا عن صحيفة الخليج