رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

عثمان النمر يكتب : الصديق والعدو

جولة عربية

الخميس, 21 مايو 2015 08:53
عثمان النمر يكتب : الصديق والعدو

ماذا تفعل الصين الآن، وماذا تفعل الولايات المتحدة؟ تنطلق الصين من موقف إيجابي وإرادة فعل للخير، وتتصرف الولايات المتحدة في المقابل من منطلق سلبي، يرصد كل حركة يقوم بها الطرف الأول وتعتقد جازمة أنها ضدها.

تمدّ الصين يدها للعالم على المستويات الإنسانية والتنموية والتعليمية، وتعرض تبادل المنافع الاقتصادية والعون والصداقة والثقافة، وهذه كلها أمور إيجابية مادامت العلاقات المتبادلة لا استعلاء فيها، ولا استصغار، لا يد عليا ولا يد سفلى، بل احترام متبادل، وعدم تدخل في الشؤون الداخلية، ولا شروط ولا عصا أو جزرة.

فما الذي يغيظ الولايات المتحدة ويثير ريبتها وشكوكها ومخاوفها إزاء تقدم الصين في مجالات التعاون الثنائي والإقليمي في العالم؟

الصين احتضنت سياسياً مجموعة السبعين النامية في عالم الجنوب الفقير المنسي، وعرضت عليها شراكة المنافع المتبادلة، التي الكل فيها رابح. بينما الولايات المتحدة طوال العقود الماضية حاولت ترسيخ القطب الواحد المتحكم في مصير العالم، وشنَّت الحروب العدوانية هنا وهناك تحت مختلف الذرائع وشتى المسميات، وجعلت من الأمم المتحدة إدارة في وزارة

الخارجية لخدمة مصالحها، وابتدعت لغة التهديد ومسلكيات التدخل الفج في شؤون الدول الأخرى تحت شتى الذرائع من الدمقرطة إلى حقوق الإنسان إلى حقوق الحيوان والمثليين.. إلخ.

ماذا فعلت الصين في البحر الكاريبي، الفناء الخلفي للولايات المتحدة، وماذا فعلت هذه الأخيرة في هذا الفناء الفقير المنسي؟

للولايات المتحدة مطامع تاريخية في أمريكا الكاريبية، وكان توماس جيفرسون أحد آباء الاستقلال الأمريكي يتبنى سياسة وجوب أن تمتلك بلاده كوبا، وبعد الحرب الأمريكية  الإسبانية وافقت الولايات المتحدة على سحب جنودها من كوبا، مع الحق بالاحتفاظ بقوات خاصة ،قوة بحرية في أرض مؤجرة من الجزيرة على خليج غوانتانامو. وأيدت الدكتاتور والجنرال باتيستا الذي فتح الجزيرة أمام الشركات الأمريكية لاستغلال ثرواتها وتسخير أهلها بالكرباج، وعندما أمَّم كاسترو الشركات الأمريكية، بعد انتصار ثورته ،عاقبته واشنطن أشد العقاب ،فحاصرته وحاولت غزو الجزيرة وإطاحة حكم كاسترو واغتياله.

في المقابل زوَّدت الصين كوبا بالسيارات والأدوية واستثمرت في مناجم النيكل في لاس كاماريوكاس، ونقَّبت عن النفط قبالة سواحل بينار ديل ريو في الجزيرة الشيوعية التي صمدت أمام عقوبات عمرها نصف قرن.

في 2006 عندما ضربت العقوبات الأمريكية الاقتصادية الحادة بربادوس ،لعدم توقيعها اتفاقية الفصل 98 لتحصين الأمريكيين من الإحالة للمحكمة الجنائية الدولية، قدَّمت الصين العون الاقتصادي للجزيرة، وباتت أكبر مساهم في بنك التنمية الكاريبي في بربادوس، الذي يموّل المشروعات الاقتصادية والاجتماعية في الإقليم، والولايات المتحدة ليست شريكاً في هذا المصرف، مع أنه من باب أولى أن تكون أكبر الشركاء فيه.

الصين اليوم تشيد أكبر منتجع في العالم، بتكلفة 3.5 مليار في جزر البهاما، وتبني أكبر مستشفى في الإقليم الكاريبي في الدومنيكا، وتشيد محطات لتوليد الكهرباء في انتيغوا وبارودا، وتبني مقراً لحكومة ترينداد وتوباغو.. والقائمة تطول.

ما كان يتوجب على الولايات المتحدة أن تفعله حباً وكرامة في فنائها الكاريبي ،فعلته الصين التي بات سحرها جذاباً في المنطقة وتحظى بالحب المتنامي. وفي الذاكرة الكاريبية ،مازالت طازجة ذكرى الانقلابات العسكرية بتمويل شركات الموز والسكر الأمريكية ،واغتيال الشخصيات السياسية الوطنية والغزو العسكري المباشر.

الصين تبحث دائماً عن أصدقاء وشركاء ومنافع متبادلة، والولايات المتحدة تبحث عن عدو، وإن لم تجده اختلقته ،لكأنما الحياة لديها لا تستقيم إلا بصنع الأعداء.

نقلا عن صحيفة الخليج