رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

د . رغيد الصلح يكتب :القوميات تعود في زي انفصالي

جولة عربية

الجمعة, 10 أبريل 2015 13:50
د . رغيد الصلح يكتب :القوميات تعود في زي انفصاليرغيد الصلح

يتفق أكثر المعنيين بأحوال السياسة الدولية على أن الفكرة القومية التي منحت شهادات الولادة والوفاة خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، عادت إلى الحياة مرة أخرى خلال القرن الحالي .

كذلك يتفق هؤلاء على أن انهيار الاتحاد السوفييتي ويوغسلافيا شكّل مفصلاً مهماً على هذا الصعيد، حيث انتعشت التيارات والحركات القومية التي كانت قد اختفت تقريباً بعد قيام المعسكر الاشتراكي السابق . ويتفاوت موقف أهل الرأي والقرار من الذين يرصدون هذه الظاهرة ويتتبعون آثارها في الأماكن والأزمنة المختلفة . فمن هؤلاء من يرحب بهذه الظاهرة ويأمل خيراً بصعودها مجدداً، ومنهم من يخشى آثارها في المجتمع الدولي .
بين الذين أيدوا الجيلين الأول والثاني من القوميات يعتبر توم نيرن، المفكر الذي وضع كتاب "تقسيم بريطانيا"، واحداً من أبرز منظري القومية الاسكتلندية . أيد نيرن القومية الاسكتلندية عبر الأجيال وأيدها ليس لأنها صغيرة أو انفصالية، وإنما أيدها لأنها اسكتلندية . ونيرن يساري الانتماء، ولكن نظرته إلى المسألة القومية كانت تختلف، كما وصفها أنتوني بارنيت أحد المتعاطفين مع نيرن، عن نظرة اليسار التقليدي حيث للقومية - حقيقة تاريخية غير قابلة للتغير من صنع التاريخ والمصالح الطبقية - فنيرن كان من أنصار فكرة القومية المدنية التي هي من صنع الظروف المتقلبة والأوضاع الاقتصادية والسياسية الخاصة بالبلدان التي نشأت فيها . تأسيساً على ذلك خالف نيرن القوميون القبارصة لأنهم دعوا إلى القومية الهيلينية وطالبوا بالوحدة مع اليونان . لقد استخدم المقياس الاسكتلندي للحكم على قومية ذلك البلد الصغير . ولكن رغم تعاطف نيرن القوي مع القوميات الصغيرة، إلا أنه في نهاية المطاف لم يستقر على هذا الخيار، إذ دعا إلى انضمام اسكتلندا إلى الاتحاد الأوروبي . فحتى عند نيرن - الأفضل هو الأكبر - أن هذا الموقف يضع نيرن، رغم التزامه الثابت بمبادئ اليسار الديمقراطي الأوروبي، في صف حركات يمينية مثل "رابطة شمال إيطاليا" التي تريد الانفصال عن الجنوب . وهذا الموقف لا يبرئ القومية الاسكتلندية

من النقد الذي يوجهه كثيرون إلى "القومية الجديدة" التي هي تعبير عن أنانية اقتصادية تسوغ لسكان المناطق المتقدمة على غيرها اقتصادياً ومعيشياً بالمطالبة بالانفصال عن الكيان القومي . كما هو الأمر مع إيطاليا الشمالية واسكتلندا بعد اكتشاف كميات كبيرة من النفط فيها، ومنطقة الباسك في إسبانيا الأفضل حالاً من المناطق الإسبانية الأخرى من الناحية الاقتصادية، وتيمور الشرقية في إندونيسيا التي عثر على النفط في أراضيها .
لقد انحصر التأييد المستمر لقومية الجيلين الأول والثاني في الدول الصناعية بعدد قليل من أهل الرأي والقرار، أما الأكثرية منهم فهو يضم من يرى فرقاً كبيراً بين الجيل الأول من القوميات والجيل الثاني أي الحالي منها . فخلال الجيل الأول حملت القومية معها رسائل التحديث ومنه توسيع السوق ونمو الإنتاج وانتقاله من الأسواق المحلية والقريبة إلى السوق العالمية والأسواق البعيدة . كذلك حملت القومية معها رسائل الوحدات السياسية التي دمجت الدول الصغيرة في كيانات أكبر، فاتسقت بذلك الحركة القومية مع الدعوة العالمية وسارت الفكرتان في سياق واحد تقريباً . ويذكر بعض مؤرخي القومية هنا أن جيسيبه ماتزيني، أحد أهم المفكرين القوميين خلال القرن التاسع عشر، لم يعمل من أجل توحيد إيطاليا فحسب، وإنما دعا أيضاً إلى اعتبار هذه الوحدة جسراً للعبور إلى الوحدة الأوروبية، فبدا الهدف القومي مع ماتزيني كأنه دعوة مستمرة إلى الانتقال من الكيان الأصغر إلى الكيان الأكبر .
ولكن خلافاً لهذه النظرة وسيراً على طريق معاكس لها، فإن البعض من المعنيين بالمسألة القومية يبدون تحفظاً على القومية الجديدة لأنها تكتسي بالطابع الانفصالي . فانتوني جيدنز، المفكر والأكاديمي البارز الذي أطلق من على الشرفة السياسية البريطانية فكرة "الخيار الثالث" وصف القومية الجديدة بأنها
لم تأت في سياق العولمة وتوخياً لفتح المجتمعات البشرية على بعضها بعضاً، وإنما نشأت كردة فعل على هذا المسار وعملت على رفع السدود وبناء الخنادق ضده . وتوافق ماري كالدور مديرة مركز دراسات المجتمع المدني والأمن الإنساني في كلية لندن للاقتصاد جيدنز على نظرته هذه اذ تعتبر ان قومية القرن الواحد والعشرين هي "تسييس للنزعة المحلوية" على حساب المصالح الوطنية والعالمية .
أسهمت هذه المقارنات بين القومية الجديدة والقومية القديمة في إظهار أن الفارق بين قومية التوحيد وقومية الانفصال هو فارق مهم ورئيسي . إن التباين بين النوعين من القوميات كبير إلى درجة أنه يصل إلى التضاد الكامل . ففكرة الوحدة جديرة بأن توفر للكيان الجديد درجة افضل من المناعة الأمنية والازدهار الاقتصادي والنهوض الثقافي . تحقق ذلك بفضل -وعي الهوية القومية التي زاوجت التاريخ المشترك واللغة والثقافة - كما يقول هابرماس، "فوعي الانتماء إلى نفس الأمة هو وحده يجعل الشعب المنتشر في أراضٍ واسعة يشعر بالمسؤولية المشتركة . وبذلك يشعر المواطنون بأنهم جزء من كل، بصرف النظر عن الصيغة القانونية والدستورية التي يتأسس عليها هذا الكل" .
بالمقارنة، فإن الانفصال يهدد بالتراجع وبانتكاس ما حققته الحركات القومية القديمة على هذه الصعد . قد يقال هنا إنه لو كان هذا الفارق صحيحاً لما أصبحت دول أوروبا الشرقية التي أحرزت الاستقلال بسقوط المعسكر الاشتراكي وحلف وارسو وانسحاب القوات الروسية أفضل حالاً بعده . ولكن هذا التوصيف ليس دقيقاً لأن أوضاع هذه الدول الاقتصادية تحسنت تحسناً كبيراً ليس بعد الانفصال عن الكيانات السابقة التي كانت تضمنها، ولكن بعد انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي الذي هو أهم تجربة اتحادية على الصعيد العالمي خلال القرن الحادي والعشرين .
يجدر بالذكر أن هذا التوصيف لا ينطبق فحسب على دول أوروبا الشرقية التي حققت انتقالاً ملحوظاً على صعد التقدم الاقتصادية والتحول السياسي والإصلاح الديمقراطي، بل ينطبق أيضاً على دول أوروبا الرئيسية، فكيف يفسر المؤرخون وعلماء السياسة السرعة التي تمت خلالها معجزات التطور الاقتصادي في كل من ألمانيا وإيطاليا بعد الحرب العالمية الثانية؟ وكيف يفسر هؤلاء أيضاً النهوض السريع لفرنسا بعد خروجها من الجزائر؟ وكيف يفسر هؤلاء أيضاً التراجع في مكانة بريطانيا الاقتصادية والسياسية في العالم؟ كيف يفسر المؤرخون الصعود السريع للذين هزموا في الحروب القارية والتحررية إلى منتصرين في معركة الازدهار والاستقرار؟ يجيب الكثيرون من أهل العلم والمعرفة قائلين: فتشوا عن "مشروع مارشال"، فتشوا عن الاندماج الإقليمي . -
نقلا عن صحيفة الخليج