سمير عطاالله يكتب : مذيعو النيل

جولة عربية

الخميس, 19 مارس 2015 15:14
سمير عطاالله يكتب : مذيعو النيلسمير عطاالله

قامت ضجة في بعض مصر حول تكليف إعلاميين لبنانيين تقديم برامج تلفزيونية عالية المشاهدة. وطرح سؤال بديهي: أليس في مصر كلها من يقوم بذلك؟ الحقيقة أن الفن شيء لا يقاس بالهويات. كبار نجوم هوليوود كانوا من بريطانيا وكندا وفرنسا، وأهم منتجيها ومخرجيها من أوروبا الشرقية. وإلى عقود ظل أشهر وجهين نسائيين على شاشتها، غريتا غاربو من السويد، ومارلين ديتريش من ألمانيا.

طبعا أميركا ليست مصر، الفسحة أكبر والغيرة أضيق. ولكن عقد الستينات كله احتل شاشة هوليوود ممثل مصري يدعى عمر الشريف. مرة أمير بدور العربي، ومرة بدور أمير نمساوي، ومرة بدور ضابط نازي. وصدف أن عمر الشريف لبناني الأصل مثل مكتشفه يوسف شاهين، ومثل عدد كبير من «الشوام» الذين ساهموا في تأسيس المسرح والسينما والصحافة.
ومعروف أن البريطانيين الذين تضايقوا من الميول الفرنسية عند أصحاب «الأهرام» دعموا إنشاء «المقطم» كصحيفة منافسة. وكان أصحابها من المهاجرين اللبنانيين أيضا. اتسعت رحابة مصر لنجوميات كثيرة لعل أشهرها فريد الأطرش وأسمهان وأنور وجدي وفاطمة اليوسف ونجيب الريحاني وعبد السلام النابلسي. ولم يكن عميد الأدب الدكتور طه حسين يتردد عند البحث عن شهادة قاطعة بالعودة إلى الشيخ مصطفى صادق الرافعي في بحث أو فقه أو مطالعة.
وفي العام 1985 أصدر عالم ألماني كتابا عن تاريخ الشوام في مصر، يتجاوز الكتاب القيم الذي وضعه الدكتور مسعود ضاهر حول الموضوع نفسه، وفيه ينسب إلى صناعييهم وتجارهم ونخبهم جزءا غير يسير من النهضة المعاصرة في وادي النيل.
هل معنى ذلك أن مصر اليوم تضيق بالوجوه اللبنانية اللامعة؟ لا. الذين دعوا إلى وقف البرامج، وحتى إلى طرد أصحابها من البلاد، لا يمثلون في الغالب الرأي العام المصري الرئيسي. وتبدو الدعوة إلى الإبعاد معيبة في حق أصحابها أكثر مما هي في حق المقصودين بالأمر. وهي، في أي حال، دعوات لم تصدر في الصحف، وإنما في فلتان التواصلي. وقام عدد غير قليل من كبار الصحافيين باستنكار الأمر، والرد عن مصر تهمة الضيق بالآخرين.
أما وقد قلنا ذلك، فالحق يقضي بالقول أيضا إن بعض البرامج لا يجوز أن يقدمها إلا رجل، أو امرأة من أهل البلد. وكان يبدو غريبا أحيانا أن يتطرق مذيع لبناني إلى قضايا مصرية بالغة المحلية، أو الحساسية، أو كلتيهما. هناك برامج عامة يمكن لأي كان أن يقدمها، وهناك برامج ذات لون محلي صرف لا تليق إلا باللهجة المصرية، ولا يجوز لأحد أن يتعاطى بها ما لم يكن قد شرب ما يكفي من مياه النيل.
نقلا عن صحيفة الشرق الاوسط