جميل مطر يكتب: مآثر الشرق الأوسط: ثورة الربيع والثورة المضادة

جولة عربية

الاثنين, 16 مارس 2015 14:17
جميل مطر يكتب: مآثر الشرق الأوسط: ثورة الربيع والثورة المضادة

للشرق الأوسط مآثر، مآثر على التاريخ الإنساني، على التاريخ السياسي والإمبريالي والاقتصادي، وبالتأكيد على تاريخ الأديان والملل.

له مآثر عدة وما زال يضيف إليها، وآخرها مآثر ثورتين: ثورة الربيع والثورة المضادة لها، وبالجمع بين الثورتين أقصد أنهما يشكلان في نظري مرحلة يتكاملان فيها فيؤثران معاً، ليس فقط في حياة شعوب وحكومات الإقليم ولكن أيضاً في أحوال أقاليم ودول أخرى خارج الشرق الأوسط.

ليس من المبالغة في كثير ترديد الرأي القائل إن ما فعله رئيس حكومة في دولة أجنبية حين قام بزيارة دولة أخرى من دون دعوة أو إذن من سلطتها التنفيذية، وما فعله بعد الزيارة بعض أتباعه والمتعاطفين معه من الشيوخ المتشددين في الهيئة التشريعية، حين بعثوا برسالة من فوق رأس رئيس الدولة إلى حكومة دولة خصم مشتبكة في حالة تفاوض مع حكومة الولايات المتحدة، يتعمدون فيها الإساءة إلى المركز التفاوضي الأميركي لمصلحة أنصار التشدد والحرب في حكومة إيران، ما فعله رئيس الحكومة الأجنبية وما فعله المشرعون الأميركيون لا يخرج كلاهما عن كونه سلوكات «ثورية»، بمعنى أنهما أحدثا تغييراً جذرياً وجوهرياً في أعراف وتقاليد قائمة ومعترف بها، وخلقا وضعاً جديداً ومبتكراً في السلوك الدولي.

نعرف، ويعرف دارسو القانون الدولي وخبراء مهنة الديبلوماسية العتيدة، أنه لم يحدث في تاريخ الدولة الأميركية أن تدخلت السلطة التشريعية في مسار مفاوضات إستراتيجية تجريها السلطة التنفيذية مع دول أجنبية، تدخلاً يكاد يدخل تحت عنوان استخدام حق الفيتو ضد مفاوضات سارية.

لم تتدخل عندما كان روزفلت ومن بعده ترومان يفاوضان الاتحاد السوفياتي في أعقاب الحرب العالمية الثانية، ولم تتدخل عندما كان نيكسون وكيسنجر يفاوضان الصينيين للاعتراف بحكومة الصين والفيتناميين للخروج من فيتنام، ولم تتدخل أيام كان أوباما نفسه يفاوض للخروج من أفغانستان والعراق، أو قبلها عندما كان بوش الكبير يتفاوض مع حلفائه الأوروبيين حول مستقبل أوروبا الشرقية بعد الحرب الباردة.

أن يحدث فجأة في عالم اليوم، أن يتدخل رئيس حكومة أجنبية ضد رئيس دولة هي الأعظم قوة وحجماً، في عاصمته وأمام شعبه ونواب هذا الشعب، يكذب في التاريخ ويزيف في الكتاب المقدس ويعلن خصومته مع اتفاقية أو معاهدة تنوي هذه الدولة عقدها مع طرف ثالث، فهذا في حد ذاته «عمل ثوري» في العلاقات الدولية. كذلك هو «عمل ثوري» لجوء سلطة تشريعية إلى أساليب تختص بها الأجهزة الديبلوماسية والجهات المكلفة بإدارة علاقة دولية بعينها، هي في هذه الحالة العلاقة «المثلثة» الأميركية - الإسرائيلية - الإيرانية. لذلك بدا منطقياً رد الفعل العالمي، بخاصة في أوساط الديبلوماسية

وصانعي السياسة الخارجية، متمثلاً في خشية عظمى من أن يتحول صنع السياسة الخارجية بكل تعقيداتها وخطورتها إلى عملية جماعية تغلب عليها علامات الشعبوية والديماغوجية وتشترك فيها أطراف جاهلة بتفــاصيل القضايـــا، وغير مسؤولة في النهاية عن قرار الحرب والسلم، وغير واعية تماماً لخطورة ما تفعل.

الذنب في نهاية الأمر ذنب الشرق الأوسط. فالقضيتان، قضية تدخّل رئيس حكومة أجنبية في شأن داخلي خطير خاص بدولة عظمى وقضية تجاوز الكونغرس صلاحياته بالتدخل المباشر في عملية تفاوض خطيرة، قضيتان تتعلقان بدولتين شرق أوسطيتين وهما إيران وإسرائيل، ولكليهما علاقات كثيفة بالأوضاع الثورية السائدة حالياً فى معظم أنحاء الشرق الأوسط. وللمفاوضات الجارية، فشلت أم نجحت، علاقة مباشرة بنواح عدة بالثورة الناشبة في المنطقة ومصائر دول وحكومات فيها.

هذا النموذج البارز لتطور اعتبره ثورياً إذا نظرت إليه من خلفية قواعد مستقرة في القانون الدولي والعلاقات الدولية، يدفعني إلى التوقف عند محطات أخرى فى الشرق الأوسط ذاته، المصدر الرئيس للحالة الثورية التي نتحدث عنها. نتوقف أولاً عند عمليات تحول، أيضاً جذرية وجوهرية وخارجة عن المألوف، في النظام الإقليمي العربي. كثيرة هي المؤشرات إلى أن النظام العربي قد دخل فعلاً حالة الاستعداد للرحيل تمهيداً لإحلال نظام آخر محله، نظام في خيال سياسيين وبيروقراطيين في عواصم غربية وشرق أوسطية أو نظام ربما مخطط له بالفعل ويجري تجهيزه. هذا الإحلال قد يتمناه بعضهم باعتباره أفضل الخيارات إذا قورن بخيار آخر هو إحلال فراغ قيادي ومؤسساتي في الإقليم.

صحيح أن أصواتاً كثيرة دأبت على الدعوة إلى تطوير النظام العربي، والاستعداد لنظام «عربي» بديل، ولكن الجديد، أو الثوري في الحادث حالياً، هو أن الترتيبات الجدية الحالية تكاد تؤكد أن الاتجاه سيكون نحو «نظام إقليمي» غير عربي بالضرورة، والعرب فيه ليسوا أكثر من موضوع جانبي أو طرف ثانوي.

نتوقف ثانياً عند الصورة «الدينية والثقافية» الجديدة للشرق الأوسط، لنجد «تطوراً ثورياً» في مسيرة ما كان يطلق عليه الإسلام «الوسطي» أو الإسلام «المعتدل» لمصلحة مذاهب وتوجهات متشددة في فهمها وتطبيقها للإسلام. صرنا نلاحظ كيف أن جانباً مهماً من العلاقات الإقليمية تستحوذ عليه أطراف متشددة بالمعنى المذهبي، وأنه بهذا التطور يجري استدراج كل أشكال التشدد

في ممارسات دول الجوار وداخل الدول العربية.

ليس مستبعداً، والأمر على هذا النحو «الثوري»، وأقول «الثوري» لأنه يأتي ضمن تداعيات ثورة مضادة في أعقاب ثورة الربيع، ولكن أيضاً لأنه يأتي خروجاً عن مألوف ما درجت عليه حركات ومراحل الإصلاح الديني في الشرق الأوسط منذ القرن التاسع عشر، أن نحصل على نظام إقليمي تقوده وتوجه مساراته قوى دينية، قد يتمنى الكثيرون لو كانت متوافقة أو على الأقل متهادنة. ولكن يبدو من ظاهر الأمر ومن شواهد عدة أن هذه القوى الدينية التي تستعد الآن لتقود النظام الجديد لن تكون متوافقة ولن تكون متهادنة، بل هي في الغالب متصارعة وربما متقاتلة.

نتوقف ثالثاً أمام حقيقة لا يمكن التهرب منها بذريعة الحساسيات أو المشاعر، الحقيقة هي أن هذه التطورات «الثورية» في الشرق الأوسط، سواء اتخذت شكل تغيرات في ميزان القوى الإقليمي أو انحسار القومية العربية كعقيدة «مدنية» لعرب الإقليم أو اكتمال تأهل إسرائيل لمهمات المشاركة في قيادة الإقليم وتحديد مساراته، أو تسببت في، أو لعلها تزامنت مع، «تقزيم» قضية فلسطين، وربما تنحيتها نهائياً أو موقتاً عن قوائم أولويات السياسات الخارجية للدول العربية. هذه القضية كانت جزءاً لا يتجزأ من مشروع النهضة في العالم العربي، وكان يمكن أن تكون جزءاً لا يتجزأ من ثورة الربيع، لولا أنها من داخلها ومن خارجها وبالنيات الطيبة والقوة القاهرة أو بالإمعان في ارتكاب الخطيئة سمحت لقوى الثورة المضادة أن تجندها أو تبطل مفعولها. في اعتقادي أن هذا التحول الذي طرأ على «جوهر» القضية الفلسطينية والطموحات القومية المرتبطة بها بجعلها تبدو أصغر أو أقل قيمة هو في حقيقته «تطور ثوري» آخر، بمعنى أنه صنع وضعاً جديداً غير مألوف أو متوقع في فلسطين ووضعاً جديداً غير مألوف أو متوقع لفلسطين في الإقليم.

نتوقف رابعاً أمام مصر. مصر الباحثة الآن عن وضع مناسب بين ثورتين، ثورة ربيع تضيق بمبادئها وطموحاتها الخناق على عناصر الجمود والفساد والتردد والتخلف السياسي والبيروقراطي وتيارات التشدد الديني والمذهبي، ليس فقط في الداخل ولكن أيضاً في الإقليم، وثورة مضادة، المكون الديني فيها يسبق غيره من مكونات غالبيتها تتشكل من عناصر أدركت خلال ثورة الربيع أن نهايتها التاريخية اقتربت، وأن مصر بل والعالم العربي بأسره، مقبل عاجلاً أم آجلاً على تغييرات شاملة. أدركت أيضاً أن حالة من العنف الدموي ستكون ضرورية لتثبيت أقدام على أرض صارت رخوة بفضل ثورة الربيع، أرض جاهزة لكل غرس جديد، وأدركت كما يبدو من تصرفات راهنة، أن المنطقة مقبلة على صراع لإقامة توازن قوى إقليمي جديد، وأن دولها مهددة بالانفراط، وأسسها التي قامت عليها، وهي أسس معاهدة وستفاليا والاستعمار الغربي تنهار الواحد بعد الآخر.

في خضم هذه الأجواء الثورية الطابع، السريعة التقلب، الموغلة في الأخطار والمتاعب، تطل مصر برأسها بحثاً عن أمل ولو عند الأفق لدور تفيد به وتستفيد منه. البحث شاق ومكلف ودافع للتشرذم الداخلي والشقاق الأيديولوجي.

مصر حكومة وشعباً تعيش أصعب مراحلها: الدور المأمول «عاطفياً» مستحيل، والدور المطروح «واقعياً» مستحيل. ومع ذلك يبقى مستقبل مصر رهن إبداع أبنائها وبناتها في توليد أفكار للاستفادة من هذا الزخم «الثوري» الراهن في الشرق الأوسط.

نقلا عن صحيفة الحياة